أخر المواضيع

رواية ما أقصر الوقت كاملة - روايات عبير


رواية ما أقصر الوقت كاملة - روايات عبير

ما أقصر الوقت
نيرينا هيليارد
الملخص
قبضة القدر حاسمة تنهال على الانسان بقسوة أو بحنان لا يوصف. وهذه قصة الممرضة مرغانا فاي كارول التي يشبه اسمها اسما اسطوريا في حكاية الملك ارثر الشهيرة, لكنها لم تكن تشبه المرأة القوية كما في الأسطورة, بل تركها الانفصال عن خطيبها فيليب مذهولة فصدمتها سيارة... ولما لم يبق لها في الحياة سوى ثلاثة أشهر قبلت الذهاب الى جزيرة خزاماسا المشمسة مع مريضة صادفتها في المستشفى حيث تعمل, هناك التقت ثلاثة أشخاص" سيد الجزيرة الماركيز الغريب, والطبيب الغامض الذي يخفي سراً وراء عمله في تلك الجزيرة, وأيضاً خطيبها السابق... فكيف تواجه قدرها مرة اخرى وهل تتغير مسيرة عمرها القصيرة......
الفصل الأول
فيليب وفالييب
يهطل الرذاذ الرمادي المزعج جاعلا المنظر وراء النافذة أكثر رطوبة وكابةمن العادة, وهو منظر لم يكن يوما مثيرا لاعجاب احد, باي حال, اشاحت نيستا بوجهها عن هذا المشهد الكئيب واجتاحها الشوق الى سماء خواماسا الزرقاء الخالية من الغيوم, وقبابها وأسوارها البيضاء المنتمية الى الفن المعماري البرتغالي, تلمع في الاشعة الذهبية, ذات يوم, لم تكن تميل الى تلك الابنية القديمة على الرغم من جمالها الصافي وهي الان موطنها, بينما باتت برييطانيا حيث ولدت, غريبة بالنسبة اليها, وفي لهجة طيبة تذمرت قائلة: "يا له من مناخ متقلب". التفتت اليها الممرضة الشابة التي كانت توضب شراشف السرير مجيبة: "يبدو انك ما عدت تعتبرين نفسك انجليزية بتاتا يا انسة بروتون". وانتصبت الممرضة جيني مارسدين, واقفة تسوي مريولها الأبيض الناصع وتضيف: "احيانا انا نفسي احسدك على جزيرتك المشمسة". وقبل ان يتسنى لنيستا الاجابة ظهر في الباب ممرضة اخرى, قبعتها البيضاء المنشاة وبزتها الزرقاء الغامقة ومريولها الابيض, من شانها ان توحي لمن يعرف مستشف سانت كريستوفر انهاممرضة ذات مرتبة مرموق, لكن بالنسبة الى نيستا ليس هذا وحده ما لفت انتباهها, هناك شيء اخر اثارها, علما بانه لا سبب لذلك من الوهلة الاولى. فلم تكن الفتاة بجمال السمراء الصغيرة جيني مارسدين- او لعلها كانت - ربما هناك شيء يتعدى الجمال بحد ذاته. فملامح الفتاة الشاحبة شحوب ما بعد المرض, اضفت عليها سحرا فاتنا, وهجباها الكثيفان الناشئان الطويلان, يلقيان نظرة ارتياب الى العام, كانهما يخفيان سرا لا يباح, وراء جبينها الابيض الناعم, وفي نزوة غير متوقعة, تخيلتها نيستا في ملابس فضفاضة من القرون الوسطى, كساحرة جميلة, بدلا من ملابس الممرضة ذات الطابع الرسمي. وبصوت رقيق لا يخلو من رنة باطنية زادت في قلق نيستا بلا سبب واضح, قالت لجيني: "عندما تنتهين تريدك رئيسة الممرضات في المكتب". "حسنا" اجابت جيني "تقريبا انتهيت". وانسحبت الممرضة ذات العينين البنيتين بانحناءة من راسها وابتسامة شملت المريضة وغابت في صمت كما جاءت, قالت نيستا مندهشة وهي ما زالت تراقب المدخل لعلها تحظى بلمحة من الفتاة: "من تكون؟" قالت جيني بصوت خفيض "انها الممرضة مورغانا كارول". وخيل الى نيستا ان جيني متحفظة في ردها, فانطلقت قائلة بشعور يصعب تفسيره" " هناك شيء ما حولها...." وأضافت: "كانها تبتسم في وجه الموت". قالت جيني: "الا تعرفين...؟" وتوقفت فجاة كانها تبينت ان ما ستقوله لن يروق لتلك الممرضة النحيلة المديدة القامة, وبحركة الية غادرت قائلة: " يا الهي يجب ان اسرع, رئيسة الممرضات تسخط اذا جعلتها تنتظر ". باتت نيستا متجهمة الوجه بعدما وجدت نفسها وحيدة في الغرفة. حاولت في حذر شديد تحريك ساقها تحت الغطاء. يا لها من وقعة بعد غياب 15 عاما عن بريطانيا وفي زيارتها الاولى,أصابها التهاب الرئة واسقطها الدوار عن السلم فكسرت ساقها قبل ان تدرك اهمية مرضها. التهاب الرئة والكسر في الساق وضعاها في حالة سيئة, لكن شعورا غريزيا اخبرها ان مايجول في راس تلك الممرضة الصغيرةاخطر كثيرا من حالتها. وكانما افكارها استحضرت الممرضة كارول الى الغرفة من دون ان يخطر لها ان نيستا كانت تفكر فيها على هذا الشكل. وقع نظر كارول على امراة في حوالي الخامسة والاربعين من عمرها, شيب شعرها سابق لاوانه, ويبدو انها طويلة القامة رغم استلقائها في السرير, قالت كارول بصوتها الناعم الجذاب: " صباح الخير انسة بروتون, انا مكلفة بتمسيد ساقك فارجو ان تحتملي ذلك". فابتسمت نيستا وقالت: "اتوقع ان اتحمل ذلك." ومالت براسها هاجسة واردفت: "لا اظنني رايتك قبل ان المحك قبل قليل؟" اشارت ارول براسها مجيبة: "لا اعتقد, لانني كنت مريضة". كان صوتها متساويا صحيحا فوق العادة, وكانت نيستا متاكدة من وجود شيء تحت هذا الغطاء الظاهر. أضافت كارول: "عدت للتو الى عملي." وهي تنزع الغطاء الذي وضعته رفيقتها منذ فترة وجيزة, لم ترفع نيستا نظرها عن راس الممرضة المنحني, بينما راحت الاصابع الحازمة والرقيقة تدلك ساقها المعطوبة, ترى ماذا يخفي هذا القناع الباهت من رباطة الجأش؟ قالت نيستا: "اخبريني ايتها الممرضة, كيف يمكنك ان تحافظي على هذا المنديل برصانة في مكانه؟" ابتسمت كارول من دون أن توقف عملها اجابت: "انها الممارسة والخبرة القديمة, عندما كنت في طور التدريب كانت رئيسة الممرضات توبخني دائما بسبب قبعتي, والمنديل اسهل بكثير لكنه يمكن أن يؤدي الى مضايقات احيانا." فكرت نيستا "انها كفؤة ومحايدة بشكل لطيف, لكن الا توجد طريقة للوصول الى ما تحت الغطاء؟ ومن حيث لا تدري خطر لها ان تقول: "احيانا افكر في ما قد يقوله فاليب عن الممرضات هنا." "فاليب؟" قالت كارول من دون ان ترفع راسها. وبالكاد سمعت الاسم, اذ كان عليها ان تركز بقوة على ما كانت تقوم به لئلا تنزلق افكارها الى ما اطلعت عليه في مكتب مارتون, رئيسة الممرضات, وهي لا تريد التفكير به, حتى تحين لحظة مواجهة الواقع. " انه الماركيز فاليب مانويل رويث دي الفيرو ريالتا ". لفظت نيستا الاسم باعتداد ذاتي واضح لانها تعلم انه اذا كان من شيء يمكن ان يكسر الجليد بينهما فهو هذا. وبالفعل حصلت على ما ارادت عندما رات الممرضة الشابة تنظر اليها مضطربة من خلال سيطرتها على هدوئها لتقول ببرود "يا الهي من يملك اسما كهذا؟" اجابت نيستا: "انه سيد خواماسا." وعيناها الزرقاوان تلتمعان. واضافت "فاليب لا يؤمن بعمب النساء واستقلالهن." عادت كارول الى التدليك وعلى شفتيها شبح ابتسامة ساخرة وقالت: "انه احد اولئك العتاق الذين يفكرون بان المطبخ والزواج مهنة المراة الوحيدة". واتسعت الابتسامة في عيني نيستا وهي تفكر بان كارول من نصيرات تحرير المراة, ربما يكون الموقف مثيرا لو التقت كارول بسيد خواماسا الرائع. عاد قناع الحزن ينتاب وحه الفتاة, وعرفت نيستا ان كارول تهجس من جديد بالشيء الذي يعذبها فاكملت مصممةعلى تبديد الكابة ولو لوقت قصير: "قليلون هم الرجال الذين ما زالوا يفكرون هكذا كما اظن." واضافت: " لكنهم يخفون رغبة في الحماية والعطف." اجابت كارول: "ربما كذلك." ولم يكن ذهنها كله مركزا على هذا الموضوع. ثم اضافت: "ما هي جنسية سيد خواماسا هذا, باسمه الطويل العريض". "برتغالي". أومات كارول براسها كانما هذا يفسر كل شيء, وانحنت من جديد على عملها, انه واحد من هؤلاء اللوردات الاقطاعيين القدماء الذين ما زالوا يعيشون في مناطق غير عصرية من العالم. وتساءلت جزافا حول موقع خواماسا, غير ان تشتت افكارها اعادها الى الشيء الذي لا تريد التفكير فيه. قالت نيستا وفي صوتها شيء من المداعبة: "انك لا تبدين اهتماما بالموضوع" واضافت "غريب معظم الفتيات يعجبهن فاليب". اصطنعت كارول ابتسامة خافتة, فربما كان يهمها ان تعرف شيئا حول نبيل برتغالي يملك جزيرة في مكان او اخر, غالبا في خط الاستواء تدعى خواماسا, لكنها الان لا تستطيع ان تشغر باي فضول. "فيليب" كان الرجل الوحيد الذي شغل عقلها وعلى الرغم من التشابه بين الاسمين فلا شيء يجمع فاليب بفيليب. قالت كارول بابتسامة ونظرة خاطفة: "يمكنك الاستمرار في الحديث عنه" ثم اضافت قائلة: "ذلك يساعدك في صرف انتباهك عن الالم". وعن شيء ما يدور في خلدها فكرت نيستا بشراسة بينها وبين نفسها. ثم قالت بصوت مرتفع: "جاءت عائلته الى الجزيرة في اوائل القرن السابع عشر وبالطبع جلبوا معهم كل اتباعهم. واكتشفوا مدينة لورنزيتو وشيدوا فيها قصر "البالاسيو". رفعت كارول حاجبيها قليلا. ففي النهاية, ورغم ما يجول في خاطرها انه شيء مثير هذا النبيل البرتغالي الذي يعيش في مكان يدعى "البالاسيو". "اكملي". قالت بضحكة خافتة واضافت: "انت على حق, بدات اهتم بالموضوع". اخفت نيستا ارتياحها واستطردت كتفادية ان تكون لهجتها كدليل سياحي: "البالاسيو بناء جميل ومخيف حسب اعتقادي, لكن فاليب ينسجم والقصر تماما". اردفت كارول: "ربما لانه هو ايضا مخيف". وافقتها نيستا قائلة: "اعتقد ذلك, انه لا يملك معظم اراضي الجزيرة وحسب, بل لديه ممتلكات في البرتغال كلها وفي اماكن اخرى من العالم على ما اعتقد". ابتسمت كارول لنفسها, اذا يبدو الامر كحكايات الجن, لكن في الخرافة يكون الامير شابا جذابا, والواقع انه لا بد في خريف العمر, سمين ولديه معدة كبيرة وربما على وشك الصلع". في اخر هذه الادانة ابتسمت كارول لنفسها باستغراب وتساءلت: "لماذا تشكلت تلك الصورة التي بقيت بذهنها لبرهة. وعندما انتهت من غرفة نيستا خاجة الى الجناح, تناسته بسرعة. وصل الخبر بصورة ما الى المرضى, لا احد يعرف كيف, مثل طبول الادغال التي لا يمكن تجاهلها, وكانت كارول منتبهة اليهم يراقبونها تسير في طول جناح المستشفى قبل ان تغادره في نهاية يوم العمل, كانت تحس عيونهم تطاردها ولم تكن شفقتهم في موضعها مع انها نابعة من تاييد داخلي لها, مصدره الامهم بالذات. " ايتها المرضة ". ترددت كارول عندما سمعت صوت امراة تناديها ثم التفتت نحوها, واصدرت تنورتها المنشاة حفيفها المعهود, وارتدى وجهها ابتسامة وظيفية براقة لا تشبه ابتسامتها الفاتنة المعروفة. وتساءلت: "كيف حالك يا سيدة روبنسون؟ ثم اضافت: هل كل شيء على ما يرام". اجابت السيدة روبنسون" :انا على ما يرام". غير ان نبراتها الطفيفة اوحت ان لديها شيئا اخر يهمها, وعرفت كارول ما هو. لكن من الصعب عليها ان تقطع الحديث وتكمل طريقها, ولو كان ذلك ممكنا لفعلته. كان فضول السيدة روبنسون قاتما لحد لم تعد معه قادرة على الاحتمال, ذلك الصباح. مع ذلك لا يمكن تجاهلها, وهيتحدق فيها كانها تريد اختراق ذاك الجبين الابيض لترى السر المميت وراءه "هل صحيح...؟" غير ان السيدة روبنسون خانتها شجاعتها ولم تكمل. فاردفت كارول بالنبرة نفسها: "هل تعنين اني ساموت خلال ثلاثة اشهر؟" واضافت: "نعم صحيح وهناك منطقة ضغط في دماغيلا يمكن ازالتها." ثم ابتسمت بتهيب وهي تكمل دربها خلال الممر الطويل. المطر ما زال ينهمر رذاذا رماديا خارج زجاج المهجع الصغير حيث تنام كارول مع رفيقتها جيني. وبالرغم من جلوسها قرب الستارة المكشكشةالتي تجعل الغرفة أكثر الفة, لم تكن كارول تعي شيئا عن هطول المطر في الخارج. الى متى ستظل قادرة على اكمال العمل وسط اجواء الفضول والعطف؟ ليس الجميع مثل السيدة روبنسون, بل كان عطف معظم المرضى انها لا تريد الشفقة, لا تريد العيون تنصب عليها كلما جاءت الى الجناح, فتعرف انهم يفكرون: " ها هي الفتاة التي ستموت بعد ثلاثة اشهر." وتبين لها انها بدات بالفعل تكره اولئك المرضى الذين يشبهون السيدة روبنسون لانهم جعلوها تشعر بالغربة وضرورة الابتعاد عن العلم, وهم يهمسون خفية او يثرثرون فيما بينهم, لم يكن بملئ اختيارها هذا الضغط القاتلعلى الدماغ, بل بسبب غبائها, وما تزال لحظة معرفتها بالامر ماثلة امامها في رهبة مرعبة. كن هناك صمت في الغرفة, ليس صمتا ممضا او متوترا, انها وطاة الماضي. كل الكلمات قيلت واسوا ما فيها بات معروفا, بياض وجهها لم يتغير في اي حال. كان خاليا من الانفعال, وعندما رددت كلمات الطبيب فاجاها هدوء صوتها. " لا امل ابدا". قال الطبيب: "ليتني استطيع تقديم بعض الامل ولكن..." كان صوته عميقا يحاول ان يكون جازما, لكنه انساني لابعد الحدود, واضاف: "من القسوة ان اخبرك بهذا الشكل, لكن يكون الامر اسوا لو اخفيته عنك. فهكذا يمكنك ان تقرري ما يمكنك فعله, بالوقت الباقي". واستدار نحو النافذة يحدق فيها, بينما وجدت كارول اهتماما عابرا في التحديق بتجاعيد ستره البيضاء الناصعة, حتى التفت نحوها قائلا: "حسب معرفتي, ان الجراحة اللازمة لم تحصل سوى مرة واحدة كتجربة وما صدق احد انها ستنجح". "وهل نجحت؟" "نعم ...ولا, فالعملية بحد ذاتها يبدو انها نجحت... غير ان الفتاة ماتت بعد ساعات قليلة, ربما بسبب عدم قدرتها على الاحتمال. غير ان الجراح وضع اللوم على نفسه, اذ كانت المريضة شقيقته, وتوارى... البعض يقول انه انتحر". ثم اضاف: "كان الوحيد الذي يمكنه مساعدتك... لكن احدا لا يعرف مكانه, ربما مات كما يقول كثيرون". "فهمت وهذا ينهي كل شيء, اليس كذلك؟" ومرة ثانية فوجئت بهدوء القبول في صوتها, ثم تبددت المفاجاة, فالمرضى من هذا النوع يظهرون بمظهر الخبال عندما تواجههم الحقيقة التي لا بد منها, لم تكن هناك اسئلة حارة في خلدها, كما حدث عندما تلقت رسالة فيليب, حتى انها ضحكت, وتذكرت كلمة بكلمة ما قالته. "طريف." لاحظت نفسها بتعجب. "فكرت انني عندما فقدت فيليب ساموت, لكنني لملمت نفسي ووجدت ان الحياة تسير رغم كل شيء." اما الان فتبين لها انها لا تسير, فقدت فيليب وبعد ثلاثة شهور ستموت. "وفيليب." سالها الطبيب "هل تريدين تبليغه؟" "كلا لا اعتقد." واضافت: "الامر لم يعد يعنيه. كنا مخطوبين وافترقنا." وعادت بها الذاكرة الى اليوم الذي تلقت به الرسالة الحاسمة, لم يكن قابلا للتصديق انه بدا مثل كل يوم اربعاء. وجدت نفسها منبوذة, الرسالة تقول ذلك بكل وضوح وبدون اي ظرف, لم تكن اول فتاة يحصل لها هذا ولن تكون ابدا اخر واحدة. لكنه شيء خيل لها انه يحصل دائما في الكتب, او لفتاة يعرفها الواحد او يسمع عنها. قبل وفاته قال لها والدها: "لا تفقدي الايمان بالحياة." وكان من الصعب ان تحافظ على ذلك الايمان لدى وصولالرسالة التي اخبرها بانها لم تعد تنتمي الى فيليب, وانه يريد فتاة اخرى. وهي ترعرعت معه, احبته منذ الطفولة وعشقته كامراة. وجاءت الرسالة تاخذ الحب. ثم جاء الحادث ياخذ الحياة. عضت على شفتيها حين فكرت بكل ذلك, اما جيني التي كانت تكتب رسالة فالتفتت نحوها, وعلى جبينها علامات القلق, لتقول: " هل انت بخير كارول, اعني..." ثم سكتت, مستغربة, برغم انهما صديقتان منذ مجيئها الى مستشفى سانت كريستوفر. والتفتت كارول مبتسمة وقالت مطمئنة رفيقتها: " انا بخير. " ثم اضافت: "لن اشعر بالالم لبعض الوقت كما تعرفين." لن يكون هناك الم حتى النهاية تقريبا, من دون انتباه عندما التفتت, حانت منها نظرة الى نفسها في المراة. ولم يكن هناك ما يشي بالشيء الرهيب الذي سيحصل لها. لم تكن تريد الموت, اولا فيليب ثم هذا... الحب والحياة. جرفتها افكارها الى يوم الحادث, يوم اعادت بالبريد الى فيليب خاتم الخطبة. وغادرت مكتب البريد زائغة لا ترى حولها, غير متيقظة على غير عادتها. من بعيد سمعت ازيزكابح سيارة, ثم لطمها شيء ما بعنف ووحشية. تبددت الامها على التو, كل افكارها اختفت, كان ظلاما مريحا حيث لا شيء يزعجها لا شيء يحصل وبالتالي لا شيء يؤلم. لكنه لم يستمر. بل كانت هناك ايام من الالم وثمة شيءينغز ذراعها حتى شفيت تماما, وعندئذ اخبروها الحقيقة كاملة. اشتغلت كارول بجد ونشاط في الايام المررة المتعاقبة, فمضى اسبوع واسبوعان واذا بها مولجة بامر نيستا وحدها, حتى بدات تعرفها وتحبها, كذلك كبر اعجاب نيستا وحبها بسبب هذا القرب, لكنها لم تدع الفتاة تعرف شيئا عن خطتها المتنامية ببطء خلال ذلك الوقت. ولم يدر شيء بخلد كارول حتى ارسلت ما ترون رئيسة الممرضات تطلبها ذات يوم.للوهل, عندما شاهدت الطبيب الذي اخبرها بمرضها في المكتب رات بصيص امل يتعلق بشفائها لكنه سرعان ما تبدد عندما تحدثت ماترون. قالت بوضوح: "هل تحبين الانسة نيستا بروتون؟" فوجئت كارول وقالت: "نعم, احبها كثيرا." فاضافت ماترون: "هل تودين العودة معها اذن الى خواماسا؟" وكادت كارول ان تتكلم معربة عن دهشتهاغير ان الرئيسة اوقفتها واستطردت: "لحظة قبل ان تجيبي, اريد ان اوضح الاسباب كاملة, الانسة بروتون كما تعرفين اخرجت ساقها من الجص وتخضع لعلاج من شانه تشغيلها اكثر. ستكون بحاجة الى انتباه لكنها تفضل العودة الى خواماسا في اقرب وقت ممكن. فهي معتادة المناخ الاستوائي وغير قادرة ان تتحسن هنا كما توقعنا. نعتقد انه في صالحها ان تعود. ويجب ان يكون معها شخص يوليها الاهتمام المطلوب, وهي سالت اذا كان بامكان هذا الشخص ان يكون انت. في الاحوال العادية ما كنت لانظر في الامر الا اذا تقدمت انت يطلب التسريح من الخدمة. ومع ذلك شعرت اخيرا انك لست سعيدة في عملك ولا اعني ان عملك اصيب باي علة. لكنك متورة كثيرا ويمكن ان تجدي الوضع اسهل في مكان لا يعرف فيه احد شيئا عن حادثك وعواقبه." لم تجد كل ما تقوله وهي تتمتم: "انا...انا..." فما كان يخطر لها ان ما ترون التي تبدو دائما قاسية المشاعر, طاغية بالنسبة الى رفيقاتها, يمكن ان تفهم كل هذا وفي هذه السهولة. وتدخل الطبيب واقفا بسترته البيضاء ناظرا اليها من فوق: "انا بالنسبة الى الشيء الاخر.... فهمت ان هناك مستشفى في الجزيرة وسنرسل تفاصيل وضعك اليهم..." قاطعت كارول متناسية للحظة تقاليد المستشفى: "لكنني اعتقد ان احدا لا يجب ان يعرف شيئا عني هناك." وعبرت هذه المقاطعة بلا تعليق ثم اضاف الطبيب: "هناك طبيب سويسري مسؤول عن المستشفى ساعطيك ظرفا يحوي على تقارير ونسخ عن صور الاشعة, وسنطلب اليه الا يفضي بشيء, ستحتاجين الى بعض المساعدة في النهاية يا عزيزتي, كما يمكن ان يقع لك شيء قبل ذلك وسيهتمون بذلك ايضا." "ناقشي الامر مع الانسة بروتون قبل ان تقرري." سمعت كارول صوت الانسة ماترون تقول ذلك ولا تعرف كيف وجدت نفسها خارج الباب وفي طريقها الى غرفة نيستا التي كانت مستلقية على سريرها بادية الضعف, من اثار النزلة الصدرية وساقها المكسورة. لدى دخولها الغرفة حيتها نيستا بصوتها الاجش قائلة: "يبدو ان ماترون اخبرتك بالعرض." اومات كارول براسها قائلة نعم. ولم تكن هذه الكلمة كافية واضافت: "لماذا تريدين اصطحابي معك الى خواماسا." "لاسباب عديدة يا صغيرتي." وتخلت نيستا عن لهجتها الرسمية لتقولبصوت باهت بعيد: "اولا لانني اريد تغيير المناخ فقد عودت الجو الاستوائي, واريد العودة الى خواماسا باقرب وقت, في المستشفى يقولون ان ساقي تحتاج مقدارا كبيرا من العلاج, لذلك, وهنا السبب الثاني, علي ان اصطحب معي ممرضة لشهرين على الاقل. ثالثا انا اكن لك كل مودة وانت بالتالي بحاجة الى الابتعاد عن هذا المكان واتمنى ان تاتي معي." واضافت كارول مستغرقة في افكارها كانها تحدث نفسها بصوت مرتفع: "لا احجة باحد ان يعرف. انت لا تحبين الشفقة, اليس كذلك؟ ولن يكون بامكانك احتمال الامر هنا لمدة اطول مهما احببت عملك." وكانها ترضخ للامر وجدت مفاجاة في صوتها وهي تجيب: "كلا لن احتمل الامر لمدة اطول" واضافت: "لكن سيكون لدي القليل لافعله في خواماسا معك." "هناك ما يكفي علي ان اصطحب معي ممرضة في كل حال, واحب ان تاتي انت فما رايك؟" سكتت كارول لحظة. كانت تفكر في الشهور الثلاثة التي ستقضيها مع اشخاص يعرفون بامرها, الا اذا قبلت العرض, انها اقل من ثلاثة شهور في الواقع, مع ذلك تبدو المدة طويلة مع اشخاص يراقبونها مدى النهار, لم تكن تريد ان يمضي الزمن الباقي هنا, في هذا الجو المريض الكئيب, لقد اخذ القدرمنها كل شيء تقريبا, لكنه رق قليلا في النهاية واعطاها امكانية زيارة جزيرة ذات جمال رومنطيقي. "خواماسا." وقررت مبتسمة للانسة بروتون: "اذا كنت حقا تريدين, ساكون سعيدة بالذهاب."
الفصل الثاني
الغريب يظهر فجاة
كانت الطائرة الصغيرة في طريقها الى الهبوط في مدينة متوسطة, وان كانت صغيرة بالمقارنة مع بقية الجزيرة. وعلى مسافة اميال عدة من لمدينة, كان بناء ابيض ضخم يلمع تحت اشعة الشمس, احاطت به الحدائق المرتفعة, ومالت الانسة بروتون مشيرة نحو البناء, وقالت مؤكدة ظنون كارول: " هذا هو قصر البالاسيو انه جميل حتى من الجو, اليس كذلك؟" "لهو كذلك, وهيب ايضا." ولاح من ابتسامتها الاصيلة وهي تقول: "هنا؟ في ولاية فاخرة, يعيش سيد الجزيرة." ورغم كلماتها المازحة, احست نيستا في صوتها رنة تحد, جعلتها تفكر بفضول بين الماركيز وكارول, والتي لم تعد مستحيلة, وعندما نزل جميع الركاب, تحركت الانسة بروتون متكئة بقوة على عصاها, ومستندة على كارول, الى ححيث كانت تقف سيارة كبيرة سوداء بجانب الطائرة تقريبا, متحدية بذلك كل انظمة المطارات, ورفعت كارول عينيها ونظرت الى نيستا وسالت في ريبة: "هل هي للماركيز صاحب كل السلطة؟" وعندما ايدت نيستا ظنها بايماءة سريعة اضافت: "يبدو انه يخرق كل الانظمة دون عقاب." اجابت نيستا: "انه يملك الارض والمطار." وسالت كارول: "الى اين سنذهب؟" واستدارت نيستا اليها قائلة: "عندي فيلا في الاراضي المحيطة بالبالاسيو كنت اعيش في فندق, ولكن فاليب قدم لي فيلا فرانشيسكا عندما خلت, اذ ادرك اني انوي الاقامة هنا على الدوام." وانطلق السائق بهما خلال شوارع المدينة بسرعة وكانت المدينة ذات طابع وجو كاجواء العيد, رغم انه لم يكن موعد عيد, ودخلت السيارة طريقا ترابيا تحاذيه الاشجار العالية حيث حطت العصافير, وتركت الطريق بعد فترة, واخترقت اخر يشبه الاول كثيرا, واشارت نيستا ناحية الطريق الاخر وقالت: "هذا يؤدي الى البالاسيو." وتضاءلت الاشجار التي كانت على جانب الطريق تدريجيا, وظهرت فيلا بيضاء صغيرة, محاطة بحدائق صغيرة منتظمة, ووقفت امراة على عتبة الباب تراقب تقدمهم, وحينما اقتربت السيارة من الوقوف بعدما مرت خلال البوابة الحديدية المفتوحة, انضم للمراة رجل متقدم في السن, وتكلم معها لحظة, ثم تقدم الاثنان نحو السيارة, وحين كانت نيستا تحاول الخروج منها بمساعدة كارول تساءلت المراة بانفعال بالبرتغالية, وطمانتها نيستا ولكن الزوجين ظلا يتهامسان بقلق, وقالت كارول بعدما القت نظرة على وجه نيستا: " اعتقد انه من الافضل لك الذهاب مباشرة الى السرير." وساعدت كارول نيستا على خلع ملابسها, ثم نظرت اليها وهي ممدة فوق السرير في انهاك وقالت بحزم: "ستبقين في سريرك بدون ازعاج لفترة من الوقت." ولكن طرقا سمع على الباب ونادت نيستا بالبرتغالية, ورد صوت نسائي من الخارج, وقالت نيستا حينما فتح الباب: "انها تيريز وهي تهتم بي وزوجها يساعد في الحديقة, اضافة الى انه يقود السيارة لتوصيلي الى المدينة, تيريز تعرف القليل من الانكليزية ولذلك يمكنك التفاهم معها." وابتسمت لتيريز, وخاطبت كارول بانكليزية ركيكة قائلة: "لقد شفيت ساق السنيوريتا... هذا جميل." واستدارت ناحية الباب يتبعها زوجها الذي ظهر لتوه حاملا حقائب نيستا الى الحجرة وقالت وهي تنصرف: "ساذهب لاعد شيئا ناكله." وابتسمت كارول وهي تراقب الباب الذي اغلق خلفهما وقالت وهي تلتفت ناحية نيستا: "انهما زوجان لطيفان." واومات الانسة بروتون وقالت: "اعتقد انك ستحبين البرتغاليين, يجب ان ارتب لك قاءات مع بعضهم," ولم تضف بقية ما كان في ذهنها, ان هذه الشهور الاخيرة يجب ان تكون زاخرة ومشرقة قدر المستطاع. وقالت لها كارول بحزم: "الان سترتاحين وستنسين كل شيء اخر." وترددت كارول بين ان تذهب لتستكشف الحديقة والبيت, او ان تفرغ حقاءب نيستا وما كادت تقرر ان الواجب ياتي يالمقدمة, حتى سمعت وقع اقدام ثابتة على السلم الخارجي, وحينما استدارت لمحت وجها انعكس عليه الضوء وظهر خلال الباب المفتوح. وسمعت صوت رجل يقول شيئا بالبرتغالية, وردت: "اسفة لا افهم البرتغالية..." ولم تكن تستطيع ان ترى القادم الجديد بوضوح, ولكن ساورها الاحساس بطوله واعتداده بنفسه, وقال بانكيزية متمكنة وبصوت لطيف وهذب وان اثارها نوعا ما: "هل انت جديدة في الجزيرة يا سنيورا." "وصلت هذا الصباح فقط." ثم بدات تراه بوضوح اكثر واحست بصدمة عندما اكتشفت انها لم تر ابدا من قبل رجلا على مثل وسامته النادرة, رغم ما كانت عليه ملامحه من الجدية. وسالته وهي تحس بشيء من التوتر: "هل جئت لترى الانسة بروتون؟" ربما احس بعداوتها... فضاقت عيناه الداكنتان اللامعتان وهو يقول: "معذرة يا انسة يبدو ان الوقت غير مناسب." واحست كارول بشيء من الخجل في اعماقها, وتبينت ان تساؤلها كان جافا دون داع, وقالت: "اخشى يا سنيور بان الوقت غير مناسب بعض الشيء, اذا كنت تريد رؤية الانسة بروتون, ارهقتها الرحلة, واعطيتها مهدئا, انها الان نائمة:" وتفحصتها العينان الداكنتان بشيءء من الاستخفاف واحست انهما تدققان بتفاصيل ردائها الابيض, والغطاء الذي يحيط بوجهها, ويخفي الشعر البني المجعد, وقال: "هل يفهم ان السيدة بروتون في رعايتك؟" "هذا صحيح." ورفعت بصرها نحوه, وارتسمت على ملامحها الابتسامة المقنعة التي كانت تتكلفها احيانا في مستشفى سانت كريستوفر عندما تتعامل مع اباء واقارب متعبين, لكنها هذه المرة كانت تخفي كراهية, رغم ما كان بصرها يراه من الجاذبية النابعة من فكيه البارزين وانفه الارستقراطي المستقيم, وشفتيه المرسومتين باتقان, وذقنه الحازم الذي كان يحمل العناد الانكليزي, في حين كان الحاجبان الاسودانن فوق العينين الداكنتين اللامعتين, والشعر الكثيف المائل الى التموج رغم تمشيطه الى الخلف مستقيما فوق جبهة باللون البرونزي, كل ذلك ينطق ببرتغالية مميزة. وقال باصرار على الا يدع لها وقتا للاجابة: "انت انكليزية يا سنيورا, ولكن اجل, طبعا, فالحدث وقع في انجلترا." اجابت كارول: "نعم حدث في لندن." واوما هو, ودس يده في جيب سترته البيضاء التي ابرزت جاذبيته الداكنة, واخرج علبة سجائر ذهبية لم يفتحها في الحال, لكنه ظل واقفا يربت عليها باصابعه, وقال بلهجة حيادية زادتها تباعدا لكنتها الانكليزية الغريبة: " اننا لم نسمع اية تفاصيل عن الحادث هنا في خواماسا." واعطت كارول تفاصيل مختصرة وهي ما تزال لا شعوريا تراقب الاصابع الرفيعة القوية التي تمسك علبة السجائر الثمينة. وفتح العلبة وقدم لها سيجارة, هزت راسها قائلة: "شكرا لا ادخن, ما دمت ارتدي الزي الرسمي." وارتفع الحاجبان القاتمان المستقيمان تعبيرا عن السخرية قائلا: " هل مهنتك شديدة الجدية بالنسبة اليك؟" ورمقته كارول بنظرة دهشة: "بالطبع فالتمريض ليس مهنة يمكن ان تؤخذ باستهتار." وفوجئت به يسال: "وعندما يتم شفاء الانسة بروتون, ماذا ستفعلين؟" واحست كارول بالغيظ من جديد, باي حق كان الغريب عنها تماما ان يوجه اليه بحرية مثل هذا السؤال؟ وقالت وهي تقاوم ضيقها: "عندما تشفى الانسة بروتون, ساعود الى مستشفى سان كريستوفر." "ربما تغيرين رايك وتبقين في خواماسا." "هذا مستحيل." "لا شيء مستحيل في خواماسا يا سنيورا, ربما وجدت السبب للبقاء." "باية طريقة؟" "ساترك السؤال بدون جواب, ربما فيما بعد يمكنك الاجابة بنفسك." واستبد الغيظ بكارول, لقد بدا كما لو كان لا يشك في انها ستبقى, وجعلتها الطريقة المتعالية التي تجاهل بها احتمال عدم بقائها في خزاماسا تزداد كراهية له, فلم يكن هو الذي يامرها, وتخيلت لمحة شخرية في عينيه وهما ترمقان ملابسها, وقال: " انت ولا شك محجمة عن الاستمرار في المناقشة مع شخص لم يقدم لك, ولكن هذا ما يمكن تاجيله الى وقت اخر, ساعود غدا." وعادت السخرية الى صوته عندما استطرد قائلا: "بعد اذنك طبعا." واحست كارول انه ليس بالرجل الذي اعتاد ان يستاذن احدا في تصرفاته, وانه حتى في ذه المناسبة لم يعتبر الاستئذان ضروريا حقا, وقد الغت سخرية اللهجة ادب الكلمات. واخفت ابتسامة المهنة التي افتعلتها الكراهية التي اشتعلت في اعماقها وقالت: " انا متاكدة ان الانسة بروتون ستسر برؤيتك, فمن تكون لاخبرها؟" " فاليب دي الفيرو ريالتا." لاحظ نظرة الدهشة لكنه لم يعلق واستطرد قائلا: "اعتذر عن زيارتي غير المناسبة, وداعا يا سنيورا" وبانحناءة صغيرة لم تتعد هزة من راسه الداكن, انسحب منصرفا... الماركيز دي الفيرو ريالتا. وظلت كارول في مكانها لا تتحرك لمدة دقيقتين, بينما كانت الافكار تتصارع في راسها, اين الماركيز المتقدم في السن, البدين الذي تخيلته, لا غرابة في ان نيستا كانت تبتسم احيانا لملاحظاتها عن سيد خواماسا. وعندما انطلقت السيارة بعيدا واختفت عن النظر, استدارت مبتعدة عن النافذة, اذن كان ذلك هو فاليب دي الفيرو ريالتا, كان باهر الجاذبية وسحر عجرفته يلائم حتما بعض النساء. واتجهت ناحية السلم وقد قررت ان تبا في افراغ الحقائب كما كانت تزمع قبل وصول الماركيز, حاولت ان تبعده عن ذهنها وان احست في بعض اللحظات ان الكراهيية تخز ذاكرتها. وحينما انتهت من مهمتها ذهبت الى حجرة نيستا وسالتها: " كيف حالك الان؟ " "احسن كثيرا... الم يحدث شيء اثناءنومي؟" واابتسمت كارول من جديد ابتسامة مختلفة تماما عن تلك التي منحتها لفاليب دي الفيرو ريالتا, ابتسامة اضاءت عينيها, واظهرت جمال فمها, واشرقت ملامحها بشقاوة لاذعة, لم يكن هباء انها سميت مورغانا فاي كارول, وسالت : "اي نوع من الاشياء؟" "مثل هل حدث بينك وبين تيريز اي تصارع لغوي؟" "كلا ولكن رجل الجزيرة العظيم قد جاء..." "فاليب جاء." وابتسمت نيستا رغم ما شعرت به من ضيق لضياع هذا اللقاء الاول منها, وكانت في عيني كارول صورة عن الانطباع الذي تركه في نفسها والذي لم يكن طيبا على الاطلاق. وسالت نيستا وهي تراقب باهتمام الطريقة التي سيطرت بها ممرضتها الشابة على عواطفها: "ما رايك فيه؟" "الماركيز اعتقد انه لطيف." "اريد رايا صادقا وليس لبقا." "حسنا اني اكرهه بشدة واعتقد انه غير محتمل ومعجرف ولا يبالي بغير ارادته." وحاولت نيستا ان تعترض بهز كتفيها ولكن كارول اسرعت تقول: "طلبت مني ان اكون صادقة." "لا بد انكما تحدثتما لفترة طويلة حديثا ممتعا للغاية." "لم يكن طويلا ولكن.." "اسفة لاحساسك بالكراهية نحوه, وانا اعترف انه مستبد بعض الشيء احيانا, لكنك اذا عرفته فستجدينه شخصا لطيفا للغاية." وامتنعت كارول عن التعليق مقتنعة بانه لا يمكن ان يتحسن في نظرها حتى بالمعرفة الوثيقة, ولم يكن في نيتها ان تحاول صحبته, لكنها في الوقت نفسه لم تكن من الغرور فتتصور ان ذلك يمكن ان يسبب له اي قلق اذ كان شديد الاعتداد بمكانته. وقالت نيستا وهي تقرا ما ارتسم على وجه الفتاة من تعابير: "الا تريدين التعرف به؟" "كلا, ولا ارى سببا يدفعه هو الاخر الى الرغبة بالعرف بي, وذلك يحل المشكلة كلها, استطيع ان اتخيل من رؤيته لي عن مدى ترفع الطبقة الارستقراطية البرتغالية." "ربما ولكن فاليب يهتم بكل فرد بالجزيرة." وفكرت كارول انه ربما الاقطاعي الذي يجب ان يعرف كل شيء يدورداخل املاكه. وعادت نيستا تهز راسها ضاحكة وقالت وفي صوتها رنة طرب: "حسنا على الاقل يجب ان تعترفي انه جذاب وليس بدينا على الاطلاق." "اوه... انه جذاب بما فيه الكفاية." وتلاحقت الافكار من جديد في راس كارول, ربما كان غنيا وايضا ساحرا, ولكنها لم تكن تحبه, ولم تكن تجد دافعا لتغيير رايها, وعلى اي حال كان هناك فيليب وهو يملا حياتها رغم انه لم يعد لها, ولاحظت نيستا الظلال التي عبرت وجه الفتاة, وبجدية وهدوء سالتها:"ماذا بك؟" ورمقتها كارول بنظرة طويلة, ثم تجمدت تعابير وجهها, وارتسمت عليه الابتسامة المؤدبة التي واجهت بها فاليب, وقالت بصوت مصطنع: "لا شيء مجرد صورة شخص يسير فوق قبري." "كان علي ان ادرك ان رجلا هو الذي تسبب في هذه الظلال المفاجئة." وسكتت, وعادت تقول بالصوت الهادئ نفسه الذي حرصت على الا يوحي بالعطف لادراكها ان كارول ستنفر من اقل شفقة: "لو كان الافضاء يخفف عنك, فيمكنك ان تحدثيني بما في نفسك, اصبحت اعرف الكثير عنك." وظلت كارول مترددة لحظة, ثم قررت الافضء: "كنت مخطوبة ثم نكث خطيبي عهده." "اما زالت الصدمة تؤلمك." "كثيرا في بعض الاحيان, عتدت ان احبه منذ طفولتي, وعندما كبرت كان الامر يزداد حدة لا سهولة." "اي نوع من الرجال كان؟" اي نوع من الرجال ذلك الذي فاز بقلب كارول, وكان من الحماقة والغفلة ففرط بمثل هذه الفتاة؟ وابتسمت كارول غير واعية للنظرة الشاردة في عينيها, وقالت: "طويل, اشقر الشعر, ذو عينين زرقاوين تبدوان دائما مبتسمتين, كان اسمه فيليب لايلند." وحملقت نيستا في محدثتها, لكن نظرة الريبة التي استقرت على وجهها لحظة لم تلبث ان حلت مكانها نظرة كراهية شديدة, ولم تلاحظ كارول ذلك في البداية, اذ كانت عيناها حالمتين بعيدا, وعادت تقول بنعومة: "كان يبدو دائما مبتسما." "ابتسامة جوفاء دون معنى, اذن كنت مخطوبة لفيليب لايلند." "هل تعرفينه؟" "اعرف, شاب معرور, من حسن حظك انك تخلصت منه." وهزت كارول راسها وابتسمت قائلة: "انه ليس مغرورا يا انسة بروتون, اعرفه منذ سنوات." اذن فلا بد انه تغير كثيرا مذ عرفته يا عزيزتي." وسكتت نيستا لحظة في شيء من التردد, كانت تعرف ان ما لديها من قول يجب ان يعرف "ربما كانت الصدمة افضل وسيلة." وبدات تقول ببطء: "فيليب لايلند, اعتبره اكثر الرجال الذين قابلتهم غرورا, وبكل تاكيد اكثر الرجال غرورا في خواماسا حاليا." "في خواماسا." واتسعت عينا كارول تبحثان عن وجه نيستا, وعادت تهتف: "فيليب لا يمكن ان يكون هنافي خواماسا." وبدات تفيق من ذهول الصدمة, لتسري الرجفة في اعصابها وهي تقول معترضة في ياس: "لا يمكن ان يكون هنا." "انه موجود بالفعل, وقد رايت ان من الافضل ان تعرفي بذلك, فمن المؤكد انك ستلتقين به في مكان صغير كهذا." وضغطت كارول على شفتيها, وقد بدت في عينيها التعاسة والارتباك في الوقت نفسه, جاءت الى خواماسا, حيث لا يمكن ان ياتي لتكتشف انه هنا, في انتظار ان يقوض امنها. "انه مزاح القدر القاسي." وسالت: "احضره فاليب لبعض الاعمال الهندسية." فاليب مرة اخرى, وبمرارة غير منطقية, حملته مسؤولية عذاب القلب الذي كان في انتظارها, وكانت هذه نقطة اخرى تضعها ضده. وقالت نيستا بحماسة: "في اية حال, فهو لم يكن من طرازك, قد تتحققين من ذلك عندما تلتقين به من جديد بعد المرحلة التي افترقتما خلالها, رغم انني اعتقد اننا حتى ذلك الحين, يجب ان نتفق على اننا لا نتفق في هذه النقطة, فعندما تفتن فتاة برجل ليس من الطراز الذي يلائمها, لا تراه ابدا على حقيقته." "وكيف تستطيعين الجزم بانه مجرد افتتان, لا اعتقد انك تعرفين فيليب كما اعرفه انا جيدا, لقد نشانا معا." "لا تحتاج معرفة شخص من طرازز فيليب لايلند لوقت طويل, وعندي فكرة طيبة عن حقيقتك المختفية وراء مظهر الممرضة الذي تحبين احيانا ان تتظاهري به." وسكتت ثم اضافت بابتسامة حانية: "لا يمكنك ان تحبي شخصا يريد ان يعتمد عليك, وذها الشاب من ذلك النوع بكل تاكيد." وودت كارول ان تقول انه مهما كان فيليب, فانها لا تزال تحبه, لكنها تنبهت الى ان ذلك لا يحقق هدفا, ومثل موضوع فاليب دي الفيرو ريالتا, كان عليها كما قالت الانسة بروتون- ان تتفقا على انهما لا تتفقان ابدا - على انها ذات جمال, في حين انها كانت دائما مبهورة بوسامة فيليب, وكان من الصعب عليها ان تقتنع بانه وجد فيها شيئا جذبه ودفعه الى طلب الزواج منها, وانه احبها هي "مورغانا فاي كارول". ولكنه في الواقع لم يحبها, كان مجرد افتتان من جانبه, او نزوة عابرة, وان كان حبا من جانبها, والان انتهى كل شيء. والناس قد تعتقد انها يمكن ان تقع في الحب من جديد لكنها تقشعر لمجرد الفكرة, كان حبها لفيليب حقيقيا مثل النجوم في السماء. ثم بدا لها شيء غريب, بدا لها انها ترى عيني فاليب دي الفيرو ريالتا الداكنتين الساخرتين, تستخفان بحبها, وتنددان بها بطريقته المتعالية, واحست بكل شيء فيها يتجمد, ونظرت الى صورة في ذهنها بازدراء وكراهية, حتى تلاشت, وعادت امامها مرة اخرى صورة الرجل الذي كانت تحبه, الرجل الذي كانت ستحبه دائما. ثم تذكرت "دائما" هذه, لن تكون طويلة المدى.
الفصل الثالث
مجرد امرأة تحب
نظرت كارول في كل أرجاء غرفتا باستحسان, فقد تنبهت لاول مرة الى ما يحيط بها, كان الامس مرهقا, ثم كانت الصدمة المريرة الحلوة لمعرفتهابوجود فيليب بالقرب منها, واتجهت ناحية السرير ذي الغطاء البنفسجي الزاهي الذي احتضن في الليلة الماضية تعبها بنعومته اللذيذة, كان كل ذلك مختلفا كثيرا عن غرفتها الصغيرة في مستشفى سان كريستوفر. ثم فكرت في فيليب وتلاشى في الحال سرورها بغرفتها الصغيرة, قالت لها نيستا انه لا يستحق حتى التفكير فيه, ولم توافقها على ذلك, لكن كان من المحتم ان يتقابلا ولكنها كانت مسرورة لانها انذرت, وبذلك كان من السهل الا تدعه يدرك منزلته لديها,بل لقد حاولت ايضا ان تتخيل هذا اللقاء الاول... هل سيفاجا برؤيتها؟ من المحتمل, لكنها لم تستطع ان تذهب ابعد من ذلك, هل كانت الفتاة الاخرى في الجزيرة؟ الفتاة التي كانت السبب في كتابة فيليب ذلك الخطاب؟ ربما كانت برتغالية جميلة ذات عينين داكنتين, لكنه كتب الخطاب من انجلترا, وقد يكون التقى بها في مكان ما خارج خواماسا قبلان يحضر الى الجزيرة, والان يمكن ان تكون معه هنا, وربما ايضا يظن انها اكتشفت مكان وجوده, وانها لذلك تبعته الى خواماسا. ثم, لسبب ما, وكما حدث الليلة السابقة, وجدت نفسها تفكر في فاليب دي الفيرو ريالتا, ان ما يدعو الى العجب ان تكون الكراهية دافعا لتكرار عودة صورة الشخص الى الذهن شانها في ذلك شان الحب. ورات من خلال النافذة السيارة السوداء المالوفة تقف وكانت نيستا ممدة فوق اريكة في الحديقة, مستندة على الوسائد تستمتع باشعة شمس الصباح, ولمحت كارول راسها يستدير بابتسامة ترحيب, ورغم ارادتها, وجدت نفسها تعجب بكبرياء الجسد الطويل النحيل, وتوازن الراس الداكن, ومرة خرى كان يرتدي بذلة بيضاء ناصعة ابرزت سواد شعره وسمرة جلده. وبعد لحظة سمعت طرقا خفيفا على الباب ودخلت تيريز منفعلة, واحست كارول بالتافف يراودها من جديد, فكانما القادم شخصية ملكية, فكرت في ذلك وهي تنصت الى ما كانت تيريز تخبرها به عن رغبة نيستا في ان تلحق بهما, وكانت على وشك ان تتبع تيريز متبرمة الى الباب, عندما اندلعت الفكرة في راسها, فوقفت وفي عينيهابريق التصميم... وقالت: "اخبري الانسة بروتون انني سانزل اليها بعد قليل." وعندما انغلق الباب خلف تيريز, اتجهت كارول الى خزانة الملابس, واخرجت زي التمريض, اذ كان الثوب الاخضر الذي ترتديه جميلا وانيقا, لكنها خلعته وارتدت زي التمريض, وهمست لنفسها في صوت ماكر.. ان فاليب لا يحب المراة في زي رسمي. ووقف الماركيز حينما اقتربت منه وفطنت الى انها لم تلمح الرعشة التهكمية في عينيه الداكنتين عندما قامت نيستا بمهمة التعارف, كما فطنت ايضا الى ان نظرته الناقدة انتقلت الى ثوبها, واحست بفرحة مضاعفة لانها اقدمت على تنفيذ ما فكرت فيه. وقالت نيستا: "لقد عرض فاليب ان يعيرني كتبا, فاذا لم يكن لديك مانع يمكنك الذهاب معه واحضارها لي." وردت كارول بادب رغم ان ذلك كان اخر ما تريد: "بالطبع لا مانع لدي." وقال فاليب بصوته الاجنبي اللطيف: "ربما تجدين شيئا مسليا لك يا انسة كارول, اذا عدت معي الى البالاسيو لاخذ كتب السنيورا." ردت كارول بالصوت المؤدب نفسه ولكن بدون ان يكون في نيتها القبول: "شكرا سنيور." ولما لم يكن لها الخيار كان عليها ن تذهب لاحضار كتب الانسة بروتون لكنها ما كانت ابدا لتقبل شيئا لنفسها. ولا مان لها ان تنظر بفرح الى انفرادها برفقة فاليب حتى لفترة قصيرة, واعتزمت ان تهرب في اسرع وقت ممكن, وسالها فاليب بادب مترفع: "الا تفهمين البرتغالية على الاطلاق يا انسة كارول؟" ردت في شيء من الرضا: "كلا على الاطلاق, يا سنيور." "خسارة كان ذلك سيفيدك, يجب ان اعمل ترتيبا لاصلاح ذلك." وحينئذ بذلت كارول جهدا لتكبح جماح لسانها قبل الرد, ذلك انها استشعرت من جديد سهولة افتراضه بان كل شخص لا بد ان يخضع لما يامر به سيد خواماسا, وردت بادب: "شكرا سنيور, لكنني لا اعتقد ان الامر لا يستحق ذلك حقيقة, لانني لن ابقى في الجزيرة طويلا." "اما زلت مصرة على رايك؟.. اه... حسنا الوقت قصير, انك هنا منذ يوم واحد فقط." واحست من جديد ان امر بقائها في خواماسا استقر, ومن جديد ايضا شعرت بالاسى لانها لا تستطيع ان تصارحه بانه حتى لو كان سيد خواماسا فليست له سيطرة على حياتها او تحركاتها, وقالت: "اخشى الا يكون لي الخيار في موضوع العودة الى انجلترا يا سنيور." وكانت تنظر اليه وهي تتكلم, وتبينت من جديد مدى جاذبيته, وان اكدت لنفسها في الوقت نفسه انها ليست الجاذبية التي تروق لها اذ كان داكنا للغاية, وهذه جاذبية مقبضة مقارنة مع بياض فيليب وحسنه. وقال: "قد تجدين القصر جذابا ايضا." ونظر فاليب الى نيستا بابتسامة وقال: "الا تستطيعين الاستغناء عن ممرضتك ذات الضمير الحي لفترة قصيرة من الوقت؟" وقالت نيستا دون تردد: "بالطبع استطيع الاستغناء عنها." وتمنت كارول لمرة واحدة لو كانت نيستا مريضة مشاكسة كثيرة الطلبات, تصر على عودتها بسرعة, ولاحظتت مستاءة أنه لم يكن هناك سؤال عما اذا كانت هي ترغب او لا ترغب برؤية القصر. واضافت الانسة بروتون بنظرة طرب: "لا حاجة بك على الاطلاق الى السرعة بالعودة." ورة أخرى احست كارول بانفعالاتها تؤلمها, ولم تنتبه الى انها كانت شديدة العبوس, حتى سمعت صوت نيستا الضاحك ثم بسرعة أزالت العبوس عن وجهها وقالت معتذرة: "اخشى ان تكون افكاري قد شردت." وعندما حان اخيرا وقت توديع نيستا مؤقتا, لتسير بجانبه الى حيث كانت تقف السيارة السوداء الفخمة, اكتشفت كارول ان نفورها ازداد, ثم شغلت نفسها بتامل المناظر حتى ساورها احساس بالخجل ينبهها الى انها يجب على الاقل ان تشرع في التحدث معه, لكنها قاومت هذا الاحساس بزعم انه هو ايضا ربما لا يتمنى التحدث معها, وظلت صامتة حتى سمعته يقول دون أن يحول عينيه عن الطريق: "انك لا تحبيني يا انسة كارول, واني لاتساءل هل ذلك لاني لست انجليزيا؟" "اعتقد انك تتخيل اشياء يا سنيور." "ربما." واذا كان صوتها خرج حذرا, فصوته بدوره كان متعاليا, وعلى اية حال ما الفارق لدى الماركيز دي الفيرو ريالتا, اذا شعرت بالكراهية نحوه فتاة تافهة مثل كارول؟ وسادهما الصمت لفترة, ثم قطع هو هذا الصمت قائلا: "ما دامت اقامتك في خواماساقصيرة يجب عمل ترتيبات لتشاهدي المزيد من الجزيرة." واحست كارول بالغيظ اذ كان يتكلم كما لو كانت سائحة لليلة واحدة تتشوق لرئية كل شيء في لحظة واحدة قصيرة, وعاد يقول: "عندما يكون الوقت مناسبت ساخذك في جولة في السيارة." "شكرا لك يا سنيور." "ولكنك لست مرحبة تماما... لماذا؟" وعضت كارول شفتيها وقالت: "انك تتخيل اشياء سنيور." "مرة اخرى اتخيل اشياء؟ اكتشفت ان لي خيالا خصبا يا انسة كارول, اتخيل انك تكرهينني, واتخيل ايضا انك لا ترغبين في ركوب السيارة معي." "ربما اكون لا احب ان تفرض علي الاشياء بمثل هذه الطريقة الاستبدادية." "ولكن لماذا؟ النساء تحب ان ترتب لهن الامور." "ربما فتياتكم البرتغاليات مختلفات... ولكننا نحن الانجليزيات نحب الاحتفاظ باستقلالنا." "اه.. نعم ... الاستقلال الانجليزي المشهور, انني اتساءل يا انسة كارول اذا كنت وقعت في الحب على الاطلاق." وكان التهكم في نظرة عينيه الداكنتيم وفي صوته المهذب, واحست في الحال بذكرى فيليب وكانها طعنة سكين في قلبها, لكنها حينما تكلمت كانت متماسكة, قالت: "ذات مرة ظننت اني وقعت في الحب." "اني اتعجب هل كان حبا حقا؟ انتم الانجليز تواجهون العواطف بفتور, ولا اعتقد ابدا انكم عرفتم حقيقة الحب." "كثرة من الناس في انجلترا يتزوجون يا سنيور... هل ترى أنهم يفعلون ذلك بدون حب؟" "ليس الحب الذي يعرفه البرتغاليون." "انه يكفي في انجلترا." فقال وهو يتامل بامعان القناع المغلق فوق وجهها كما لو كان يبحث عن الحقيقة خلفه: "قد لا يكفيك اذا اقمت طويلا في خواماسا." "ولكنني لن ابقى طويلا لذلك فانني سابقى امنة تماما." "اه طبعا... نسيت ان اوقت قصير للغاية." وكانت السيارة دخلت طريقا خاصا وعندما ظهرت البوابة المزخرفة, تكهنت كارول بقرب الوصول الى القصرنفسه, وفوق البوابة ارتفع قوس شرقي بشعار عائلة ريالتا, وظهر فجاة خادم بزي اخضر وفتح البوابةمنحنيا للسنيور ومبتسما بطريقة تبينت فيها كارول بشيء من الدهشة الفرح والمحبة, وكانت الحدائق المؤدية للقصر ذات جمال خارق, مليئة بالازهار الاستوائية التي لم تكن تعرف اسماءها, وكانت تلمع تحت اشعة الشمس بالوانها الزاهية, ومن خلال الطريق الذي تحفه الاشجار بدا القصر بالظهور تدريجيا. كان مظهره يوحي بقصر مغرربي... ووقفت السيارة امام سلم منخفض يؤدي الى فناء منخفض يؤدي الى فناء امامي مرصوف, وحينما كان فاليب يساعدها على النزول من السيارة, احست انها تنظر مثل طفلة مبهورة, فقد كان كل شيء ضخما باهر الجمال. وصعدا السلم ووصلا الى فسيفساء الفناء الامامي وتجاوزاه فوق درجات السلم الى المدخل الواسع ذي الاعمدة المنحوتة بشعار ريالتا, وفي الداخل كان نفس الاتساع المفرط. وكانت الردهة باردة والارض الرخامية والاعمدة الشامخة تضفي على المكان اجواء شرقية. كان من السهل رؤية عظمة هذا الناء وجماله كخلفية لذلك الرجل المترفع الذي ولد هنا, وورث اسما قديما وثرووة كبيرة وقرى باكملها تحت سيطرته, وبهذه الافكار عادت نقمة كارول. فلم يكن من اصواب ان تجتمع لرجل كل هذه القوى, وهو لم يكن سوى كائن حي عادي, مثل اي شخص اخر, ولم تعرف انه كان يلاحظها عن قرب الا عندما سمعته يتكلم, وكان في صوته رنة طرب وهو يسال: "انك لا تحبين القصر يا سنيورا؟" "انه جميل جدا, ولكن يوحي بالقوة الزائدة بعض الشيء." "ذلك شيء ستعتادين عليه." واحست كارول انها لن تستطيع ابدا ان تالف مثل هذا المكان, وتساءلت عن سبب قوله انها تستطيع ذلك, كان من المشكوك انها ستتردد مرات اخرى على القصر, على الاقل ان استطاعت ذلك, اذ كانت تنوي ان تتجنب فاليب دي الفيرة ريالتا ما استطاعت الى ذلك سبيلا. واجلسها على مقعد رائع ثم اتجه ناحية المقصف الصغير الملاصق للجدار وقال: "سنتناول اولا مشروبا باردا, ثم اخذك للمكتبة لانتقاء الكتب." وسكب سائلا عنبريا براقا في كوب من الكريستال وقدمه لها وقال: "انه خفيف ستجدينه اثقل قليلا من الليموناضة الانجليزية المشهورة." وكانت كاسه تحتوي مشروبا مختلف اللون, واستطرد يقول وقد عاد الرنين المتهكم الى صوته: "لا حاجة بك الى الشكوك وانت تشربينه مرتدية زيك الرسمي انه غير ضار." ولم ترد كارول وهي ترشف قليلا من المشروب بحذرفي استحسان لبرودته, ولكنها لم تكن متاكدة من تصريحه بان تاثيره لا يزيد كثيرا عن تاثير الليموناضة, وجلس قبالتها ومرة اخرى احست بمدى جاذبيته النادرة وتساءلت اذا كان هو مدركا لذلك. وفاجاها قائلا: "لك القدرة على الصمت يا انسة كارول." واستدارت كارول ناحيته بابتسامة خفيفة وقالت: "اعاني من عادة سيئة وهي الاستغراق في احلام اليقظة." وتمنت الا يسالها ما كانت تدور حوله احلام يقظتها, كان من المتوقع بالطبع ان يفعل ذلك اذ كان يبدو انه يغتبر الاسئلة الشخصية من حقه الطبيعي, ربما جزء من كونه سيد خواماسا, ولكنها لم تكن في تلك اللحظة قد تبينت ان كراهيتها قد خفت قليلا. وعاد يسال: "حول اي شيء تدوراحلام اليقظة لدى الفتيات الانجليزيات؟" "حول اشياء عديدة مختلفة." "حول قصص الحب؟ ام ان هذا شيء لا تسمح الفتاة الانجليزية لنفسها بان تحلم فيه؟" "اعتقد ان الانجليزيات خياليات شان الاخريات, كنت في وقت ما احلم بالامير الجذاب الذي سياتيني ممتطيا صهوة جواد ابيض, هذا طبعا كان منذ سنوات مضت.؟ "ثم نضجت؟" ورمقته بنظرة ازدراء وقالت: "بالفعل يا سنيور, ولكن ذلك لا يعني انه لا يوجد قصص حب في العالم حتى في انجلترا, وان لم يعد الفارس يصل فوق جواد ابيض." ومع ذلك ورغما عنها مرت سحابة على وجهها اذ انتهى الحب بالنسبة لها بلا رجعة, حتى ايام العمراصبحت معدودة والوقت اصبح قصيرا. ومن جديد انبرى متسائلا: "لكن الا توجد قصة حب في حياتك. الم تعودي مقتنعة بذلك" "اقتنعت الى حد الخطوبة." "وبعد ذلك؟" "قررت انا وفيليب اننا لسنا متلائمين, وتم ذلك بالاتفاق المتبادل." وسمحت لنفسها بتزوير الحقائق متعجبة في الوقت نفسه مع تزايد غيظها, انه استطاع ان يجعلها تتكلم مع شخص غريب, ومتعجبة اكثر كيف تمكنت ان تتظاهر بان الامر لم يعد يؤلمها. وقال: "اسمه فيليب... ربما لهذا السبب تكرهينني كثيرا." "اسماكما ليسا متماثلين تماما حقيقة. ثم انه لا يوجد شبه بينكما فيليب اشقر جدا." "وانجليزي للغاية." "فعلا هو انجليزي جدا." وراقبها وهيتعيد كاسها الى المائدة ثم قال: "برغم هذه الخطبة التيفسخت, لا اعتقد انك كنت في حالة حب, ان لك مظهر الفتاة الي لم تلمس." ولاحظتدفق الدماء الى وجنتيها وابتسم قائلا: "وجهك يحتقن؟ لماذا؟ اني اتعجب." "لم اتعود مناقشة مثل هذا الموضوع" واصطبغت ابتسسامة فاليب بالتهكم وقال: "انكن معشر الفتيات الانجليزيات تتباهين بحريتكن, ولكنكن في نواح كثيرة اكثر تحفظا من فتياتنا البرتغاليات الخاضعات للرقابة." واحست بعيينيه الداكنتين المركزتين عليها للكنها بذلت جهدا لتحتفظ بهدوء مظهرها بينما عاد هو يسالها: "اني اتعجب ماذا يعنس الحب لديك بالضبط؟" "ماذا يعني الحب لدى اي برتغالي؟" وقاومت الرغبة في ان تنظر اليه حينما استطرد قائلا بصوته المتهكم: "لحب, انه ياتي بخفة في اللقاء الاول,وربما لا يستطيع الشخص ان يتبينه حينذاك, لكنه يترك في الاعماق شيئا محيرا, وتحوم الافكار حول اللقاء الاول, ثم حول غيره, ويظل الانجذاب الاول ينمو ويقوى حتى يصبح في الاعماق نارا مشتعلة." واتجهت النظرة المتهكمة نحوها ولم تستطع ان تتجنبها واستمر يقول: "الا تؤمنين بالحب هكذا؟" وبسرعة ردت كارول: "اني دهشة من اعتقادك به على هذه الصورة." قال وهو يخرج علبة سجائره الذهبية: "انك لا تعرفين شيئا عن مشاعر الاخرين, لانك نفسك لم تتاثري بها بعد." وتاملها بعينيه وفوجئت باكتشافها انهما خضراوين داكنتين, وليستا سوداوين. وسمعته يقول: "اني اتساءل؟ هل ساقابلك في وقت لا تكونين فيه مرتدية زي التمريض؟" ورسمت كارول ابتسامة مهذبة على وجهها وقالت: "هناك اوقات اظهر فيها بالملابس العادية ولكن الانسان يعتاد نوعا خاصا من الملابس." واخرج سيجارة من العلبة المذهبة واشعلها من ولاعة حفر عليها اسمه وسال: "كيف اصبحت ممرضة يا انسة كارول؟" وترددت كارول ثم هزت كتفيها قائلة: "اعتقد اني وجدت نفسي مدفوعة نحو المهنة." وارتفع الحاجبان الداكنان وقال: "افهم انك تجحمين عن التحدث في الامور الشخصية الى ان يتم تعارفنا اكثر, حسنا, سنذهب الان الى المكتبة." ودخلت كارول ببظء الى حجرة المكتبة وهي تدور بعينيها في تقدير حول صفوف الكتب, كم كان والدهاسيحب مثل هذه الحجرة, اذ كان مزهوا بمجموعته الصغيرة وحريصا عليها؟ واتجه فاليب نحو احد الرفوف وسحب مجلدا سميكا ذا كعب مذهب وقال: |اعتقد انك ستجدين هذا الكتاب ممتعا يا سنيورا, خذيه واقرئيه." "لا احب استعارته انه نسخة نادرة." "لن يصيبها اي سوء معك, اعتقد يا انسة كارول انك تحبين الكتب." "كثيرا جدا, ساعنى بالكتاب يا سنيور." والتقط كومة صغيرة من الكتب من فوق المائدة كانت بدون شك المجموعة المختارة للانسة بروتون, ولاحظت من جديد سلوكه, اذ عاد الماركيز دي الفيرو ريالتا منذ القى بملاحظته الاخيرة في الحجرة الاخرى, ولم تكن متاكدة ما اذا كانت تفضل البرتغالي الحيادي ام فاليب المتهكم الذي يثير اعصابها, وقررت انها تفضل فاليب دي الفيرو ريالتا المتهكم رغم انها لم تكن تحب هذا او ذاك. وقالت: "اعتقد انه من الافضل ان اعود الى الانسة بروتون." "بلطبع." ولم يوصلها بنفسه الى السيارة بالرغم من انه عاملها بطريقة مهذبة لطيفة, وودعها كما لو كانت ضيف شرف, وليست الممرضة كارول, اية شخصية غريبة, هناك لحظات احست بانها تقريبا تحبه, ثم كانت تصدر عنه بعض التعليقات الشخصية وفي الحال يشتعل غيظها منه. بعد مضي بضعة ايام كان على كارول ان تواجه اللقاء الذي تخشاه. كانت في الحديقة تجمع ازهارا للبيت, عندما جذب انتباهها صوت عجلات سيارة تهم بالوقوف, لم تكن واحدة من السيارات الفاخرة اللامعة التي راتها تقف هناك من قبل لكنها كانت سيارة اصغر, واقل شانا بكثير, بل وبدت بحاجة الى التنظيف, وتاملت صاحب السيارة, وحينما لمعت الشمس فوق راس اشقر, ارتفعت يدها نحو فمها في حركة دفاعية غريزية وهتفت: "فيليب." كانت صرخة فزع, لكن بعد لحظات كان كيانها مشدودا ومتيقظا, "كارول ولمحت على وجهه ذهول وعدم تصديق, ثم شيئا اخر لم تستطع ان تتبينه حينما اصبحت تعابيره غير مقروءة, وتحرك بارتباك وقال: "كارول, كيف؟" قالت وهي تصطنع عدم الاهتمام. "كيف جئت الى هنا؟ جئت مع مريضة ولم اكن اتوقع ابدا ان اجدك في خواماسا, يا فيليب." واحست انها بذلك افهمته انها لم تتبعه الى الجزيرة وتفحصت عيناه الزرقاوان وجهها وقال: "ولا انا كنت امل ابدا ان اراك هنا, انك لن تعرفي ابدا ماذا يعيني ذلك لي." ربما كان الافضل لكارول الا تعرف, فمن الواضح انه سمع ان نيستا بروتون جاءت معها بممرضة شابة جذابة, ولما كان قد ضاق بتحفظ الفتيات البرتغاليات كان مستعدا لاي لقاء جديد لعلاقة اخرى مما كان يسميه حبا, وبدت ضربة حظ غير متوقعة ان تظهر في الافق في ذلك الوقت الصغيرة الوردية كارول التي احبته دائما, وعاد يقول: "دعوت ان تجمعنا فرصة اخرى من جديد لكني لم اجرؤ ابدا على ان امل في تحقيق ذلك." "وما جدوى هذا اللقاء؟ انتهى كل شيء بيننا يا فيليب." "هل انتهى حقا؟" "انت انهيت كل شيءيا فيليب." "كنت مجنونا." "لانك فضلت فتاة اخرى؟ انك حر تماما في ان تغير رايك." "دعني اشرح قبل ان تقولي شيئا اخر, حدث ذلك في قطار, بدانا نتكلم كما يحدث عدة في الرحلات الطويلة واكتشفنا اننا مرتبطان بالهدف نفسه وعندما وصلنا كنت ماخوذا تماما واعتقدت اني واقع في حبها وهي لم تكن تعرف شيئا عنك؟" قالت كارول وهي عاجزة عن ان توقف زحف المرارة الى صوتها: "كم يبدو ذلك مناسبا للغاية." فقال: "لا تكوني قاسية, امنحيني فقط فرصة, واعد بان افعل كل ما بوسعي لازيل اسابيع الشقاء." واستدارت كارول لتواجهه وسالته: "هل تقول انك نادم على فسخ خطوبتنا." وتجنب ردا مباشرا وقال: "اعرف اني بعت الذهب بالنفاية, لم يكن ذلك حبا, انفجرت العواطف ثم انتهت... ان لا اطلب منك الان ان ترتبطي بي, اسمحيلي فقط ان اراك ثانية حتى اجعلك تستردين ثقتك بي." واوشكت كارول ان تقتنع اذ اكتشفت انها لا تزال تحبه, ثم تبينت ان ذلك لن يكون عدلا, انه لم يكن يعرف شيئا عن الحادث ولا عن الفترة القصيرة التي تبقت لها في الحياة, وهزت كتفيها قائلة: "الانفصال حدث يا فيليب والجرح اندمل ولا جدوى من تحريك الرمد." واشاحت عنه من جديد لان الجرح لم يكن قد اندمل وكان من السهل ان تلقي بنفسها اليه وان تبكي عذابها بسبب ذلك الخطاب وما فعله بها, ولكن فيليب يجب الا يعرف حتى لا يلوم نفسه على نتيجة الحادث, ولذلك لن تسمح للحب الذي كان بينهما ان يشتعل من جديد. "عواطفنا لم تصبح رمادا يا كارول, لم تمت, تعرفين ذلك مثلما اعرفه, اني اعيش في كرب منذ كتبت ذلك الخطاب, بعد ذلك كنت مرتبكا لا ادري ما افعله, اردت ان اكتب اليك ثانية, وان اطلب منك ان تقبلي عودتي اليك, ولكني اكتشفت اني لا استطيع, لم اتصور انك يمكن ان تغفري لي, وكنت اعلم انني استحق ان افقدك." "كيف عرفت انني هنا؟" "لم اكن اعرف, سمعت ان الانسة بروتون اصيبت بكسر في ساقها في انجلترا, وجئت لاسال عنها, وعندما رايتك هنا تيقنت انها الفرصة الثانية التي تمنيتها كثيرا." ثم اضاف وهو اقرب اليها: "ستغفرين لي, اليس كذلك يا كارول؟" وحاول ان يديرها لتواحهه لكنها قاومت وقالت: "ساغفرلك اذا كان ذلك ما تريد, لن يكون بيننا شيء اكثر من ذلك, كما كان من قبل مات, ومن الافضل ان الامر تم على ذلك النحو, كان من الممكن ان نتزوج ثم نكتشف بعد ذلك باننا في الحقيقة غير منسجمين." وابتسم فجاة واثقا من شدة تاثيره القديم عليها انك تهذين يا حبيبتي, هل تعتقدين انني لم ار ما كان في عينيك عندما وقع بصرك علي اول وهلة؟ اني لم اصدق في البداية وخشيت انه امل اكثر من اللازم, ولكني الان متاكد." واخيرا صدقته ومرة اخرى قاومته لانه كان يجب الا يحبها وقالت بغضب مصطنع: "لا استطيع ان اقرر ما اذا كنت مخدوعا او مجرد اعمى يا فيليب, فمهما كان ما تصورته في عيني فهو ليس الحب." وحاول من جديد ان يضمها بين ذراعيه ولكنه كف عندما انتزعت مفسها منه بتصميم وقالت: "من فضلك يا فيليب, اذهب لا جدوى من الاستمرار في هذه المناقشة اطول مما فعلنا." وتركها عائدا الى سيارته, لم تعد المسالة قضاء على الملل, فالصغيرة كارول تتخيل انها تطرده؟ في الماضي كانت اشبه بالعجينة بين يديه ولم يستطع ان يفهم القوة العميقة التي تصدت له الان, كان يعرف انه لا يحبها ولم يحبها ابدا, ولكن ذلك لم يمنعه من ان يخطط لوقوعها في حبه من جديد, كانت قد نسيت ان نيستا ممدة على الاريكة امام النافذة التي تطل على الحديقة, وادركت كارول فور دخولها البيت ان المراة قد رات ما حدث بينها وبين فيليب, حتى ولو لم نكن قد سمعت ما قيل. وقالت نيستا وهي ترمق كارول بنظرة حادة: "اذن فقد جاء لايلند, ماذا كان يريد؟" "ان انسى ما حدث." "وماذا قلت له؟" "قلت له ان يترك الامور على ما هي." وتنفست نيستا في ارتياح وسكتت, ثم قالت بهدوء شديد: "هل يعرف؟" "تقصدين عن الحادث؟" وهزت كارول راسهابالنفي وعادت تقول: "كلا, تركنه يعتقد انني لا استطيع الوثوق به." واحست باللهفة لان تذهب اليه وتخبره الحقيقة: بانها لا تشك فيه, وانها ما زالت تحبه ولكن ذلك كان مستحيلا, واستطردت قائلة: "لا استطيع ان اخبره, قد يلوم نفسه على ما حدث." "الواقع ان اللوم يقع عليه." "كلا, اللوم لا يقع عليه, لو لم اكن جبانة مستغرقة في عذابي, ما كان يمكن ان اندفع دون ان ادري وجهتي." "في اي حال انه ملوم خلقيا." "ربما يكون ملوما خلقيا, ولكنني ما زلت لا اريده ان يعرف." "ولكنه سيعرف يا عزيزتي في وقت ما." "قد لا يحتاج, استطيع ان اجعل كل شيء يبدو لو كان حادثا, استطيع ايضا ان اعود ادراجي الى انجلترا اذا اختفيت ذات ليلة فان ذلك سينقذ الجميعمن متاعب الجنازة." "لا اعرف ان كان علي ان اطيب خاطرك, او ان اصرخ في غضب, انه هو الذي تسبب في كل ذلك, وانت تبذلين كل ما في وسعك لتمنعي اكتشافه الحقيقة, لماذا؟" "لانني ما زلت احبه, لذلك تركته يذهب بعيدا, اعرف من الطريقة التي تكلم بها انه قد يحبني من جديد, ولكنني لا اريد ان اعيد النبض الى حبه, وبهذه الطريقة لن يكون موتي صدمة عنيفة له." "احيانا اعتقد انك حمقاء طيبة القلب." "انا مجرد انسانة تحب." مجرد كلمات قليلة ناعمة, ولكنها تخفي عذاب قلب محطم, كانت نيستا تعرف كيف يكون حال الفتيات من نوع كارول. قد يخلصن لرجل ليس على ذرة من الطيبة معهن, ثم يخفين تعاستهن وضياعهن وراء ابتسامة, ولكن كم منهن يمكن ان يمضي شوطا بعيدا مثل كارول.
نهاية الفصل الثالث
الفصل الرابع
العقد العربي
قالت نيستا بتمعن بينما كانت كارول تدلك ساقها: "هل حاول الاتصال بك." "ارسل الي ورقة يسالني فيها ان اقبل دعوته للعشاء, لكنني رفضت, قلت انني مشغولة للغاية." "لا تقلقي ساكون مريضة مشاكسة وارفض انادعك تخرجين حينما يطلب ذلك منك." واستدارت نيستا في الحال ورمقت كارول بنظرة مباشرة ةقالت: :هل اخبرك لماذا يريد حقا ان يراك؟" "اذا اردت" "فيليب لايلند يحس بالملل في مكان مثل خواماسا وهو يحب الحياة الاجتماعية, ولا يستطيع ان يحظى بها هنا, لان المجتمع الراقي في الجزيرة الذي يظن نفسه ينتمي اليه لا يمكن ان يتقبله, وعو يعتقد انه اعلى من الاخرين, اعرف انك لا تصدقينني لذلك نترك الامر عند هذا الحد, في اي حال بدات تتغلبين على حبه." ونظرت كارول الى المراة التي تكبرها سنا بشيء من الدهشة, في البداية فكرت ان كلامها لا يخلو من الحقيقة, فالالم القديم لم يعد يوجع كثيرا, ولكن ربما كان ذلك لانها في اعماقها كانت تعرف ان الالم لن يبقى لمدة طويلة, فقد كان محدودا بما تبقى لها من العمر. ونظرت نيستا اليها محاولة ان ترى ما يقنع القناع الباهت للملامح التي كانت تبتسم في وجه الموت, وقالت اخيرا: "انني استطيع ان افهمك يا طفلتي, اعتقد انني لو كنت مكانك كنت حتما سالعن القدركل دقيقة في اليوم." "في البداية كنت افعل ذلك, ثم وصلت الى اتفاق مع نفسي في النهاية, فما دامت ايامي الباقية في الحياة معدودة لا بد ان احاول عيشها عادية الى ان يصبح من المستحيل ان افعل ذلك." وابتسمت كارول في دعة وذهبت للجلوس تحت اشعة الشمس, ومعها كتاب الملك ارثر كما طلبت منها نيستا, وفتحت الكتاب كان يبدو قديما للغاية وامسكته بعناية متعجبة من وجود كتب انجليزية في مكتبة فاليب, ولكنها تذكرت انه يتكلم الانجليزية بطلاقة وانه بدون شك يطالعها كذلك جيدا, وجدت في الكتاب صورتين كبيرتين ملونتين للملك ارثر واخته غير الشقيقة العرافة مورغانا لو فاي, بريشة فنان مشهور, ووجدت نفسها تتحدق بالصورتين باهتمام, كانت المراة مرسومة على انها جميلة للغاية ولكن جمالها البارد كان يوحي بشيء من القسوة, كانت لعينيها نظرة غامضة, وكانت ترتدي ثوبا اسود بسيطا ذا كمين واسعين مثل الكيمونو وحول عنقها عقد من الاحجار الكريمة, وبهذه الاحجار نفسها حول الكمين الواسعين والحزام, وقد صففت شعرها على طريقة القرن الثالث عشر, وبعد لحظة قلبت كارولالصفحة لكن من الصعب عليها ان تركز في القراءة, واحست بدفء الشمس يحتويها وشعرت انها كانت تستمتع حقا بالحياة في خواماسا, فقد وقعت بحب الجزيرة رغم القليل الذي راته منها, وان كان فاليب اخر شخص كانت ستعترف له بهذه الحقيقة. وجذب ذلك تفكيرها الى فيليب, لقد كان فاليب وفيليب اسمين متماثلين, وان اختلفا في النطق, وربما لو كانت الامور مختلفة لجاءت الى هنا عروسا لفيليب وكانت خواماسا حينذاك ستبدو لها جنة الله في ارضه. وغفت لفترة وبدات تحلم, كان ذلك خليطا من الحلم والكابوس, رات ولدها يحوم حول الحديقة بوجهه الحبيب المالوف, ثم فجاة رات فيليب قادما عبر الممر والشمس تلمع فوق راسه الاشقر كالعادة, وجرت لتقابله بذراعين مفتوحتين, لكن شخصا امسك بها من الخلف بلا رحمة ولم يدع لها فكاكا. ولم تكن تستطيع ان تراه لكنها توسلت الى اسرها ان يتركها, ثم ظهرت في رؤياها مورغانا لو فاي, التي راتها في الصورة, كانت السخرية بادية في نظراتها وهي تضحك بقسوة, فيحين كانت كارول نفسها تتوسل من جديد الى اسرها ان يتركها حتى تذهب الى فيليب الذي كان طول الوقت يتباعد عنها شيئا فشيئا لان ذراعي اسرها القويتين كانتا تسحبانها الى الخلف الى هوة مظلمة اشبه بتلك التي هوت فيها بعد الحادث. وافاقت برجفة حادة وظلت تنظر حولها في الحديقة بشيء من الذهول ثم وقع بصرها على الكتاب الذي كان مفتوحا امامها واغلقته بسرعة, وبنظرة الى ساعتها ادركت ان نيستا لا بد ن تكون مستعدة للنزول الى الردهة في الطابق السفلي, لتستريح على الاريكة, وسرت لان شيئا اخر سيحول ذهنها عن الحلم الغريب, وقالت لها نيستا عندما دخلت الحجرة: "نسيت ان اخبرك مبكرا اننا سنستقبل زائرا هذا الصباح." "اتنمى الا يكون الماركيز؟" "اتمنى الا يكون الماركيز." وضحكت الانسة بروتون ورمقت الفتاة بنظرة متفحصة ماكرة وقالت: "ليس الماركيز, انك تكرهينه فعلا." "انه يجعل اعصابي تحترق انه عادة يقول شيئا ما, ثم يتوقعمن كل شخص ان يحقق رغباته." "انك ذات نزعة مستقلة للغاية, وهو اعتاد خضوع المراة البرتغالية, يجب ان تتذكري ذلك." "ارجو ان يتذكر هو ذلك." "ربما يفعل." واحست كارول انهما تحدثتا طويلا بشان فاليب دي الفيرو ريالتا ما دفعها الى تغيير دقة الموضوع فسالت: "من الذي سزورنا؟" "السيدة تيريزا اكواراس." "واحدة اخرى من صفوة خواماسا؟" "ان وصفك قريب, فاسرة اكواراس ترتبط بعلاقةصداقة مع اسرة ريالتامنذ اجيال, جاؤوا معا في الماضي الى الجزيرة, وهناك شائعات في الجزيرة تقول ان فاليب سيتزوج من ابنة اخ السنيورا اكواراس." "اتمنى لها ان تستمتع به." واطلقت نيستا ضحكة قائلة: "لديك نظرة مورغانا لو فاي الاسطورية." "انه يجعلني احيانا اتمنى لو كنت بالفعل مورغانا لو فاي الاسطورية هذه, ان له نفوذا كبيرا في الجزيرة.ط "يبدو انك في اعماقك تحبين ان تتصارعي معي, والان انطلقي وارتدي احد اثوابك الجميلة, فاليب لن يحضر ولذلك لن تكوني مضطرة الى ارتداء زي الممرضة لتضايقيه." "انني لا ارتدي الزي الرسمي فقط لاضايقه." ققالت كارول ذلك بشيءء من الانفعال رافضة ان تسمح بان يكون قادرا على ان يملي عليها اي تصرف حتى ولو كان مجرد مضايقته, وذهبت الى حجرتها وفتحت خزانة الملابس ووقفت تتامل محتوياتها بعين ناقدة, واختارت ثوبا من الكتان الااصفر يناسب رقة وجهها, يضيق عند الوسط وينسدل عند الخصر في طيات متعددة, وبحذر تحسست قمة راسها حيث كان الجرح العميق ولكنها لم تكن تشعرباي الم حتى عندما تضغط عليه, وخرجت الى الشرفة ولمحت غبارا انباها عن اقتراب سيارة, وادركت ان ضيفة نيستا وصلت, وترددت في النزول متسائلة اذا كانت بوصفها ممرضة يجب ان تظل بعيدة ام ان تنزل الى الضيوف, وفي النهاية قررت ان تنزل وتسال نيستا ما يجب ان تفعلهز وحينما فتحت الباب ظهرت السيارة ونظرت نيستا من مكانها فوق الاريكة وهتفت: "يبدو ان السنيورا قد وصلت." وسالت كارول: "ماذا يعني بالضبط لفظ سنيورا؟ اعتقدت انه لقب المراة المتزوجة, ولكن الماركيز ناداني به ايضا." "انه بالفعل للمراة المتزوجة, لكنه ايضا الطريقة الرسمية للتخاطب مثل مدام," "تعجبت ثم اعتقدت انني يجب ان ادعى سنيوريتا." "ستكتشفين ان لفظ سنيوريتاطريقة اكثر مودة للتخاطب, وتعني درجة معينة من الالفة." وازداد البريق في عيني نيستا لمعانا وهي تستطردضاحكة: "عندما يناديك فاليب سنيوريتا فاعلمي انكما تقدمتما درجة في علاقة الصداقة." ورمقتهاكارول بنظرة جافة وقالت: "اشك انني ساقدر هذا الشرف." وتذكرت ما جاء بها وقالت: "جئت اسالك ما المفروض مني ان افعله؟" "ماذا تعنين؟ تفعلين ماذا؟" "انا هنا ممرضة, هل ابتعد عندما تصل السنيورا؟" "كلا بالتاكيد ستبقين هنا معي." كانت السنيورا اكواراس رقيقة العظام, وكانت ما تزال رشيقة كما كانت وهي فتاة, وكانت عيناها العميقتين شديدتي اللمعان والذكاء. ورحبت نيستا بالبرتغالية واضافت بالانجليزية: "اعذريني لعدم وقوفي يا تيريزا فانني لم استرد بعد القدرة على استعمال ساقي." ولاحظت كارول ان نيستا خاطبت السنيورا باسمها الاول دون القاب شانها مع فاليب, وتساءلت في فضول عن اللوقت الذي استغرقته نيستا في كسر شكليات المجتمع البرتغالي في خواماسا, لم يكن بالتاكيد غزوا مدبرا فلم تكن نيستا بروتون من النوع الذي يقتحم المجتمع اقتحاما, ولكنها كانت ذات طبيعة ودودة تهتم بالاخرين مما جعل لها اصقاء في كل خطوة لها في الحياة. وقالت السنيورا بانجليزية ذات لكنة واضحة: "اسفنا للغاية للحادث الذي وقع لك, هل ستستردين قدرة ساقك كاملة؟" "هذا ما اكدوه لي, وعادت الممرضة كارول معي لتساعدني على تحقيق ذلك." وتقدمت كارول وتم التعارف الرسمي واحست بعيني السنيورا الرائعتين الحادتين محدقتين بها حين سالتها: " هل هذه اول مرة لك خارج انجلترا يا انسةة كارول؟" وكانت السنيور تتكلم بطريقة مهذبة وان اصطبغت بالترفع, ذكرت كارول بعض الشيء بفاليب, وان كانت خاليو من ذلك الشيء في سلوكه الذي كان يضغط دائما على اعصابها, واومات بخجل وقالت: "نعم انهاا الممرة الاولى." "اظن انك ستحبينها." واحست كارول بان خجلها بدا يتلاشى, واشرق وجهها بابتسامة وهي تسال: "ما الذي يجعلك تظنين ذلك؟" "لك مظهر من تستطيع ان تستمتع بالحياة بالمناطق الحارة." "امل ان استمتع باقامتي في خواماسا." وسرت رجفة في اوصالها عندما تذكرت ما يمثله الوقت في خواماسا بالنسبة اليها, وفجاة سالت السنيورا: "هل التقيت بالماركيز؟" "نعم." ولم يكن في نيتها ان تضيف شيئا الىردها المقتضب بعدما فرضت السنيورا اسمه على الحديث كما لو كان ذلك امراا محتما, كما لو كان من الصعب الا يذكر اسمه في اي حديث, وقالت نيستا وفي عينيها بريق واضح كانها تعرف ما يجول في خاطر ممرضتها الشابة: "فاليب تردد مرتين للسؤال عني." واستطردت السنيورا متسائلة: "وهل شاهدت قصر البالاسيو؟ فيه جناح مغرببي يستحق الاهتمام." واجابت كارول بانها شاهدت جزء من القصر, لكنها لم تفصح عن بقية افكارها بالكلمات, فلم تقل ان الماركيز بسلوكه المتباعد المترفع اشعرها انه لن يدعوها ثانية للقصر, وبسرعة اقنعت كارول نفسها بان ذلك امر لا يشغلها على الاطلاق, ولم تبق السنيورا طويلا وبشيء من الدهشة راتها كارول بعد ابداء ملاحظتها عن القصر بقليل, ثم استدارت ناحية نيستا قائلة: "اسفة على قصر زيارتي اليوم, ولكن ارحو انن تسمحي لممرضتك الانسة كارول ان تتناول الغداء معي يوما, فان سيلستينا وماريتا طلبتا معرفتها." ولان نيستا تعرف سيلستينا شكت في الامر, فلو كانت احداهما طلبت مقابلة كارول لا بد ان تكون ماريتا المتدفقة حيوية وشبابا, وقالت نيستا بصوت مرتفع وهي تبتسم للفتاة: "انني متاكدة ان كارول يسعدها ان تلقاهما." وتنهدت كارول في ارتياح عندما انصرفت الزائرة وقالت: "شعرت كانني في امتحان." كنت بالفعل ولكن لا تقلقي اجتزت الامتحان بشرف, انك الان ستقدمين الى سيلستينا وماريتا اكواراس, وستدخلين مجتمع خواماسا." واشاحت كارول بعيدا وفي اعماقها رجفةة وسالت:"انني اتساءل هل تذكرين العهد الذي اخذته على نفسك؟" "نعم اذكره, ولن اعمل على نقضه, ولكنني احيانا لا استطيع مقاومة المرارة رغم اني احاول قهرها." "لماذا لا تذهبين الى لورنزيتتو وتلقين نظرة على المدينة؟ اعتقد ان ذلك سيروق لك." وترددت كارول ثم بدا هلا الاقتراح مقبولا وقالت: "اعتقد ذلك اايضا هذا اذا كنت متاكدة انك لا تريدين منيي شيئا." "بالتاكيد لن احتاج اليك في شيء." خرجت كارول الىى حيث كانت سيارة نيستا الصغيرة في الكاراج, ولم تتذكر انها نسيت ان تطلب المفاتيح من نيستا الا عندما وصلت الى هناك, وراتها تيريز مقبلة من ناحية الكاراج فخرجت من اتجاه المطبخ وهي تلوح باضطراب, وتتكلم بانجليزيتها المتهالكة حتى ان كارول لم تستطع في البداية ان تفهم ما كانت تقول. "هل تريد السنيوريتا تحريك السيارة.؟" واستطاعت كارول ان تميز كلمات هذا التعبيرالغريب اخيرا وابتسمت قائلة لتيريز: "اريد ان اذهب الى لورنزيتو من معه المفاتيح؟" "الكسول معه المفاتيح." وغاب جوليو فترة طويلة واخذت كارول تسلي نفسها بالتجول في الحديقة ولمس الازهار واسترعت انتباهها نخة طويلة كانها تعانق السماء الوزرقاء اللامعة, فتساءلت كيف الحال في اانجلترا؟ هل هناك سماء زرقاء ايضا؟ ام انها تمطر شانها عندما غادرت مطار لندن, بدا من غير الممكن في هذه الحديقة الاستوائية بازهارها المتفتحة ان تكون هناك في مكان اخر من العالم سماء باردةرمادية ملبدة, وسمعت عن بعد صوت تيريز ترطن بالبرتغالية وهي بلا شك تلوم زوجها لتاخيره, واستدارت كارول ولم يكن امامها الا ان تبتسم في دهشة, فقد ظهر جوليو في زي نظيف وقبعة عالية فوق شعره الاشيب, وبعد ثوان تبينت انه ينوي ان يقود السيارة بنفسه, فقالت وهيتمد يدها لتاخذ منه المفاتيح: "ساقود السيارة بنفسي يا جوليو" وهزت تيريز راسها وهي تحدث ضجيجا وقالت بانجليزية متعثرة: "يجب الا تقود السنيوريتا السيارة بنفسها, هذا ليس.." ولم تسعفها الانجليزية فقطعت كلامها ثم اكملته بالبرتغالية, فسالت كارول بابتسامة وهي لا تدري بعد ما وراء غراض تيريز: "تقصدين ان ذلك لا يحدث هنا." واومات تيريز ومن جديد واجهت زوجها كانما انتهى الامر, وابتدا جوليو يتقدم نحو الكاراج لكن كارول اوقفته بحركة امرة لا ارادية وابتسمت للزوجين قائلة: "ربما كانت الفتيات البرتغاليات لا يقدن السيارات بانفسهن, ولكنني انجليزية وكثيرا ما قدت سيارة ابي في وطني, لا تقلقا انني اعرف حقيقة كيف اقود السيارة." واوشك وجه جوليو المستاء القانط ان يحطم رغبتها في التمسك بحريتها, وهمت بان تبتسم وان تتخلى عن تصميمها لهذا السبب وحده, وعندما فوجئت بتعبير تيريز الفزع وهي تقول: "ولكن يا سنيورا الماركيز." وفي الحال اختفى ضعفها وبرقت عينا كارول بالشرر حينما انبثقت الحقيقة امامها وقالت: "اتقصدين ان تعليمات المارركيز الا يسمح لي بقيادة السيارة." ولم تكن بحاجة الى ايماءة تيريز لتتحقق من ظنها فاشتد غضبها وقررت ان تذهب الى لورنزيتو بنفسها حتى لو اضطرت الى السير على الاقدام. وضغطت على شفتيها بقوة وانفجر بركان غضبها وهيي تقول: "اذا اعطى الماركيز التعليمات والماركيز طبعا يجب الا تعصى اوامره, انني لا اعرف اي نوع من التعليمات اعطاها الماركيز ولكنني لا اهتم بها. وقالت تيريز: "ولكن يا سنيوريتا." واخذت كارول المفاتيح بزهو, كان وجود القطع المعدنية في يدها يعني ان فاليب لم يكسب هذه الجولة على الاقل, حتى وان كانت المعركة عن بعد. وباحتراس شديد اخرجت السيارة من الكاراج وامام عجلة القيادة كانت لا تزال تحس بالزهو, ولكنها بدات تنتبه الى احساس صبياني بالذنب, وشعرت بانه سيكون سيئا للغاية لو تصادف واختار فاليب اللحظة التي تصل فيها الى مفترق الطريق بين القصر ولورنزيتو للظهور ورؤيتها وهي تضرب بتعليماته عرض الحائط, ولم يظهر الماركيز في اي لحظة ووصلت المدينة بدون اية مضايقات. كان ممتعا ان تقود السيارة في الطريق المحفوف بالاشجار من الجانبين رغم سحب الغبار التي تكتنفه, وصممت ان تكتشف المدينة سيرا على الاقدام, واتجهت ناحيتها بعض الانظار وهي تركن السيارة في الطريق الواسع الحديث الذي بدا جليا انه وسط المدينة, وعزت ذلك الى كونها اجنبية ولم تنتبه الى جاذبية صورتها في الثوب الاصفر ذي الذيل الفضفاض. وعبرت الطريق ومرت امام مدخل فندق عصري فخم بدون ان تنظر اليه, جاءت لترى جانبا اخر من لورنزيتو, لم تكن ضمنه الابنية, وبدافع تلقائي استدارت لتدخل اول شارع ضيق قابلها, ووجدت ان التجديدات الحديثة اقل اثرا فيه, فالقباب متناثرة بكثرة والشارع ينحدر بضيق شديد, وبعض الابنية المتلاصقة يبدو ذا طابع شرقي, القت نظرة على ساعتها وادركت انها توغلت بما فيه الكفاية, وعليها ان تعود ادراجها, وحينئذ بدات المتاعب فشعرت بان الطريق غير مالوف, لكنها ما كادت ترى البحر حتى تاكدت مما خشيته, وكان عليها بعد ذلك ان تختار بين طريقيين, احدهما يؤدي الى شارع ضيق كانت متاكدة انه لا يوصلها الى المكان الذي جاءت منه, والأخرى اكثر اتساعا وتحف بها الاشجار على الجانبين وتتجه مباشرة الى خليج صغير حيث كانت ترسو مراكب الصيد والنزهة, وعادت اادراجها الى الطريق الذي تحف به الاشجار باحثة عبثا عن شيء يمكن ان تتعرف به على طريقها, لم تكن تعرف البرتغالية وكان لمكان يبدوو حيا شعبيا في المدينة, وما كان يمكن ان تجد فيه شخصا يفهم الانجليزية لذلك ادرمت انها ضلت طريقها بالفعل, واستمرت في محاولتها ومازال الامل يساورها, ووصلت الى محل عاديات, وتيقنت بصورة قاطعة انها لم تات من هذا الاتجاه لانها ما كان يمكن ان تمر على مثل ذلك العقد في واجهته بدون ان يخطف بصرها, كان العقد وسط مجموعةمن الساع غير القيمة لكنه كان يعلن عن نفسه ببساطته الغريبة, فمن سلسلة دقيقة كانت تتدلى حوالي ثماني دوائر فضية ومغطاة بنقوش دقيقة, واحست كارول في الحال بالرغبة باقتنائه وكانت النقود معها لكن المشكلة كانت التفاهم مع البائع. داخل المحل وجدت شابا وسيما نظر اليها باعجاب واضح حتى انها احست بالدماء تتدفق الى وجنتيها لكن تعبيره كان طبيعيا وغير مؤذ على الاطلاق, ولم يفهم طلبها وان ظل يتاملها في سعادة واعجاب بعيينين براقتين شديدتي السواد, واوشكت ككارول ان تياس تماما عندما حجب ضوء الشمس بقامة طويلة دخلت الى المحل, ولسبب ما ذكرها ذلك باول مرة رات فيها فاليب, عندما دخل فيلا فرانشيسكا, لكن لم يكن لديها من الاسباب ما يدعوها الى الاعتقاد انه كان فاليب من جديد, بل لم يخطر ذلك على بالها حتى رات تعبير الشاب البرتغالي يتغير تماما وهو يقول: "السنيور الماركيز". وتجمدت كارول اذ سمعت ردا بالبرتغالية بصوت مهذب ثائر كانت قد بدات تعرفه جيدا, واتجه صاحب المحل الشاب في الحال ناحية واجهة المحل. واستدارت ببطء ووجدت فاليب خلفها قريبا للغاية الى حد دفعها ان تتراجع خطوة, ولمحت في عينيه الداكنتين تلك النظرة التهكمية الحيادية الملازمة له, اذ قال: "فاجاتني يا سنيوريتا, فهذه منطقة في لورنزيتو لم اتوقع ابدا ان اجدك فيها". "ولم لا؟" وحاولت كارول ان تحتفظ بصوتها فاترا وهي ترد, ولكن مما افزعها انه كان معبرا عن التحدي, الامر الذي لم تكن تريده على الاطلاق, فقد كان ذلك دليلا على انه يستطيع ان يثير اضطرابها خاصة عنما احست بعينيه الداكنتين تتفحصانها بالنظرة الناقدة المعتادة, اخذة بعين الاعتبار انها لم تكن مرتدية زي اللممرضة وتستقران فوق تموجات شعرها البني القصير, وتجدد استياؤها لانه تاملها اكثر من اللازم بل واكثر من ذلك, بدا واضحا انه وجد التغيير فيها الى الافضل. وقال الماركيز: "لم اكن اعتقد انك يمكن ان تقتحمي المجهول وحدك, لذلك يجب ان اصحح رايي فيك". وهزت كارول كتفيها حريصة هذه المرة على اخفاء ضيقها وقالت: "لم اشا ان ابقى في الاجزاء الحديثة من المدينة". واستدار الى الشاب البرتغالي الذي عاد بالعقد ورفع حاجبا واحدا في دهشة وقال: "اخترت حلية خطيرة بالنسبة الى شخصيتك الانجليزية الباردة". "ماذا تعني؟" "ربما يجب الا اخبرك:" وتاملها بتمعن كما لو كانت ذبابة على طرف دبوس, تخيلت كارول ذلك وتملكها الغضب بينما عاد هو يقول: "ربما يجعلك ذلك تخشين شراء العقد." ورفعت كارول راسها متحديةوقالت: "لا اعتقد ذلك يا سنيور, قلت ما فيه الكفاية لاخافتي لو انني اصدق بالخرافات." "شجاعتك تستحق الاعجاب لاقدامك على التعاقد مع المجهول." واشاحت كارول بوجهها بسرعة لتتجنب وجهه الباسم الاسمر شاعرة بتلاحق انفاسها عللى غيرعادة, ومتسائلة في الوقت نفسه عن المعنى الحقيقي للعقد, واذا كان للنقوش علاقة بالخطر المزعوم الذي تحدث عنه, ولكنها اعتزمت على اي حال شراء العقد مهما كان تاريخه القاتم, وبمساعدة فاليب عرفت الثمن ودفعته ووضعت العقد حول عنقها امامه متحدية, تاركة الدوائر الفضية تتدلى من خلال فتحت رقبتها, وبيد حازمة تحت مرفقها قادها خارج المحل في اتجاه السيارة الكبيرة السوداء وجعلها الاحساس بيده تشعرمن جديد بانفاسها المتلاحقة الغريبة, وتضايقت من نفسها لتاثرها بجاذبيته وسحره حتى وهو يسخر منها, واختفت ابتسامته وعبس حتى تقارب حاجباه وتذكرت هي فرارها بالسيارة حين سالها بحدة: "اين جوليو؟ لماذذا سمح لك بالتجول في شوارع لورنزيتو بدون ان يكون معك؟" وكان ينظر حوله وهو يتكلم باحثا عن السيارة واضطرت كارول الى الاعتراف بانه لم يكن هناك جوليو ولا السيارة. وجعلتها لهجته تشعر انها ارتكبت ذنبا عظيما, واكتشفت انها تعاني شيئا من الخوف رغم تظاهرها بالهدوء, لم يرد في الحال ولكن شفتيه انفرجتا قليلا عندما فتح باب سيارته وقال: "من فضلك اجلسي يا سنيورا". ولاحظت كارول في الحال عدوله عن مناداتها بلفظ سنيوريتا الاكثر الفة, وشعرت كما لو كانت طفلة شقية عصت الاوامر وقالت: "ليس على جوليو لوم يا سنيور فانا اصررت على المجيء بمفردي. "لا يخالجني ادنى شك في انه لا لوم على جوليو, يبدو انك قليلة الاحترام لعادات الجزيرة يا انسة كارول, ولكن اذا كان في نيتك ان تبقي هنا لاية فترة فمن مصلحتك الخاصة ان تراعيها". "انا لم اتعود ان يصحبني مرافق حيثما اذهب". وضغطت على شفتيها واحست بتدفق مشاعر الغيظ التي كان يحركها فيها الماركيز دائما, وعندما خلفا المدينة وراءهما وصارا في الطريق التي كانت تحف بها الاشجار القى عليها نظرة جانبية وسال: "لماذا تصرين على اخفاء شعرك؟ ان له ولنا جميلا غير معتاد". ونطق التعليق بالصوت العادي غير الشخصي الذي استعمله عندما اشار الى انها لا تحبه وعاد يقول: "وجهك يحتقن؟ هل ما قلته من الاشياء الممنوع ذكرها؟" وسددت كارول نحوه نظرة سريعة من عينين واسعتين مذهولتين, كان حينئذ يبدو في ابتسامة ساحرة لطيففة جعلتها تشعر من جديد بذلك التلاحق الغريب بانفاسها وقالت: "فاجاتني يا سنيور". "اذن فلست معتادة على الاطراء, اليس للرجال في انجلترا عيون؟" ورمته كارول بنظرة اخرى جانبية لكن وجهه كان خاليا من التهكم كذلك كان صوته, ولم يكن امامه الا ان تاخذه بظاهرة كلماته, ولكن ذلك جعللها من جديد في موقف لا تعرف كيف ترد, فحينما كان يخاطبها بسخريته المعتادة كان امر الجابة اسهل كثيرا, اذ كان طبعها الحاد يتولى المهمة, ولكنه عندما يختارسحر ابتسامته التي كانت تظن انها المسؤولة حقيقة عن حب الجزيرة باكملها له, بداية من السنيورا اكواراس المترفعة, وحتى تيريز شديدة الانفعال فانها تشعر بالارتباك الشديد. وقالت اخيرا: "اعتقد ان الرجال عندنا يلاحظون الاشياء غير العادية او ذات الاهمية الخاصة فقط". "وانت الست ذات اهميةخاصة؟" وقررت هذه المرة الا تعلق لكنها كانت واعية بان احساسها بالعداوة نحوه خف, رغم انها انبت نفسها بشدة لانها تاثرت ببعض الاطراء الاجوف, فالماركيز دي الفيرو رريالتا ما كان يمكن ان يجد ما يهتم به حقيقة فيها, وانطلقا بالسيارة لفترة في صمت الامر الذي رحبت به, وفوجئت تماما بانها لم تفكر بفيليب لساعات عدة, وكانت بحاجة لان تعرف معنى ذلك, لانه كان في العادة دائما في تفكيرها واكثر من ذلك نسيت ما كان ينتظرها هو اقل من شهرين, ربما كان ذلك لان كراهيتها لفاليب دي الفيرو ريالتا شفلتها تماما عن اي شيء اخر, لهذا السبب وحده كانت ممنونة له ودفع ذلك الشعور بابتسامة اسفة بعض الشيء الى شفتيها. وتساءلت في فضول عما كان يمكن ان يكون رد فعله لو اخبرته ان استغراقها في التفكير في كراهيتها له, ابعد عن ذهنها كونها ستموت قريبا, هل كان ذلك سيؤثر فيه حقا؟ الماركيز دي الفيرو ريالتا كان شخصا عظيما حتى ان ماساة كارول لا يمكن ان تعني الا القليل جدا لديه, وفيليب؟ اذا عرف كيف كان سيتلقى الخبر؟ هل كان سيحتويها بين ذراعيه ويقنعها بقبلاته التي احبتها كثيرا فيما مضى, بان يتزوجا ليعيششا معا الشهور القليلة المتبقية في سعادة كاملة؟ احبتها فيما مضى؟ وجذبت نفسها من لجة افكارها, هل بدا حب فيليب يخبو؟ هل لهذا السبب كانت صورته في مخيلته غير ةاضحة؟ قد يكون ذلك لانها ارغمت نفسها ان تسيكر على تفكيرها فيه, او من ناحية اخرى ان ذلك اللقاء الاخير معه حطم بعض الذكريات الزائفة والان كما قالت نيستا: "بدا الانبهار يتلاشى" ومن جديد قطع صوت فاليب عليها حبل افكارها اذ قال: "ان لك وجها شديد التعبير يا انسة كارول, وهو يفصح بوضوح عم تشعرين به, افكارك الان لم تكن سارة." "كنت افكر في ابي. وهل ذلك سبب عبوسك؟" "فكرة فقده تؤلمني." "هل كنت شغوفة به؟" "بالطبع." وبدت في دهشة لسؤاله بينما هز هو كتفيه وقال: "هناك اناس لا يعترفون بمشاعرهم نحو ابائهم." "كنا سعيدين للغاية معا, وكانت نهايته مفاجئة, عدت الى البيت ذات يوم لاجده ساكنا على مقعده, في.. في البداية ظننت انه نائم.." وقطعت كلامها واعتدلت في جلستها متذكرة مع من كانت تتحدث, قد لا يعنيه ان يسمع عن الحياة العائلية العادية للغاية لاسرة كارول, واستطردت تقول بطريقة رسمية: "اني اسفة يا سنيور لا بد انني اثقلت عليك, نسيت وتركت افكاري تسرح." "بالضبط.. نسيت من اكون,ونسيت ايضا كراهيتك لي, انت مخطئة انني احب ان اسمع عن اهلك في انجلترا." "كنا نعيش حياة عادية للغاية,لا اعتقد انها يمكن ان تثير اهتمامك." "انك لا تعرفين على الاطلاق ما الذي يثير اهتمامي." وقطبت كارول جبينها وقالت لنفسها: "حسنا جدا انت تريد ذلك." وبتان مدروس حدثته عن ذلك البيت الصغير في الضواحي وعن عمتها العانس التي تولت تربيتها, والتي لم تكن تفهم ابدا لماذاكانت تعتلي شجرة التفاح وتجلس فوق احد فروعها لتقرا كتابا, في حين كانت تستطيع ان تكون اكثر راحة لو انها اختارت مقعدا. ورماها فاليب بنظرة باسمة مفاجئةوقال: "انا افهم ان روح المغامرة كامنة هناك عندما يجلس الشخص فوق غصن الشجرة غير المريح." واضافت كارول عابسة: " وايضا عنصر الخطر فانا لم اكن ابدا متسلقة ماهرة, كنت في رحلتي الصعود والهبوط اتعرض للسقوط بملابس ممزقة, كان على العمة ايثيل المسكينة ان تصلحها, لا بد اننيلم اقدر تعب غيري" وسمعت كارول صوته يقول في غبطة: "في يوم ما ساريك الشجرة التي اعتدت ان اقع من فوقها." ودهشت, كان من الصعب تصور الماركيز دي الفيرو ريالتا كصبي صغير يتسلق الاشجار ويسقط منه, كان ذلك يجعله بشرا الامر الذي ما زال غريبا. وقال فاليب بعد لحظة: "ساوصلك الى فيلا فرانشيسكا, واسف لعدم استطاعتي البقاء هناك, حتى لا اتاخر عن موعد سابق, ولكن جوليو يستطيع العودة معي الى القصر والعودة بسيارتك." وسمعت كارول في صوتها رنة تهيب حينما قالت: "انني اسفة على ما سببته لك من متاعب." وقال بصوت مهذب: "لا تعب على الاطلاق يا سنيوريتا." وحينما انصرف سالت نيستا: "كيف وجدت المدينة؟" وابتسمت كارول في لهفة وقالت: "جميلة, وقد تاثرت باغرائها, حتى انني احضرت معي تذكارالها." واشارت الى العقد الذي كان يحيط عنقها,ثم خلعته وناولته للسيدة المسنة, وراقبتها وهي تتفحصه باهتمام ثم قالت نيستا: "كنت محظوظة, اعتقد انه صناعة شرقية قديمة, ربمما يكون وصل الى هنا منذ سنوات عن طريق احد المراكب, واذا كانت الكتابة التي عليه بالعربية, فعليك ان تطلبي من فاليب ترجمتها لك." وبدت الدهشة على كارول وهي تسأل: "هل يفهم العربية؟" "له على ما اعتقد بعض العلاقات بليبيا". بالطبع لا بد ان له علاقات متنوعة, اذ كان يبدو عليه ذا علاقات بكل انحاء العالم, وهو لا بد ان يكون ملما بلغة كل بلد له مصلحة فيها, ان ذلك يتناسب مع اعتداده بنفسه الذي لا يحتمل. وقالت نيستا وهي تعيد العقد اليها: "كيف حدث ان التقيت به في لورنزيتو؟" "ظهر في اللحظة التي وجدت فيها صعوبة في محاولة شراء العقد, وتكفل بحل المشكلة لي, ثم اخضعني لسماع بعض مزاحه التهكمي." وقطعت كلامها وهزت كتفيها في سخرية ثم استطردت قائلة: "ثم اكتشف اني بدون مرافق وانني قدت السيارة ببنفسي الى المدينة, فاظهر استياءه لذلك بطريقته المؤدبة الباردة." "انك تكرهينه حقا... أليس كذلك؟" "لا استطيع مقاومة ذلك... فبطريقته المهذبة الفاترة يقول لك ما يجب عليك ان تفعليه, وفي العادة ينتهي الامر بفرض رايه... انه مغرور ومتعجرف ومتجبر." وهزت نيستتا راسها قائلة: "كلا انت مخطئة, انها ليست عجرفة, ان كبرياءه غير مقصود, يجب ان تتذكري ان افراد اسرته كانوا اسياد الجزيرة منذ اجيال, اما بالنسبة لكونه متجبرا فاعتقد ان اصدار هذا الحكم عليه يرجع الى صفاتك انت المتحررة." "حسنا لا يهم اذا كنت اكرهه فان هذا لن يؤثر فيه باي حال." ولكنها ادرك ان نيستا كانت على حق, فاذ يذكر المرء فخامة القصر, من السهل عليه ان يدرك لماذا لا يعتبر سكان الجزيرة سيد خواماسا انسانا عاديا, ولماذا تغير وجه الشاب صاحب المحل التجاري عندما اقبل فاليب الى المتجر, فلم يكن في الحقيقة متعجرفا اذ ذاك, ولا كان مغرورا, ادلت باعترافها الخير بصوت مرتفع فرمقتها نيستا بنظرة غريبة ثم قالت: "انه غير مغرور على الاطلاق حتى انه لا يعتقد ان هناك امراة ستحبه ابدا لذاته." "ماذا تعنين؟" "ببساطة يا عزيزتي فاليب مقتنع بانه اذذا سمح للحب ان يدخل حياته, لن يتاكد ابدا اذا كان قد قبل زوجا لثروته ومكانته, ام لشخصيته, فانه غير مدرك ابدا لجاذبيته الجسدية." "انه مجنون, ما عليه الا ان ينظر في المراة, انه اكثر الرجال جاذبية بين جميع الذين رايتهم في حياتي." وتنبهت الى نظرة نيستا المازحة واحتقن وجههاوعقبت قائلة: "هذا بغض النظر عن كوني اكرهه, فحتى اسوا اعدائه لا يمكن ان ينكر انه وسيم." "منتهى العدالة منك يا عزيزتي, حاولي ان تتذكري ذلك متى سمعته يسخر من الحب المرة المقبلة, ليس من الطبيعي لرجل مثله ان يجعل الحب بعيدا عن محور حياته. "اعتقد ذلك ولكنه لم يوح الي قط بانه الشخص الذي يمكن ان يخضع للعواطف." "كلا يا عزيزتي انه طبيعي تماما, وايضا, لكونه برتغاليا, فانه سيفرط في شعوره بالحب اذا وقع فيهو انني ارثي له." "اما انا فلا ارثي له, فانه حتما بغطرسته المعروفة لن يترك للفتاة المسكينة الفرصة للخيار."
نهاية الفصل الرابع
الفصل الخامس
الغداء البرتغالي
بضعة ايام بعد الرحلة الى لورنزيتو وجدت كارول افكارها تعود الى السنوات التي امضتها في مستشفى سان كريستوفر, ولم يكن ذلك في الحقيقة امرا مفاجئا, لان البريد حمل لها ذلك الصباح رسالة من جيني مارسدين, ورغم انها استمتعت بالرسالة لكنها اكتشفت ان اخبار سان كريستوفر, ونوبات العمل التي شغلت حياتها لفترة طويلة بدت لها غريبة وكانها في عالم بعيد عن جزيرة خواماسا, وجوها المعطر دائما برائحة التوابل والازهار بدلا من رائحة الاثير المخدر وغيره من الروائح المالوفة في المستشفى وفي الحال جلست تكتب ردا اذ كانت تعرف ان جيني ستحب ان تقرا عن وصف الحياة المتدفقة بالحيوية في خواماسا, وبالطبع سيد خواماسا,وتسللت ابتسامة الى وجهها حينما قرات ما كتبته وتساءلت عما يمكن ان يقوله فاليب لو انه قرا وصفها له, ورايها الصريح عنه, كان من المحتمل ان يبهرك لو انك رايته, رغم انه عليك ان تعتادي على طريقته المثيرة في التعامل وكانه سيد الخلق جميعا, نه لا يحب للمراة ان تستقل, وانا احس يقينا انه لا يحتمل منظر امراة في زي اي مهنة, رغم اعتقادي بانه لا بد ان يسلم ان بعضها ضروري, ويجب ان اعترف انني ارتدي الزي الان متعمدة لمجرد اغاظته, اذ لا توجد في الحقيقة ضرورة لذلك هنا, كما ان الانسة بروتون تفضل ان تراني في ملابس متنوعة, لكنه حتى حينما يكون مثيرا للاعصاب يستطيع ان يكون ساحرا في الوقت نفسه, وبالطبع تحاول النساء جذب نظره حيثما يذهب, وليسذلك لثرائه فقط, بل انه في الحقيقة جذاب الى اقصى حد. ونظرت الى ساعتها بعدما اغلقت الرسالة, وتبينت قرب موعد تدليك ساق نيستا, فقامت الى عملها وعلى وجهها علامات الرضا, وقالت: "تحسنت كثيرا ستستطيعين السير بطريقة عادية بعد فترة قصيرة." كانت الدعوة الى الغداء قد وصلت من السنيورا اكواراس في اليوم السابق, وكتشفت كارول انها قلقة بعض الشيء, فهي المرة الاولى التي ستدخل فيها دائرة مجتمع خواماسا,ووقع اختيارها على ثوب من تلك الاثواب ذات الذيل الفضفاض, وكان مصنوعا من التيل بلون الزرع الاخضر المناسب للون بشرتها التي بدات تكتسب اللون الاسمر. ووضعت في قدميها صندلا اسود, وعادت الى نيستا. وسالتها: "كيف اذهب الى هناك؟ هل يسمح لي في هذه المناسبة ان اقود السيارة بنفسي؟" "سيوصلك جوليو الى هناك, وسيمضي الوقت مع خدم الاسرة حتى يحين موعد رجوعك, انه يستمتع بتبادل الشائعات مع الاخرين." وكانت فيلا اكواراس عند منحنى الطريق المؤدي الى لورنزيتو, تتوسط مساحة من الارض لا تساوي شيئا بالمقارنة مع تلك التي تحيط بقصر الماركيز, ورغم ان الفيلا نفسها كانت اكبرمن التي تشغلها نيستا لكنها لم تكن تشبه في شيء القصر الفخم الجميل, وتقدم خادمم بملابس رسمية يفتح باب السيارة, ثم ظهرت السنيورا نفسها من الداخل, قابلت كارول لاول مرة سيلستينا وماريا اكواراس, ووجدت نفسها تتفحص الفتاتين البرتغاليتين بعدما تم التعارف, لانهما كانتا مختلفتين عن اي شخص قابلته من قبل. كانت سيلستينا ابنة الاخ, اكبر الاثنتين, وحيت كارول بفتور, كانت فتاة جميلة, ذات ملامح نبيلة, وشعر اسود مضموم كالاكليل فوق راسها, وكانت تصرفاتها فاترة, هذه اذن هي الفتاة المتوقع ان تتزوج من فاليب لقد كانا زوجين متلائمين. والتفتت كارول نحو ماريتا, ورغم رسمية اللقاء الاول شعرت بانها الشخصية التي ستحبها, وكانت ماريتا تصغر ابنة عمها بسنوات قليلة وليس فيها شيء من تلكف الفتاة الكبرى, وكان هناك ايضا مانويل كوريستينا, رجل اسمر نحيل, يبدو في اوائل العشرينات, ويكبر ماريتا بسنوات قليلة. وعلمت ان فاليب والدكتور كريستين مدعوان ايضا, وعندما ذكر اسم الاخير, احست بشيء من عدم الارتياح, لكنه لم يكن ليستطيع ان يكتشف شيئا عنها... لانها كانت ما تزال تحتفظ بالظرف الذي يحتوي على التقارير الطبية وصور الاشعة, وبعد تبادل بعض الحديث سالت ماريتا: "هل ستدخلين قرعة الازهار يا انسة كارول؟" "لا اعتقد انني سمعت عن ذلك من قبل؟" وبصوت مرح قالت ماريتا: "انها مناسبة يجب ان تشترك فيها كل فتاة, فكل زهرة لها معنى, للبعض ستكون رقصة, وللبعض الاخر هدية, او شيئا اخر, حسب الزهرة المختارة," قالت كارول مبتسمة: "تبدو المنااسبة شيئا مسليا... من الذي يمول الهدايا؟" "بالطبع فاليب, فهمت انك قابلته." وحتى عندما اكدت كارول لها انها قابلته, اكتشفت لمحة تهكم تزحف الى افكارها, بالطبع فاليب مالك كل خواماسا تقريبا. السيد المحسن الذي يخفي يدا حديدية خلف القفاز اللمخملي لهداياه. وتبينت حينئذ ان سيلستينا كانت تراقبها بالطريقة المتهكمة نفسها, فاشاحت عنها بسرعة, لتضبط مارينا توجه نظرة خجولا الى الشاب الاسمر. "لم تقولي بعد يا انسة كارول اذا كنت ستدخلين قرعة جزيرتنا؟" وجهت سيلستينا اليها هذا السؤال بصوت مائع, غير ان كارول احست ان العقل الكامن وراء هاتين العينين الداكنتين, يعمل بنشاط فائق, وقبل ان تتمكن كارول من الرد, انطلقت ماريتا قائلة: "ولكنك ستشتركين بالطبع... وربما فزت بالوردة الحمراء." وسالت كارول:"هل لها اهمية خاصة؟" فقالت سيلستينا متسائلة: "الا تنطبق الوردة الحمراءبقصتها؟ انها رمزالحب انها تخول الفتاة الفائزة بها حق تقبيل من تريد." وبهتت ابتسامة كارول, وحلت مكانها الابتسامة الخرى المؤدبة الخالية من الحراررة التي كانت تواجه بها من لا تطمئن له, كما كان شعولاها نحو سيلستينا في تلك اللحظة, وقالت وهي تحاول ان تسيطر على صوتها: "وهل ترفض الهدية ابدا؟" وكاان مانويل هو الذي تولى الرد وهو يرنو بنظرة خجول لماريتا: "ان البرتغاليين ليسوا سلالة ترفض القبلات, يا انسة كارول." والتقطت كارول فجاة تعبير وجه سيلستينا في تلك اللحظة, كانت تتراقص على فمها الجميل ابتسامة حالمة جعلت كارول تعتقد انها لا بد ان تكون قد فازت ذات مرة بالوردة الحمراء, وانهاا قدمت قبلتها هدية الى السنيور نفسه. وسالت نفسها في حيرة: ما الذي يعنيها لو انه احتوى سسيلستينا اكواراس بين ذراعيه, واحنى راسه عليها, لكنها اكتشفت ان الامر يعنيها, فافزعها ذلك, وان قطع عليها التمادي في التفكير دخول فاليب نفسه, ورحبت الفتاتان البرتغاليتان بلغتهما... سيلستينا بسرور متحفظ وماريت بسرور متدفق, وكان واضحا ان ماريتا لم تكن تنظر الى الماركيز على الاطلاق باعتبار انه م المحتمل ان يصير زوجها, كما كانت تفعل سيلستينا, ودارت احاديث مهذبة متفرقة, وبدا فاليب قليل السخرية, وربما ايضا غير حيادي كما كان يبدو من قبل, وفكرت كارول ان الفضل يرجع الى سيلستينا, فقد اكتسب جمالها البرتغالي بريقا زاد من فتنتها, وكان ذلك كافيا لان يلين عناد اي رجل, حتى لو كان نافرا متباعدا مثل فاليب, وكان فاليب لطيفا ازاء هذا النوع من المزاح, وكان على جاذبية لا تكاد تصدق.. وفجاة احست كارول ببالخزي من نفسها للمحة الضعف التي اعترتها, وكان واضحا انهم بانتظار الدكتور كريستين الذي تبين انه تاخر في المستشفى فقد يصل رسول يحمل الى السنيورا رسالة اعتذار, يرجوهم فيها ان يقبلوا عذره, لانه استدعي لحالة مستعجلة او انه سيحضر متاخرا ليقدم اعتذاره بنفسه. وجلسوا اخيرا حول المائدة ووجدت كارول الطعام غريبا, ولكنه شهي. وسالتها السنيورا: "هل استمتعت برحلتك الى لورنزيتو, يا انسة كارول؟" وردت كارول وهي تتحاشى النظر الى فاليب: "استمتعت بها للغاية." "سمعنا انك قدت السيارة بنفسك, ربما لم تعرفي بعد عاداتنا." واعتملت في نفسها رغبة شيطانية للمعاكسة لكنها تجنبت النظر الى فاليب وقالت: " اثيرت مخاوفي للغاية, حتى انني قررت ان اطيع في المستقبل وكما لاحظت بدون شك, فانجيليو هو الذي اوصلني اليوم." وقال فاليب بهدوء: "لا اعتقد يا سنيورا انك ممن يمكن اخافتهم, ومما يدهشني انك قررت اطاعة التعليمات مع انك علمت مصدرها." وسالت سيلستينا ونظراتها مصوبة نحو فاليب: "ممن كانت التعليمات؟" فقال: "مني انا." وفي الحال اندفعت مارينا قائلة: "اه..... ولكن كل النساء لا بد ان يطعنك يا فاليب." اما سيلستينا فابتسمت في فتور وتحفظ مؤيدة الراي, ولكن بطريقتها القديمة المعروفة التي كانت تثير غضب كارول. وقال فاليب وهو يمر بنظراته على كارول التي تشاغلت بالنظر بامعان الى صحنها: "ليست كل النساء يا صغيرتي." وعادت ماريتا تذكرها بسؤالها قائلة بلهجة غريبة وان حاولت ان تخرج الكلمات بنظامها الصحيح: "لم تقولي بعد اذا كنت ستدخلين مباراة الازهار؟" ومن جديد احست كارول بعينينه الداكنتين مصوبتين نحوها تريان ابعد كثيرا مما يجب ان يرى اي انسانو وتبديان استحسانهما لاختيار ثوبها الاخضر ذي الحزام الاسود الضيق, كان في رايها خبيرا في نقد كل شيء حتى الحب... وعلى الرغم من تاكيد نيستا, كانت متيقنة من علمه بمدى تاثير جاذبية ملامحه السمراء على النساء, هذه الجاذبية التي كان يمكن ان تكون خطيرة لو انه شاء ان يستغلها, واجابت بعدما سيطرت على ارتباك ذهنها: "سمعت عن المباراة؟" واتسعت ابتسامة ماريتا الطفولية وقالت: "ربما تاملين في الوردة الحمراء؟" وعلق فاليب وفي صوته رنة تهكم: "الانسة كارول ستدعو الا يكون القدر قاسيا معها الى هذا الحد." واجابت كارول: "من المؤكد ان القدر لن يضضيع مثل هذه الفرصة فيجعلها من نصيب فتاة انجليزية." ورمقتها عيناه الداكنتان بنظرة استفزازية وقال: "للقدر طريقة في تقديم الاحداث غير المتوقعة, ماذا ستفعلين اذا فزت بالوردة الحمراء؟" "في الغالب ساناولها للفتاة التي تليني." قالت سيلستينا وهي ترمقها بفتور: "هذا ليس مسموحا به, اننا نسمع الكثير عن شجاعة الانجليز, ربما تظهرينها في هذه المناسبة يا انسة كارول" ربما... سيكون علي ان اقرر وقتذاك." وسالت مارينا بسذاجة: "الا تحبين القبل؟" وقالت سيلستينا: "ان الانسة كارول وبدون شك من النوع الانجليزي الفاتر." وكان الحوار يدور بادب وبشكل عادي, ولكن كارول ظلت تحس بان سيلستينا تقصد ان تظهرها ضئيلة. واستدارت لتواجه الجمال الاسمر مواجهة كاملة وقاللت: "اعتقد ان كل شيء يعتمد على لمن تكون القبل." ولكن ما الذي عليها ان تفعله لو شاء لها الحظ الخرافي ان تدخل القرعة وتفوز بالوردة الحمراء؟ كان فيليب هو الرجل الوحيد الذي تحب ان يقبلها, ولكن حتى لو كانا ما زالا مخطوبين فمن العسير عليها ان تفعل ذلك علانية, اما فكرة تقبيل اي رجل اخر فكانت مستحيلة, وافاقت من شرود افكارها على صوت فاليب يقول: "احرجتم الانسة كارول, والقبل كالحب امور لا تناقش في انجلترا." وحدقت ماريتا في كارول وسالتك "ما هي اذن الاشياء التي تناقش؟" وردت كارول: "موضوعات مختلفة فالحب ليس الشيء الوحيد في الحياة." وقال فاليب: "ستخبركم الانسة كارول ان الحب ضعف يجب السيطرة عليه بل وحتى تجاهله." ومن جديد احست كارول بنظرة سيلستينا الفاترة المنطوية على الاحتقار موجهة نحوها اذ قالت: " ولكن الانجليز اذن لا يفهمون الحب يا فاليب, انهم قطعا لا يعرفونه كما نعرفه." وتدخل مانويل الصامت في الحوار قائلا بابتسامة ودودة: "ربما تتعلم الانسة كارول الحب في خواماسا." "من يدري. قيل لي ان الحب شيء يثير الاضطراب في اللقاء الاول, ثم ينمو اقوى واقوى حتى يصبح نارا مشتعلة تلتهم كل شيء في طريقها." وقال فاليب معلقا على كلامها: "لك ذاكرة جيدة." ثم اضاف محذرا: "هل تذكرين ايضا انني قلت ان حبك الانجليزي قد لا يكفي اذا اقمت طويلا في خواماسا؟" "اذكر يا سنيور, وفي اية حال لا اعتقد انني ساهتم بمثل هذا النوع من العاطفة." "الا تهتمين بالحب, ولكن احترسي فليس من الحكمة ان تتحدي القدر بمثل هذا الجموح." وضحكت سيلستينا بتهكم ناعم وقالت: "الانجليز جبناء في مواجهة الحب." وبحثت عيناها عن موافقة فاليب بابتسامة متوسلة, وسالت بالبرتغالية: "اليس ذلك صحيحا يا فاليب؟" اجاب: "ربما يظهرون شجاعتهم بعدم الزواج على الاطلاق." ورمى كارول بنظرة استفزازية وسال: "الا توافقين يا انسة كارول؟" واومات كارول بالموافقة مصممة على الا تظهر غريبة على شجن الحب, وقالت لتتفاداه معتقدة انها تخلصت منه بمهارة: "اننا معشر الانجليز متعلقون بوطننا للغاية ونعرف التزاماتنا نحو امتنا." ووافقها فاليب قائلا بسخريته المعتادة: بالطبع انها الصلابة النجليزيية العتيقة, وهي تستحق الاعجاب." وقالت سيلستينا بصوت واهن: "االملاحظ ان الموضوع صار مملا للغاية بالنسبة للانسة كارول." واستدارت نحو كارول واضافت قائلة: "يبدو انك ممرضة." وقبل ان تتمكن كارول من الرد, صاحت ماريتا: "انت ممرضة؟ من المؤسف اذن ان الدكتور كريستين تاخر ستجدان الكثير لتتحدثا فيه معا." وتصادف ان نظرت كارول الى فاليب في هذه اللحظة فلاحظت ان الفكرة لم تلق قبولا لسبب ما, وجعلها ذلك تصمم على لقاء هذا الدكتور كريستين اذا استطاعت الى ذلك سبيلا. وقالت بسرعة: "احب ان اقابله." غير أن غبطتها الماكرة وهي تتحدى عدم رضى فاليب الصامت سرعان ما تحولت الى رجفة غريبة في اوصالها عندما لمحت تعبيره النافر, وقالت لنفسها ما شانه هو؟ ربما كان سيد خوامااسا, ولكن كارول ليست احدى رعاياه, وبعد تناول الغداء وجدت كارول ان رغبتها في لقاء الدكتور كريستين ستتحقق باسرع مما توقعت, فبعد انتقالهم الى غرفة مجاورة ظهر رجل نحيل اشقر متوسط الطول, ولم تكن بحاجة الى مراسم التعارف لتدرك شخصية القادم, فبذلك الشعر الذهبي والعينين الزرقاوين اللامعتين, مع اللكنة االالمانية الجذابة, ما كان يمكن القادم غير الدكتور كارل كريستين, الطبيب السويسري, واحست نحوه بالتعاطف بالسرعة نفسها التي احست فيها الكراهية نحو فاليب, وانحنى لتحيتها قائلا: "سمعت انك ممرضة يا انسة كارول." "اجل يا دكتور." واحست كارول وكانها في مستشفى سان كريستوفر حيث تظهر الممرضات للاطباء غاية الاحترام, ويبدو ان شيئا من احاسيسها ظهر على سلوكها اذ ضحك الطبيب السويسري مازحا وقال: "هذا واضح للغاية, ولكنني ارجوك الا تعامليني كاحد اطباء مستشفاك في لندن." وحول نظرته الباسمة نحو الاخرين واستطرد: "ممرضات مستشفيات لندن احيانا يخفنني بصلابتهن وانضباتهن." وضحكت ماريتا بصوت مرتفع وحتى السنيورا سمحت لنفسها بالابتسام وظلت سيلستينا غير مبالية, ولم تجرؤكارول على النظر الى فاليب, اذ شعرت بالالفة نحو كارل كريستين, ولم تكن تريد ان يفسد عليها فاليب بتهكمه شعورها هذا. وتساءلت كارول, لماذا بعض الصداقات يبدا بمنتهى السهولة وبدون ادنى تعقيد؟ ادركت كارول بغريزتها انها هي والدكتور كريستين سيصبحان صديقين. واحست براحة واطمئنان لهذا الاعتقاد, صديقان لا اكثر يجمعهما اعجاب عميق لا يعقده اي شيء اخر, وتنبهت على صوت اللطبيب يسالها: "في اي مستشفى كنت تعملين؟" "سان كريستوفر." وعندما استدارت لتنظر اليه تعجبت لما ارتسم في عينيه الزرقاوين, كانت هناك سحابة قاتمة خيمت عليهما لحظة ثم لم تلبث ان انقشعت سريعا حتى انها اعتقدت انها كانت واهمة, وقال الدكتور كريستين وقد تلاشى اثر تلك اللمحة العابرة واختفت النظرة المريرة من عينيه: "اعرف مستشفى سان كريستوفر, ولكن يجب ان تزوري مستشفانا في لورنزيتو يا انسة كارول." "سيسعدني ذلك للغاية." "ستجدين المستشفى في لورنزيتو مختلفا كثيرا بلا شك عن سان كريستوفر, هنا لا تجدين النظام الدقيق الذي يوجد عندكم, انك تفهمين... فمن الصعب جدا الحفاظ على ذلك النظام في الاجواء الاستوائية." وفجاة ارتفع صوت فاليب متدخلا في المناقشة وقال: "ان الانسة كارول لن تعتبر ذلك عذرا يا عزيزي كارل." واكتشفت كارول اختفاء توترها بعد قليل واستمتعت بوقتها متناسية تماما نظرات ماريتا المتمعنة المبتهجة التي كانت توجهها اليها والى كارل, وايضا ما بدا من عدم مبالاة فاليب الذي لم يقترب منها ثانية. وحين عادت كارول الى فيلا فرانشيسكا, سالتها نيستا: "هل استمتعت بوقتك يا عزيزتي." "الى اقصى حد." والقت بقفازيها وحقيبة يدها البيضاء فوق المنضدة قبل ان تستدير لتواجه نيستا من جديد قائلة: "لم يكن الامر مخيفا كما تخيلته." ما رايك في الفتاتين." "حسنا, كان واضحا للغاية ساحب ماريتا ولكنني لا استطيع حقيقة ان ازعم انني اهتم بسيلستينا." "كذلك انا,وبذا يمكنك ان تتكلمي بصراحة, اظن انها كانت تحاول ان تجتذب فاليب بطريقتها الماكرة المعتادة." "اعتقد انهما سيكونان متلائمين." ولم تحاول كارول ان تحلل ما اجتاحها من شعور غريب بالضيق, واستمرت تقول: "التقيت ايضا بالدكتور كريستين." استنتج انه اعجبك." "انك تجعلينني ابدو مغرورة وهوائية للغاية, لانني لم استطع مقاومة كراهيتي للماركيز تاما كما لم استطع مقاومة اعجابي بالدكتور كريستين." وسكتت لحظة وقطبت جبينها شاردة ثم استدارت لتنظر الى نيستا مباشرة وقالت: "ماذا حدث له يا انسة بروتون؟" "ماذا تقصدين؟" "لماذا تبدو في عيينيه احيانا نظرة تائهة؟ انه يحاول ان يخفيها, ولكنها تظهر بين الحين والاخر." "اذن فقد لاحظتها." وقطعت كلامها وهزت راسها قائلة: "لا اعرف يا كارول, كثيرا ما ارتبت في ان شيئا فظيعا حدث له قبل ان ياتي الى هنا." "وكيف حدث انه جاء الى مكان مثل خواماسا؟" "فاليب احضره بعدما تقابلا في سويسرا." ورمقت كارول بنظرة حادة وعادت تقول: "هذا سر, في الواقع كارل لم يطلب مني عدم البوح به, لكنني لا اعتقد انه يريد ان يعرفه الكثير من الناس, لقد كان يمارس المهنة في لندن لفترة من الوقت." "تكهنت بذلك عندما تحدثت عن سان كريستوفر." واومات نيستا واستطردت قائلة: "من الواضح ان شيئا ما حدث في لندن جعله يقرر اعتزال مهنته, فعاد الى وطنه ودفن نفسه في قرية جبلية صغيرة, ثم وجده فاليب هناك واتى به الى خواماسا, وعهد اليه بمهمة اقامة مستشفى حديث هنا, كان يبدو فيذلك الحين متحفظا للغاية وشديد المرارة." ومن جديد سكتت عن الكلام وعبست وعادت تقول: "لكنه بالتدريج خرج من قوقعته وبدا يضحك من جديد, ولكن ايا كان ما حدث ومهما كانت طبيعته فانه ما زال كامنا هناك في عقله." "أعرف رايت ذلك عصر هذا اليوم, انه يحاول جاهدا ان ينسى وان يكون مرحا ويكاد ينجح, لكن شيئا ما ينغزه من الداخل." وحينما سكتت عن الكلام اخذت تفكر في حبها لفيليب, لو لم تكن هناك حادثة هل كان ذلك سيكون حالها "محاولة النسيان والتظاهر بالمرح". ولكن كيف يمكن ان يكون الامر كذلك؟ كانت تحب فيليب, احبته دائما, كان جزءا من حياتها, وافاقت من شرودها على صوت الانسة بروتون تقول: "هل هناك شيء يقلقك يا عزيزتي؟" "كلا ما من شيءهام." "هل كان ذلك حقيقيا ان حبها لفيليب لم يعد هاما؟ كان ذلك مستحيلا فمنذ مدة قصيرة, كان محور حياتها كلها ماا الذي يمكن ان يحدث هذا التغيير؟ وقالت لنفسها من جديد انها تحب فيليب, لكنها تحررت من اسر حبه واحست لذلك زهوا افتقدته لاسبوع. وبعد حوالي اسبوع جاء كارل الى الفيلا زائرا وعندما ميزت لكنته الالمانية, اسرعت بالدخول الى الغرفة لتسمع نيستا تقول: "تعال يا كارل, كيف الاحوال في المستشفى؟" "لست مشغولا كثيرا, لكنني مضطر الى البقاء على قرب من حالة مرضية غامضة عندنا, ولولا ذلك لجئت لرؤيتك من قبل." ولمح كارول وابتسم قائلا: "في اي حال عرفت ان لديك ممرضة قديرة ترعاك لذلك لم اقلق عليك." وردت كارول له ابتسامته وقالت: "شكرا يا دكتور كريستين." وكانت ترتدي زيها الرسمي واتجهت نظرته الاسفة ناحية غطاء راسها الابيض وقال: "نادني كارل من فضلك, والا فانك بهذا الزي الجامد ستتسببين في هروبي فزعا." وضحكت كارول ونقلت نيستا بصرها بينهما في رضا, اذ كانت تحب ان ترى ممرضتها الشابة مبتسمة وسعيدة, وكانت تحس ان في اعماقها شيئا مختلفا هذا الصباح, واستدار كارل نحو كارول من جديد وسالها: "هل تستمتعين باقامتك في الجزيرة؟" "انني مستمتعة لاقصى حد." وانحنى فوق ساق نيستا يفحصها وقال بدون ان يرفع بصره: "هذا ممتاز هل ستبقين طويلا؟" "اكثر قليلا من شهر." واحست في الحال بمدى قصر المدة المتبقية لها, لم تكن تظن ان الوقت سيمر بتلك السرعة فقد مر شهران من الثلاثة التي حددت لها حتى الان, وربما لا يكون المتبقي شهرا كاملا, حذروها من ان المدة قد تكون اقصر, وقطع كارل حبل افكارها قائلا: "من اللمؤسف انك لا تستطيعين البقاء مدة اطولز" "علي ان اعود الى انجلترا." وانتصب قائلا: "ليس هنا ما استطيع ان افعله, فممرضتك تعتني بك الى اقصى حد." والتفت لحظة ناحية كارول وظل يتحدث معها في امور تتعلق بساقنيستا وحالتها الصحية العامة, ثم ابتسم لنيستا قائلا: "معذرة لفرض حديث علمي عليك." "لا داعي للاسف على الاطلاق فانني وجدت المناقشة مسلية حتى ولو لم تكن لدي ادنى فكرة عما تدور حوله, اعتقد ان علي ان اقوم بتاليف كتاب عما يدور عامة في خواماسا." وسالت كارول فجاة: "وهل ستكون للقصة نهاية سعيدة؟" ورمقت نيستا عينيها ثم ابتسمت بطريقة تخفي الحزن في طياتها وقالت: "اجل يا عزيزتي ستكون لها نهاية سعيدة." وبصوت مرح حاولت به ان تطمئن المراة المسنة قالت كارول: "بالطبع ستكون ذات نهاية سعيدة ما دامت قصة خيالية." وقال كاارل بمرارة: "اه نعم, النهاية السعيدة, ولكن ذلك لا يحدث كثيرا في الحقيقة, هناك اشياء عديدة تفسد تللك النهاية السعيدة." اذا كان هناك شيء ما خلف المرارة القاتمة التي كانت في عينيه, وبتصميم قاطعته نيستا قائلة: "يا لها من مناقشة سقيمة تلك التي بدأتها, انني ارفض الاستمرار فيها كارل, دعنا نغير الموضوع في الحال." وتغير مزاجه في الحال وقال: "بكل تاكيد, هل هناك موضوع يهمك الحديث فيه؟" "حاليا احب ان اشرب الشاي, ولما كنت اعرف انك اكتسبت عادة شربه في انجلترا فانك تستطيع الانضمام الينا." وقالت كارول: "ساهب لاساعد تيريز اخشى الا تكو ماهرة في اعداد الشاي." وتسللت الى المطبخ وهي تدندنلنفسها بلحن اغنية شعبية برتغالية التقطتها من تيريز, اذ بدا ان جو خواماسا البرتغالية اثرت بها بدون ان تشعر, الامر لذي كان سيحقق لفاليب الكثير من الرضا, ولا شك انها لم تكن ضد تعلم بعض الكلمات البرتغالية او التقتطها اثناءاقامتها في الجزيرة, لكناه من ناحية اخرى لم تكن تريد لفاليب ان يعرف, لقد بدا لها ذلك كما لو كان خضوعا منها لارادته المستبدة, وحينما حملت صينية الشاي الى الحجرة قفز كارل لياخذها منها, ووضعها فوق المائدة, زلاحظت عيناه تتجهان الى خصلات شعرها المتهدلة فوق جبينها وتبينت حينئذ انها لم تثبت غطاء اللراس باحكام, وهمست معتذرة, وقال كارل وبريق في عينيه: "لا داعي للاسف, لماذا تشدينه الى الخلف على هذا النحو؟ انه شعر جميل للغاية." وكان هو ثاني رجل يقول الشيء نفسه ولكن على نقيض المرة التي سمعتها فيها من فاليب, لم تضايقها الملاحظة واجابت بحزم: "لانها الطريقة الوحيدة للاحتفاظ بثبات اللغطاء في مكانه." وقالت نيستا متذمرة, وان بدا في عينيها بريق كانت كارول تعرف انه بريق المشاكسة البريئة: "لا ادري لماذا ترتدينه في كل مرة ياتي فاليب, اعتقد انك تفعلين ذلك لانك تعرفين انه لا يحب المراة في زي رسمي." "انه لا يحب المراة في زي رسمي لان ذلك لان ذلك يضفي عليها روح الاستقلال وهو لا يحتمل النساءالمستقلات, اعتقد انه يريد النساء جميعا مكتملات الانوثة والخضوع للرجال مثل نسائئه البرتغاليات المكسوات بالحرير." وسال كارل وفي عينيه نظرة دهشة تنطق بانه هو ايضا لا يستطيع ان يتصور احدا يكره فاليب: "الا تحبين الماركيز؟" واجابته نيستا بجفاء: "اليس ذلك امرا واضحا؟ ان كلا منهما يثير الاخر." واعترضت كارول قائلة في شيء من عدم الارتياح: "انك لا تستطيع ان تقاوم كراهيتك لبعض الناس, وان كانت قد مرت بي فترات اوشكت خلالها ان احبه." ادلت باعترافها هذا بشيء من الامتعاض, واستطردت قائلة: "في اي حال اعرف انني من الشواذ, فكل شخص اخر يبدو انه يحبه لدرجة كبيرة." قال كارل بهدوء: "انه رجل كريم, والمستشفى يدار كلية بفضل كرمه, مرات كثيرة فكرت في معدات ما قد تفيد المستشفى ولم اقدم على سؤاله لانه قدم الكثير, وبطريقة ما كان يعرف, واذ بالمعدات تصل, انه يشغل نفسه بكل شخص في الجزيرة ولا يسمح لاحد ان يتعذب, منذ فترة قصيرة اصيب احد الصيادين ولكنه لم يشأ ان يترك عمله من اجل اسرته واكتشف الماركيز الظروف ولا احد يعرف كيف اكتشفها, فارسل الرجل الى المستشفى وظل ينفق على الاسرة حتى شفي, وتوجد حالات اخرى كثيرة مشابهة." قالت كارول: "لا انكر كرمه, ولكن له طريقة استبدادية لحد ما." "انها جزء منه,فأجداده كانوا ملوك خواماسا غير المتوجين لعدة اجيال." ملك خواماسا غير المتوج, كان ذلك بالضبط هو تقييم الوضع. قالت كارول مبتسمة: "من الواضح انك تحبه." "كان طيبا معي للغاية, ولكن ليس لهذا السبب وحده احبه." وبعد انصراف الدكتور كريستين وانشغال تيريز في المطبخ, انفردت كارول بنيستا التي تنهدت قائلة: "انني احب الزوار ولكن يجب ان اعترف بان المجهود الذي ابذله للظهور مرحة وشرقة يكلفني الكثير احيانا." "لا اعتقد انك مضطرة الى بذل جهد كبير انك تتقبلين عجزك باقتدار." "ليس عندي الا القليل يستحق التذمر." وترددت ثم رمت الفتاة بنظرة سريعة وبعد ذلك انشغلت بفحص الحجر الصغير الماسي الذي كانت ترتديه في يدها اليمنى, الخاتم الذي كان يوما خاتم خطوبتها, وقالت بتردد: "عندما يستحق الشكوى اكثر مني بمراحل." "هل هناك... هل بدات..." واكملت كارول عباتها قائلة في صوت هادئ ادهشها: "تقصدين هل بدات الالام؟ ليس بعد, في الغالب لن يحدث ذلك قبل مضي فترة شهر." "شهر." واطبقت نيستا صامتة ذاهلة امام زمام القدر المحتم.. ولاحظتها كارول, وادركت ان شيئا اخر يجول في خاطرها, لكنها نتظرت حتى اختارت نيستا ان تتكلم من جديد. وقالت: "كارول اعرف ان احد اسباب موافقتك على المجيء الى هنا معي ان احدا لن يعرف عن... الحادثة... ولكن الا ترين ان كارل يجب ان يخبر؟" "ليس هناك ما يستطيع ان يفعله, ما زلت احتفظ بالتقارير التي اعطيت لي من المستشفى, ولكنني لست مضطرة لاعطائه اياها الا اذا رغبت في ذلك." "قد تحتاجين اليه قرب النهاية." "اذا حدث... فسيكون ذلك وقت اخباره."
نهاية الفصل الخامس
الفصل السادس
الوردة الحمراء
لم تسمع كارول شيئا عن قرعة الازهار, حتى ذكر الموضوع في فيلا اكواراس, ومنذ ذاك اخذت تسمع عنها كل يوم, وارتفعت في خواماسا حمى الانفعال والترقب, حتى تيريز كانت تتحدث عن المرات التي اشتركت في ههذه القرعة, ثم تزايدت تيارات المرح في لورنزيتو مع اقتراب موعد القرعة, وذات مرة بينما كانت كارول في المدينة, شاهدت السيارة السوداء المالوفة, التي تعلو مقدمتها اشارة ريالتا, وبدوافع خفية تلفتت حولها بحثا عن فاليب, وعندما راته خارجا من بناية مزخرفة واسعة مع سيلستينا, سرت قشعريرة في كيانها, حتى انها هرعت بسرعة في الاتجاه المعاكس, كان راسه الداكن منحنيا ناحية رفيقته الجميلة, ومن الواضح انه كان لاهيا عن اي شيء اخر, وكان غريبا على فاليب ان يبدو على النحو العاطفي, لكن سيلستينا كانت خارقة الجماب, وفاليب كان بشرا على الرغم من تحفظه. وانتهت كارول من شراء طلبات نيست, وعادت الى السيارة حيث كان جوليو في انتظارها, وكان الاثنان الاخران قد اختفيا عن نظرها, لكن لم يكن من السهل ان تبعدهما عن ذهنها, هل كان فاليب سيتزوج سيلستينا؟ بدا ان ذلك كان متوقعا في الجزيرة, وما كانت سيلستينا لتبقى بعيدا عن وطنها البرتغال لو لم تكن هي الاخرى تتوقع ذلك, ولكن هل كانا متلائمين حقيقة؟ لم يكن ذلك في الواقع شانها, لكنها عجزت عن مقاومة التفكير فيه, وعندما وصلت الى الفيلا وجدت في انتظارها دعوة من ماريتا اكواراس لترافق الاسرة يوم قرعة الازهار, واطلعت نيستا على الدعوة وسالتها: "هل يضايقك ان البي الدعوة؟" "كلا بالطبع... تلقيت انا ايضا دعوة مثلها, ستجدينها خبرة ممتعة." ورمقت ممرضتها بابتسامة ماكرة وقالتك "وقد تختارين وردة." "لا سمح الله, حذروني من ذلك, واستدرجونيي للتعبير عن ردود فعلي الممكنة." "من فاليب كما افهم؟" "ومن غيره؟ انه يعطي لنفسه الحق ان يتدخل في كل شيء." "اعتقد يا عزيزتي انك تتعمدين اثارته." "تقصدين لانني ارد على استفزازاته؟" واشتعل في عينيها بريق حانق وهي تستطرد قائلة: "اي شيء اخر كان مفروضاً مني فعله؟" وضحكت نيستا, ورفعت يدها وهي تتظاهر بالخوف وقالت: "لاا تحملقي في كارول." سالت كارول: "اي نوع من الملاببس يلبس في هذا المهرجان؟" "المشكلة الان فيما سوف ترتدينه في عيد الازهار, ما رايك ان نذهب ونفحص الدولاب معا. دولاب ملابسك؟" "ساحضر ملابسي الى هنا لئلا تزعجي نفسك." وصعدت الى الطابق العلوي بسرعة, وفتحت خزانة ملابسها, وتاملت محتوياتها واستقرت عيناها على ثوب اسود مخملي طويل, ولاحت ابتسامة اسفة على وجهها, كان ذلك ثوبا لم تتوقع ابدا ان ترتديه, ولكن كان اغراؤه شديدا حتى انها ابتاعته, لمجرد ان تنظر اليه, وان تلمس المخمل الناعم,وتبينت حينئذ, وقد اعترتها صدمة خفيفة, انه مماثل للثوب الذي كانت مورغانا -لو فاي- ترتدينه في الصورة المنشورة في الكتاب, وابتسمت لنفسها وهي تبعد الثوب الى مكانه, وبدا لها حينئذ ان الثوب لن يرتدى ابدا, وعادت الى محاولة انتقاء ما هو مناسب للعيد, واخيرا اختارت ثلاثة اثواب, واخذتها معها الى نيستا, ورمقتها نيستا بنظرة ماكرة عندما دخلت. وقالت: "لا بد انك تملكين العديد من الاثواب, حتى استغرقت كل هذا الوقت في اختيار ثلاثة." "صحيح اذ انفقت كل مدخراتي قبل ان اتي ثم اني كنت اعددت ملابس عرسي." واستطاعت ان تنطق الكلمات الاخيرة بدون اي اختلاجة في صوتها, لان التفكير في فيليب لم يعد يؤلمها على الاطلاق, وتجاهلت نيستا موضوع فيليب, وركزت التفاتها الى الاثواب الثلاثة, غير مدركة ان فيليب اصبح في الخقيقة غريبا تماما بالنسبة الى كارول, وانها صارت تعجب من تصورها انها احبته, واستبعدت نيستا ثوبين بدون ان تنظر اليهما, رغم جاذبيتهما, لان الثالث استاثر باعجابها الكامل, وقالت بتصميمك "هذا الثوب." وكان في صوتها من الاقتناع ما جعل كارول لا تجادل في الامر, حتى ولو لم تكن هي نفسها اختارته تقريبا قبل ان تقرر نيستا, وامسكت بالثوب في اعجاب, وتفحصت تنورته المصنوعة من الحرير من الحرير الاخضر الزمردي الثقيل, والجزء العلوي المصنوع من القماش الخفيف الاورغاندي الابيض ذي السترة القصيرة المطرزة بالدانتيل,وبزغ فجر يوم الاحتفال مشرقا صافيا, شان حالة الطقس في خواماسا, قبل موعد هبوب العواصف الشديدة, التي يضطر معها السكان الى الاعتصام ببيوتهم, وترك الجزيرة لعواء الطبيعة, واستيقظت كارول مبكرة, وقدمت خدماتها المنتظمة نيستا وساعدتها على ارتداء ملابسها, قبل ان تذهب لترتدي ثوبها الفضفاض. وقالت نيستا عندما راتها: "يبدو انك مولعة بالتنانير الفضفاضة." "اعترف بانني ضعيفة تماما, والغالب ان ذلك رد فعل لارتدائي الزي الرسمي كثيرا." "ظننت انك تحبين ارتداء زي التمريض, ام ان ذلك لمجرد مضايقة فاليب؟" "هل سيحضر الاحتفال؟" "بالطبع." واستدارت ناحية جوليو الذي دخل الغرفة متالقا في ملابسه الرسمية, وسالته: "هل السيارة جاهزة يا جوليو؟" واحنى جوليو راسه ورد بالبرتغالية, واتكات نيستا على العصا, وخرجت السيدتان الى حيث كانت تقف السيارة, التي انطلقت بهما في الطريق المؤدي الى لورنزيتو, وكانت مظاهر العيد تبدو واضضحة في الطريق, العربات التي تجرها الخيول, والسيارات القديمة المتداعية, وعربة تجرها البغال, ولوحت لهم الفتيات اللواتي ارتدين الثياب الزاهية, وتطايرت الشرائط التي تزينهن مع النسمات الرقيقة, وتعالت الاصوات تحييهم في برتغالية ناعمة, وقالت كارول حينما دخلوا المديينة واخذوا يشاهدون معالم اكثر للعيد: "هذه احدى المناسبات التي اشعر فيها بالندم لانني لا اعرف البرتغالية." وقالت نيستا:"هذا امر مؤسف, لو انك تعرفين فقط كلام الحب." ورفعت كارول حاجبيها وقالت بجفاء: "لا اظن ان هناك احتمالا لذلك." "ان ضيوف اسرة اكواراس بكل تاكيد مجموعة كبيرة, وستضم واحدا او اثنين غيير مرتبطين, فكوني على حذر." ثم ربنن نيستا برفق على ذراع كارول وقالت: "اتمنى اان تستمتعي بالاحتفال, هل تعتقديم يا كارول انك تحصلين من بهجة الحياة على ما فيه الكفاية؟ لا اريد ان اقولها, ولكن لم يبق الا القليل." ولم تجفل كارول من الكلمات, وهزت راسها قائلة: "انا لست هنا للسياحة والتنزه, فقبل كل شيء اخر, انا ممرضة, حتى ولو لم اكن اعمل الا القليل, وفي اية حال, لم اشعر ابدا بالرغبة في نزوات عابرة, واشك ان يكون عندي الحافز لابدا الان." اخترقوا المدينة الى الشارع الواسع حيث تركت كارول السيارة فيزيارتها الاولى المشهورة, ولكن هذه المرة اوقفها جوليو في المكان المناسب, وعبر كاروول ونيستا الطريق الى حديقة اللمطعم حيث كانتا ستتناولان الطعام مع بقية المدعوين الى حفلى ال اكواراس, وكان مطعم ديسكاني افخم مطاعم لورنزيتو واشهرها وهو من طابق واحد على الطراز المغربي, الموائد موضوعة في الداخل حيث الارض الرخامية, وفي الحديقة الجميلة التنسيق حوله, عناقيد المصابيح التي توقد في المساء تربط بين الاشجار, وعطرالازهار والنباتات يفوح بين الموائد, وفي المؤخرة فرقة موسيقية صغيرة تعزف انغاماا ساحرة. ووجدتا ال اكواراس وضيوفهم حول مائدة كبيرة تحت شجرة مزهرة كما توقعت نيستا, كان هناك عدد من الاغراب ومنهم من كان في سنالشباب, وسرعان ما تعرفت نيستا بكل اموجودين, اما كارول فرغم انها قدمت للجميع, لكنها كانت متيقنة انها لن تتذكر الاسماء بعد ذلك... وشعرت باحة عندما جلست بجوار كارل كريستين, الذي حياها بما خمنت انها اللغة الالمانية, ولم تستط كارول ان تقاوم اغراء الرد عليه باللغة نفسها, وبدت راضية بما ظهر عليه من الدهشة, وهو يسالها: "هل تفهمين الالمانية؟" "افهم الالمانية واتكلمها بطلاقة, ولكنني لم اتبين تماما ما قلته." "كانت تلك الالمانية السويسرية, انها معقدة قليلا." "اعتقد انني فهمت ما تعنيه." ووجدت كارول نفسها تتامل يديه الرقيقتين الماهرتين, كانت تميل الى الحكم على الاخرين عن طريق ايديهم, الكثير كان يمكن معرفته بهذه الطريقة, وربما باستثناؤ الحال مع فاليب, كانت يدا كارل تنمان عن يدي جراح, بالغريزة فطنت الى ذلك, ولكنه دفن نفسه في خواماسا, لماذا؟ ومن جديد عاودتها الافكار ان شيئاما في ماضيه ارسله الى خواماسا لينسى, كانت متاكدة من ذلك كما لم تكن متاكدة من اي شيء اخر من قبل, وافاقت كارول من تامل يديه على صوته يسال: "الم تري مثل هذه الاحتفالات من قبل؟" "كلا.. لم ار... ماذا يفعلون؟" "بعد الغداء سنذهب لمشاهدة سباق قوارب الصيد, وستمنح جائزة لاسرع قارب يدور حول االعوامة ويعود الى الميناء, وسيستغرق ذالك وقتا طويلا, لاننا سنلقي اولا نظرة على القوارب, وبعد ذلك سيحتفى بالفائز, وطوال هذا الوقت سناكل اشياء متنوعةشهية ولكنها عسيرة الهضم, ولذا لن نقبل على العشاء عندما يحين موعده, ثم لمعت عيناه حين اضاف: "اعتقد اني بدلا من ذلك ساغازلك بالالمانية." "لن تفعل شيئا من هذا القبيل... وفيي اية حال فانا افهم الالمانية" ثم انجر الاثنان بالضحك في الوقت نفسه, واتجهت الانظار اليهما, واحست كارول بالحرج لاحتقان وجنتيها, ربما كان ذلك بسبب نظرات سيلستينا الفاحصة الساخرة, اذ قالت وهي ترنو ناحية ماريتا بنظرةجانبية قائلة: "يبدو ان ابنة العم الصغيرة على حق, الممرضة كارول والدكتور كريستين عندهما دائما الكثير من الاحاديث الطويلة التي تثير بهجتهما." قال كارل بشيء من الجراة: "كنت اهدد بمغازلة الممرضة كارول ولكنني اكتشفت انها تفهم الالمانية مع الاسف" "وهل هذا شيء يندم عليه؟" وكان السؤال من شاب اسمر نحيل, يجلس على الطرف الاخر من المائدة, وتذكرت كارول انه قدم اليها باسم ريناتو الدرو, واستطرد الشاب قائلا: "انا لا احب ان اغزل واحدة لا تفهمني." قالت ماريتا: "ولنه وضع يمكن اصلاحه يا ريناتو." "هذا صحيحز.. يبدو انك في حاجة الى معلم للبرتغالية يا انسة كارول." ورمقته كارول بنظرة متوجسة غير متااكدة من جديته, ولمحت في عينيه الداكنتين شبح ضحكة, وصار الموقف اكثر وضوحا عندما مالت الفتاة التي كانت تجلس بجانبه الى الامام وابتسمت لكارول قائلة: "يجب ان احذرك من اخي.. انه يجيد ما تسمونه فن الدعابة." قالت كارول وهي ترى الضحكة تعمق في عيني ريناتو: "ظننت ذلك بالفعل." فقال هو على الفور:"ومع ذلك فانها دعابة يمكن ان تؤخذ بجدية, هل ترغبين بتعلم البرتغالية؟" وقبل ان تستطيع كارول الرد استدارت سيلستينا الى ريناتو وقالت بصوتها الاجش المتعالي: "اعتقد انك تجعل الانسة كارول لاهثة الانفاس بعض الشيء, انها انجليزية ومعتادة على التعارف البطيء الخطوات." كانت كارول تكاد تمسك بلسانها داخل فمها لكيلا تنطق ثم تطلعت بنظرة ضاحكة في عينيها لم تجعل ريناتو يشك في صدقها حين قالت: "لا اعتقد انني استطيع القبول لانني ساترك الجزيرة بعد اسابيع قليلة." فانبرت ماريتا قائلة: "هذا مؤسف للغاية الا يمكنك تغيير رايك للبقاء؟" "عن قريب لن يكون لدي ما اعمله فقد استجابت ساق الانسة بروتون للعلاج على احسن وجه وعملي القديم في انتظار عودتي." "هل يجب ان يكون عملك في مستشفى في انجلترا؟ انني على ثقة بان الدكتور كارل يحتاج المزيد من الممرضات في مشفاه." قالت سيلستينا: "ربما لم تتبني ان الانسة كارول متعلقة بوطنها اكثر من تعلقها بجزيرتنا." واجابت كارول وهي تتساءل عن سبب معاملة سيلستينا لها على ذلك النحو الذي ينم عن كراهية: "ليس بالضرورة, كنت احب ان ابقى في خواماسا لو كان ذلك ممكنا." فسال كارل: "لماذا اذن لا تقدمين على ذلك؟ ان ماريتا على حق فاننا بالفعل بحاجة الى المزيد من الممرضات في المستشفى." واجتاحتها موجة شجن في ظروف اخرى ما كانت لتتردد في قبول هذا العرض, الان لم يكن امامها خيار, كان عليها ان ترفض, وبهدوء قالت: "انني اقدر هذا العرض وكنت احب حققيقة ان ابقى لكن توجد اسباب شخصية تحتم عودتي الى انجلترا." وبعد اللغداء اتجه المدعوون الى الداخل للجلوس في غرفة فاخرة التاثيث يشربون القهوة على انغام الموسيقى الهادئة حتى تخف شمس منتصف النهار. وكان الحديث خلال ذلك يدور متقطعا, لكن بعد فترة استرد الجميع حيويتهم من جديد وبدأ التحرك باتجاه السيارات, واثناء الخروج اقترب كارل من كارول واحنى راسه الاشقر ليتكلم معها قائلا: "عهد الي بمهمة مرافقتك, هذا اذا لم استدع الى المستشفى, ارجو الا يضايقك ذلك." "على الاطلاق, تمنيت ان تكون انت وليس ريناتو او واحدا من البرتغاليين المندفعين." ولحقا ببقيةة المدعوين الى حيث نصبت خيمة حديثة, رصت فيها المقاعد للسيدات, اذشغلت نيستا بالتحدث مع السنيورا, لمحت كارول ماريتا ومانويل عن طريق الصدفة يتسللان خارجين معا, ومن نظرة عين كارل ادركت انه هو ايضا لاحظ ذلك وقالت له: "كنت اظن انه غير مسموح لهما بالتجول وحدهما." "في يوم العيد يسمح بتخطي التقاليد الى حد ما." واشار ناحية قوارب الصيد الراسية على الشاطئ وقال: "هل نلقي نظرة على القوارب ونحاول ان نقرر ايها يفوز؟" واومات كارول بالموافقة وافترقا عن الباقين وانضما الى جموع الناس المتجهة الى الشاطئ, وسالها كارل: اين تعلمت الالمانية؟" "بعض دراستي يرجع الى المدرسة, وبعضها الى ابي,وبعضها الى ممرضة المانية في سسان كريستوفر, لا ادري حقيقة لماذا تعلمتها؟" طخاصة لتقابليني." "بالطبع." وانفجر الاثنان ضاحكين من جديد. "اعتقد ان احد اسباب اعجابي بك يا كارول, شعوري باننا سنكون صديقين حميمين بدون اي تعقيدات اخرى." "تقصد ان احدنا لا يمكن ان يقع في حب الاخر؟" "انك جذابة للغاية, وفي يوم ما سوف يحبك شخص ما, ولكن ذلك لن يحدث لنا, سنكون مجرد صديقين." "هذا احد الاشياء التي احبها فيك ايضا شعرت بالشيء نفسه منذ التقينا." "هذا رائع, هل نذهب لنلقي نظرة على القوارب يا عزيزتي؟" ونطق الكلمة الاخيرة بالالمانية رغم ذلك اللفظ العاطفي احست كارول انه استعمله بمعنى الصداقة وشعرت بغبطة وهي تسير معه وقال كارل: "اعتقد ان هذا القارب سيفورز." هزت كارول راسها قائلة: "كلا" ثم اجالت كارول بصرها فوق طابور القوارب واستقرت بهما على واحد بعيد وقالت: "بل هذا يبدو الفائز." وفحص كارل بدوره القارب الذي اشارت اليه وقال: "لا اعتقد ذلك." واشار الى الرسم على جانبه واستطرد قائلا: "كيف يفوز قارب له مثل هذا الاسم؟" "بل انه سينطلق مثل الريح, هذا هو الفائز." "بماذا تراهنين؟" "نصصف دزينة مشارط يا دكتور." "اه, اذهبي عني بعيدا ايتها... ايتها الممرضة." "بكل تاكيد يا دكتور." وخطت كارول الى الوراءقبل ان يستطيع كارل ايقافها وكان وجهها مشرقا, وكان هناك احد واقفا خلفهما, فاستدارت كارول باعتذار على شفتيها ووجدت نفسها تنظر مباشرة في عيني فاليب, ولمدة لحظة جعلها الارتباك تتاخر عن الاعتذار ثم قالت: "انني اسفة يا سنيور, لم اكن ادري انك هنا." "وكيف كان لك ان تعرفي وقد وصلت لتوي؟" وكانت لهجته عادية وحينما نظرت بسرعة الى وجهه كان التحفظ منعكسا عليه, وقال كارل: "وصلت يا فاليب في الوقت المناسب, فاني اظن ان كارول كانت على وشك ان تهجرني." واستدار فاليب لينظر الى كارول التي اخذت تنكمش تحت وطأت نظرته الغامضة المقنعة وسأل: "لماضا تريدين هجر صديقنا الطبيب كارل؟ كنتما منذ لحظة وجيزة منسجمين, اعتقد انكما كنتما تتحدثان بالالمانية." واومأ كارل قائلا: "كانت مفاجأة سارة اذ اكتشفت ان كارول تعرف الالمانية." وقال فاليب: "انت محظوظ في ذلك يا صديقي, فقد اكتشفت عزوفها عن البرتغالية, اليس ذلك صحيحا؟" والقى بنظة جانبية نحو كارول يستفزها بها لان تنكر صدق تعليقه, وردت هي بأدب: "ليس الامر كذلك تماما يا سنيور, لكني فكرت في ان الامر لا يستحق تعلمي البرتغالية ما دمت لن ابقى هنا الا اسابيع قليلة." وهزت كتفيها واضافت: "مجرد مصادفة انني اعرف بعض الالمانية من قبل." وتدخل كارل ليغير موضوع الحديث كما لو احس بالعداوة التي بين الاثنين, وقال: "كنا نحاول ان نحدد القارب الفائز أي واحد تختار؟" ونظر فاليب الى طابور القوارب واشار ناحية احدها وصاحت كارول تلقائيا بابتهاج ناسية ان الماركيز دي الفيرو ريالتا كان بجانبها. "انه ايضا اختياري." والتفت كارل ناحيتها قائلا: "ساحصل على المشارط." اجابت وكانها ترد الهجوم وقد عادت اشراقة المرح الى وجهها: "لن تحصل عليها." ورفع فاليب احد حاجبيه الداكنين في دهشة كما لو لم يكن قد رآها من قبل على مثل هذه الحالة, ولأول مرة ابتسم كأنما مرحها سرى اليه, وقال: "يبدو يا كارل انك يجب ان تعترف بالهزيمة, فأنت تعارض غريزة جنس ينتمي أصلا الى البحر." "يبدو ذلك بالفعلو ما دمت اخترت انت ايضا هذا القارب." وساد صت متوتر, صمت غير مريح بالنسبة الى كارول اذ كان من الحقائق المعروفة ان البرتغاليين ايضا ينتمي اصلهم الى البحر, وبدت هذه الحقيقة رابطة تجمعها بفاليب وقد كانت متاكدة انه امر لا يهتم به. واختلست نظرة نحوه بعد لحظة, وفوجئت ببريق ماكر في عينيه ينم عن ان الفكرة نفسها ساورته لكن بطريقة مختلفة, وسمعته يهمس بنعومة: يبدو انك ضد ارادتك مرتبطة بالبرتغال ولكن لا تقلقي فالرابطة كانت موجودة بالماضي." ونزلت قوارب وسط ضجيج منفعل هائل, بدا كانما الجميع يصرخون في ان واحد للتشجيع او لمجرد التاثر بحمى الاحتفال, واخذ الصيادون الذين لفحتهم الشمس يحاولون شق الطريق لقواربهم, وقد وضعوا فوق رؤوسهم الاغطية الصوفية, وفي الوقت نفسه يحاولون السيطرة على مجموعة اطفال يسبحون نحو القوارب اخيرا واتجهت نحو العوامة التي كانت ترى غير واضحة عن بعد, وبدا القارب الذي اختارته كارول مطابقا لاسمه البرتغالي (اي انه يعرج) خلف القوارب الاخرى, ونظرت اليه في قلق, اما القارب الذي اختاره كارل فكان في المقدمة, وقال كارل ساخرا: "ما قيمة الغريزة الان؟" واجاب فاليب رغم ان السؤال كان موجها الى كارول: "انتظر وانظر يا صديقي, ما زال هناك وقت, نحن ابناء الاصل البحري نستطيع ان نختار سفننا." وكان وهو يتكلم يرنو ناحية كارول بابتسامة خالية من التهكم, الامر الذي جعلها ترد له ابتسامته برضى وارتياح, وكان منظرا جذابا يراقبونه, زرقة المياه المتلألئة بقمم امواجها البيضاء, والسماء اللامعة بشمسها الذهبية العظيمة, وقوارب الصيد تتقدم الى الامام تلاحقها صيحات التشجيع من الشاطئ, حتى في الخيمة, نهض البعض البعض من صفوة المحافظين ليروا الفائز, الذي كان سيتلقى التذكار التقليدي المصنوع على هيئة سمكة فضية كبيرة مسترخية فوق موجة, بالاضافة الى مبلغ من النقود, وكانت كل الجوائز مقدمة من فاليب, طافت هذه الفكرة بذهن كارول وهي واقفة هناك, لكنها هذه المرة لم تكن مصطبغة بالازدراء, بل بدات تفهم المكانة التي يحتلها في الجزيرة, والمسؤولية الضخمة الملقاة على عاتقه, وعادت ببصرها الى البحر, وغمرتها الفرحة اذ رات القارب الذي اختارته يتقدم الموكب, وانطلقت تصفق بفرحة صبيانية قائلة: "انه سيفوز." "بالطبع." وفي اللحظة التي كان فيها القارب الفائز يقترب من الشاطئ, شق صبي طريقه وسط الزحام, وتحدث مع كارل ببرتغالية مضطربة, واصغى كارل بحاجبين مرفوعتين قليلا, ثم استدار ناحية كارول قائلا: "هذا ما كنت اتوقع حدوثه, يجب ان اعود الى المشفى, اخشى ان اكون مضطرا لتركك تحت رعاية فاليب." وقال فاليب: "يسرني ذلك." واحست كارول انه لم يكن صادقا في قوله, وتبادلت مع كارل التحية بالالمانية في مرح, محاولة الا تعكر معنوياتها بوجود شخصية الماركيز الاستبدادية. لكن ما كاد كارل ان يذهب بعد كلمات قليلة سريعة بالبرتغالية مع فاليب, حتى اكتشفت ان الاطمئنان الذي عرفته برفقة كارل ما لبث ان تلاشى بمجرد ان التفتت لتواجه فاليب: "وقال: "تشعرين دون شك بخيبة امل لان الطبيب الطيب استدعي, ولكنني ساعيدك الى رفاقك بعد وقت قصير." كانت كارول -كما توهمت كارول- انه لا يبغي البقاء معها طويلا, ووجدت ان المشاعر الغريبة التي استبدت بها منذلحظات تبخرت, وتركت مكانها مجرد الرغبة في العودة الى نيستا وبقية المدعوين, واذ احست بالضيق, اتجهت نحو نيستا التي تاملتها وهي تتخذ مقعداا بجانبها, وسالتها: "هل تستمتعين بالمناسبة؟" "للغاية وان كان كارل المسكين استعي للمستشفى." "وبقيت مع فاليب, لهذا عدت وقد بدا عليك الاحباط." وهزت كارول كتفيها وقالت: "ليس الاحباط تماما, لكنني لا اشعر ابدا بانني على سجيتي معه, مثلما اشعر مع كارل." وقطعت حديثها حينما بدا ان انشطة اخرى كانت على وشك ان تمارس على الشاطئ, ولفترة تتابعت مباريات متنوعة واعطيت جوائز لاصحاب المحاصيل الزراعية الممتازة, وبعد ذلك عرض لركوب الخيل, ولكن كارول كانت طول الوقت منتبهة تماما الى وجود الرجل الجذاب الاسود الشعر الذي كان يجلس بجانب سيلستينا, ويميل براسه ناحيتها ليتبادل الحديث معها بصوت رقيق, وبعد عرض الخيول, اقبلت ماريتا نحوها برفقة مانويل, كانت تبدو في ذلك الليوم فاتنة في ثوب ابيض ناصع, وكان واضحا تماما ان مانويل تنبه الى فتنتها, ومالت ماريتا نحو كارول وقاالت: "سنذهب الى قرعة الازهار, هل ترافقيننا؟" ووقفت كارول قائلة: احب ذلك." واستدارت السنيورا اكواراس بعينيها الحادتين عندما اقبلت ابنتها ناحيتها, رغم انه كان واضحا ان مانويل يحظى بكامل الرضا, لكنها لم تكن موافقة على ما يبدو عن تجاوز التقاليد حتى في مناسبة العيد, وقالت ماريتا: "سنذهب لنفرج السيدة كارول على قرعة الازهار." واومات السنيورا اكواراس بالموافقة وابتسمت لكارول معتبرة اياها مرافقة كافية لابنتها, واستغرق منهم الوصول الى خيمة الازهار بعض الوقت, ولم تكن المسافة طويلة, لكن ماريتا ومانويل توقفا اكثر من مرة لتحية المعارف ولتقديم كارول اليهم, حتى امتلا راسها الى حد الارتباك بمجموعة اخرى من الاسماء البرتغالية, ورغم ان الوقت كان لا يزال عصرا, تكونت مجموعة او مجموعتان ترقص على انغام الغيتار والكمان, ووقفت كارول تتفرج بينما مانويل وماريتا يشرحان لها معنى بعض الرقصات وقالت ماريتا: "يجب ان تاتي الى حفل الرقص الليلة, ستضاء المصابيح, وستجدين اشياء كثيرة تسرك, ستكون هناك ايضا مسابقة بين الراقصين." ووصلوا الى خيمة الازهار الواسعة المربعة القائمة على اوتار خشبية منصوبة على مسافات تبعد حوالي ستة اقدام بعضها عن بعض, تحمل السقف, وكل وتد منها يرفرف فوق قمته بيرق, ويلتف بالازهار بكثافة حتى ليصعب الاعتقاد ان هذه الاوتاد مصنوعة من الخشب, ودلفوا الى الداخل حيث كانت رائحة الازهار تعبق بالجو الى حد الاختناق تقريبا, كانت هناك كتل ازهار في كل مكانن, علاوة على سلال واسعة مغطاة, وفي غطائها فتحة تسمح لليد بان تدخل لتختار زهرة, وحول الجدران رفوف محملة بمختلف انواع الاشياء غير المتناسقة, كانها اسواق اللهو في انجلترا. ثم رات عبر الخيمة راس فاليب الداكن يتحدث الى سنييورا متوسطة العمر كانت تشرف على الخيمةوكانت تتمنى لو انه كان في اي مكان اخر غير ذلك, ولم تكن هناك فرصة للفرار, ولا عذرا مقبول يمكن ان تقدمه لماريتا غير الحقيقة, وهي انها لم تكن تريد ان تسحب زهرتها امام فاليب, وشقت ماريتا طريقها الى احدى السلال الكبيرة المغطاة التي كانت تقف بقربها شابة بملابس العيد, بانتظار ان تناول الهدية المتفقة مع الزهرة المنتقاة, ولم يكن مانويل وماريتا قد رايا فاليب بعد, وقالت ماريتا لكارول: "هل ستسحبين اولا؟" ولكن كارول هزت راسها قائلة:"افضل ان اراقبك لارى ما يجب ان افعله بالضبط." واتجهت ماريتا الى السلة واولتها ظهرها, ومدت يها اليسرى خلفها, وعاونتها الفتاة النتظرة في توجيه يدها الى الفتحة الموجودة في الغطاء, وحينئذ خرجت يدد ماريتا بزهرة ذهبية ضخمة, وتجهم وجهها الحلو, ورشقت مانويل بنظرة مشتعلة وقالت: "هذا سيء للغاية, كنت اتمنى الوردة الحمراء ولكن..." وهزت كتفيها في استسلام, لكنها لم تلبث ان بدت مبتهجة بالوشاح المطرز الذي قدم اليها, وان كانت تملك مثله الكثير, واستدارت ناحية كارول وقالت بمرح: "الان حان دورك, يجب ان تاخذي اول زهرة تلمسها اصابعك." وقبل ان تستطيع كارول الاستجابة, سمع نداء بالبرتغالية, واستدارت ماريتا باجابة سريعة باللغة نفسها, وكان كل العضاء الشباب في مجموعة اكواراس قد وصلوا, يتقدمهم ريناتو واخته, وقال ريناتو وهو يتامل كارول بعينين مبتسمتين: "يبدو اننا وصلنا في الوقت المناسب لمشاهدة الانسة كارول تختار الزهرة." وبنظرة مختلسة لمعرفة اذا كان فاليب ما زال موجودا, اكتشفت كارول اختفاءه, وتقدمت من السلة اكثر ثقة, واحست انها قادرة على التماسك امام هؤلاء الشباب البرتغاليين المرحين, ايا كانت الزهرة التي تسحبها, وامسكت يدها من الخلف لارشادها الى الفتحة الموجودة في السلة, وعندما لامست اصابعها ساقا سميكة صلبة, تذكرت ارشادات ماريتا بان تاخذ اول زهرة تلمسها, وسحبت يدها, لتسمع تنهيدة منبعثة من الفتاة الواقفة بجوار السلة. "الوردة الحمراء." ورغم ان النطق كان بالبرتغالية, كانت الكلمتان مفهومتين, وازداد احساسها بالرعب عندما ارتفع صوت اخر خلفها قائلا: "لا تخافي يا سنيوريتا, العالم لم يات الى النهاية بعدز" واستدارت ببطء شديد لترى فاليب يراقبها بابتسامة سروور خبيث, ثم نظر الى الوردة الحمراء التي تمسكها بين اصابعها واضاف قائلا بلهجة ميزت فيها رنة السرور الساخر: "يبدو ان القدر لم يستجب لدعواتك." وقالت كارول محاولة ان تبدو متماسكة: "هذا ما يبدو حقا." وتدخلت ماريتا قائلة: "انكما تتكلمان بالالغاز, كيف يمكن ان الا يكون القدر استجاب؟ وانت تفوزين بالوردة الحمراء." قالل فاليب: "الا تذكرين ايتها الصغيرة ان السنيوريتا انجليزية؟" وضحكت ماريتا قائلة: "ولكن حتى الانجليز يمارسون التقبيل... الا يفعلون ذلك يا انسة كارول؟" اجابت كارول وهي تتمنى ان يخلصها ردها من الموقف: "ليس علانية." قال مانويل: "كذلك البرتغاليون, ولكن هذه الوردة الحمراء جزء من الاحتفال." ووقفت الفتاة المكلفة بالسلة حائرة, تنقل بصرها بينهم, ثم قالت في النهاية كلاما لكارول بالبرتغالية, واتسعت ابتسامة ماريتا وهي تترجم قائلة: "قبلة يا سنيوريتا, يوجد كثيرون هنا سيعتبرونها شرفا, هيه يا ريناتو؟" وانحنى ناروتو شديد الجاذبية, وقال شيئا بالبرتغالية, لم يترك شكا لدى كارول فيما يكون مغزاه, ولم يكن لديها على الاطلاق ششيئا ضده, لكنها لم تكن تريد ان تقبل احدا, وان تفعل ذلك علانية, كان هذا يختلف مع كل مبذا نشات عليه, ويعارض طبيعتها المحتشمة, وهزت راسها بحزم... وقالت: "انني اسفة, لا احمل شيئا ضد احد, لكنني فقط لا استطيع ان اقبل احدا علانية.ط ورمت الوردة باتجاه السلة, املة ان تنهي بذلك الامر, لكن فاليب مد يده والتقطهها, وبانحناءة هائة قدمها اليها وقال: "اين هي الشجاعة الانجليزية التي نسمع عنها الكثير؟" وكانت الكلمات التي نطقها بنعومة فائقة, بلكنته الجذابة ذات الرنين الساخر الخفي, هي التي اشعلت نار الغضب في اعماقها, حتى انها لم تعد تعرف ما تريد, ولا ما تنوي فعله, وبحركة خاطفة, استدارت وخطفت الوردة في غضب, واشتعل الغضب في عينيها, اذاً... قد حاول ان يذلها. وبحركة اشبه بما لو كانت ستضربه, رفعت وجهها عازمة على ان تقبله بسرعة على وجنته الداكنة اللقريبة منها, وان تتراجع بالسرعة نفسها, وربماا ما تبع ذلك سببه الدهششة البالغة التي برقت في عينيه في البداية والقت كارول براسها الى الوراء في حدة, متنبهة الى ان وجهها كان مشتعلا, وايضا الى نظرة الدهشة في عيني فاليب -التي كانت بالتاكيد مسؤولة عن حركة راسه المفاجئة- انسحبت لتحل مكانها نظرة الغبطة الماكرة, وتبينت ايضا, حينما حاولت ان تتحرك الى الخلف بعيدا عنه, ان يديه النحيلتين كانتا قابضتين بقوتهما القاسية على جانبي خصرها, وقال وقد تسلل الابتهاج من عينيه الى نبرات صوته: "لقد شرفتني يا سنيوريتا." وسقطت يداه من فوق خصرها, وتراجعت هي الى الخلف بسرعة, مواجهة الاخرين بابتسامة تمنت الا تظهر متكلفة كما كانت تحس بهاو وقالت بمرح اعتبرته افضل طريقة لتغطية ارتباكها: "هل الجميع راضون؟" ولكن فيما بعد, حتما هدات ثائرتها واستطاعت ان تفكر في الامر كله بموضوعية, تبينت بدهشة وبشيء من السخط, ان الامر لم يكن كريها, وابتعدت واتجهت الى الطرف الاخر من المجموعة, وكان من السهل عليها بعد ذلك ان تنسحب تماما, وكان اخر شيء راته وهي تهرب من خيمة الازهار, سيلستينا تهمس بشيء لفاليب وهي تبتسم في وجهه, بينما يمل هو براسه مصغيا في اهتمام, كان من الواضح اننه نسي تماما وجود من تدعى كارول, وبدون وعي رغم غضبها, تنهدت كارول ولكنها لم تحاول ان تتساءل لماذا, وعندما وصلت الى الخيمة الاخرى حيث تركت نيستا, كان من المؤكد ان اعلام الغضب والتمرد ما زالت ترفرف في عينيها, لان نيستا استدارت بسرعة نحوها, وقالت ممازحة: "حدث خلاف جديد في الراي بينك وبين فاليب... كما يبدو من بوادر العاصفة..." "اسوا من ذلك." وفجاة سيطرت روح الدعابة على كارول حينما استعادت في مخيلتها ما حدث وقهقهت ضاحكة, ثم قالت: "لقد التقطت الوردة الحمراء." "استطيع ان اخمن الباقي؟" وقهقهت مبتهجة واستطردت تقول: "رفضت ان تقبلي احدا, واستعمل فاليب طريقته الخاصة بالاغاظة اللطيفة. وادرت ظهرك للجميع, اليس كذلك؟" "اغاظة لطيفة؟ انه.. انه شيطان يا انسة بروتون, استفزني عمدا فلقي عقابه." "حسنا ماذا فعلت به؟" ولمدة لحظة اكتسى وجه الفتاة بما كانت تسميه نيستا نظرة مورغاانا- لو- فاي, ثم انفجرت من جديد ضاحكة وقالت: "لقد قبلته." "انت قبلته, هو, اهنئك, ولكن اياك ان تزعمي انك لم تجدي ذلك ممتعا, حتى لو كنت حانقة." وانفرجت شفتا كارول في اعتراض حار, لكنها احست برجفة تسري في كيانها, واغلقت فمها على الكلمات المتمردة التي كانت ستنطلق, وتناولوا العشاء في مطعم داسكاني, وكانت المصابيح الملونة مضاءةهذه المرة, وظلت الموسيقى تنساب بنعومة مصحوبة بغناء ششاب اسمر نحيل مخملي الصوت,كان يتجول بين الموائد باغانيه البرتغالية العاطفية, ودفع ذلك الصوت الساحر المنساب بعض الشبان والشابات الى تبادل النظرات المبهمة, وحتى كارول وجدت نفسها تبتسم, الى ان التقت مصادفة بنظرة فاليب المبتهجة الساخرة,واحست انه يهزأ بها لانها تاثرت بالاجواء العاطفية, وبعد ذلك شاهجوا استعراضات برتغالية راقصة, ثم نهض المدعوون انفسهم يرقصون على نغمات الموسيقى, ومالت كارول قليلا ناحية نيستا, وهمست: "ماذا افعل اذا طلبني احد للرقص؟ لا استطيع ان اقومم بهذه الرقصات البرتغالية." "اذا طلبك احد, فلا بد ان يكون قد وضع ذلك في اعتباره, ولذلك لا ترفضي." ولذلك حينما طلب منها ريناتو لرقص, اخذت بنصيحة نيستا ولم ترفض, كانت تلك رقصة اشبه برقصة الفالس سريعة الايقاع, وبسرعة استطاعت ان تتحكم في خطواتها, وبدات تستمتع بها, وكان الرقص دائما رياضتها المفضلة ولكن ولسوء الحظ لم يكن فاليب يحبه كثيرا. واعادها ريناتو الى مقعدها متوردة ضاحكة, وفي الحال تقريبا, طلبها اخر وعادت تدور في في حلبة الرقص, ولم تكن قادرة على مقاومة الرغبة في النظر بين الحين والاخر الى حيث كانت برتغالية جميلة ذات شعر اسود تبتسم لرجل كان يملك جاذبية غامضة, ووعادت مرة اخرى الى المائدة, وحينئذ احست بدون ان تلتفت ان فاليب خلف مقعدها, وانتصبت واقفة في شيء من التردد, من غيرؤ ان تجرؤ على النظر اليه وهو يسحبها لان ذلك جعلها تتذكر بوضوح ما حدث في خيمة الازهار, وكان يجيد الرقص لكن كارول احست بشيء من التحفظ, كان من الواضح حتى وهو يرقص, انه ما زال الماركيز دي الفيرو ريالتا, وجمد ذلك حركاتها, حتى انها لم تستطع ان تتمتع بالرقص, وجربت ان تستغرق في الايقاع وان تنسى الشيء الذي استبد بها فجاة بتفكيرها يهمس لها محذرا: "لم يتبقى الا وقت قصير للغاية, استمتعي بايامك المحدودة." ورغم ذلك كانت تعلم عندما اعادها الى المائدة مع كلمات شكر مناسبة, انها لم تتمتع بالرقص, بل تلاشى سحر ذلك اليوم, واحست بالتعب وبالوحدة, حتى ابتسامة نيستا المرحة لم تستطع ان تخفف من ثقل الحمل والامه. وتهالكت على مقعدها تتنهد, ولم تلتفت عندما سمعت صوتا اجنبي اللهجة خلفها يقول برقة, وبعبارة تجمع بين الانجليزية والالمانية: "مشاغل كثيرة يا غاليتي؟" واستدار ليواجهها, ورفعت كارول وجهها نحو عيني كارل الزرقاوين, ولم تساله كيف عاد, كان يكفيها انه امامها, وقالت متوسلة وفي صوتها اختلاجة الم: "ارقص معي يا كارل, دعني انسى." ولم يسالها ما كانت تريد ان تنساه, ربما كان هو ايضا يعرف ان هناك اشياء تفترس الذهن, ولا يمكن التحدث عنها, وامسك بيدها دون ان ينطق بكلمة, وانهضها على قدميها ولكن كان في عيينيه الفهم والحنانز ولم تكن الموسيقى قد بدات, وللحظة تساءلت لماذا اتجه ناحية الفرقة وما الذي طلبه بالبرتغالية, ثم اومأ قائد الفرقة الموسيقية مبتسما, وبدلا من الموسيقى البرتغالية الصاخبة, بانغامها المتلاحقة, تراقصت في الاجواء انغام فالس مدينة فيينا. وهمس كارل: "ارقصي يا عزيزتي... ارقصي وانسي." "للم تسالني ما الذي اريد ان انساه." "ربما تخبريني في يوم ما, وحتى ذلك الحين, لن أسأل, انني افهم كيف يمكن ان تكون مثل هذه الاشياء." "شكرا لك يا كارل." وكانت في صوتها نبرة شكر, وهز راسه بابتسامة شاحبة, ثم لم تلبث ان اشرقت مع الانغام المرحة وقال من جديد: "ارقصي, ارقصي وانسي, من يمكن ان يكون حزينا عندما تكون هناك موسيقى من فيينا؟" وباندفاع مجنون.. اطاعته كارول, انثنت وتلوت على الايقاع الساحر من عصر اخر, حتى لم تعد في ذهنها اية فكرة, ولم تكن تدري ان الناس توقفوا ليتفرجوا على الرجل اللاشقر الطويل, وزميلته الرشيقة, الذين كانا يرقصان كانما روج فيينا القديمة وقد انبعثت فيها الحياة في حديقة جزيرة برتغالية.
نهاية الفصل السادس
الفصل السابع
الوجه والقناع
عادت لورنزيتو بعد المهرجان الى حالتها العادية واحست كارول بالخجل مما اصابها وفتح طريقا للافكار السوداء في ذهنها,فذكرت نفسها من جديد بما صممت عليه لئلا تقضي الوقت المتبقي لها في الاسىو وكانت نيستا تجلس على اريكةفي غرفة الجلوس بينما كانت كارول بجانبها تتناوب القراءة ومحاولة كف افكارها عن التحويم كثيرا حول فاليب, ثم سمعت صوت سيارة ونهضت واقفة وحينما رات من خلال النافذة الرجل القادم والشمس تلمع فوق شعره الاسود الكثيف, احست في اعماقها بلهفة شوق غريبة, وحياهما بالبرتغالية عندما قادته تيريز اليهما, وسالته نيستا: "هل ستشرب الشوكولا معنا؟" شكرها لكنه اعتذر موضحا ان عليه العودة الى القصر لارتباطه بموعد غداء ثم نقل بصره بينهما وسأل نيستا: "هل انت مرتبطة بموعد ما بعد ثلاثة ايام؟" وهزت نيستا راسها نافية وتحولت نظرة فاليب الى كارول وسأل: "وانت يا انسة كارول, هل انت مرتبطة بموعد في ذلك اليوم؟" وتساءلت كارول عما يقصد, لكنها مع ذلك هزت رأسها بالنفي وعاد ينظر الى نيستا قائلا: "هذا حسن للغايةو كنت قد عرضت على الانسة كارول ان اقوم معها بجولة داخل الجزيرة وامل ان تستطيعي انت ايضا مصاحبتنا." وتذكرت كارول بعد فوات الاوان وتمنت لو انها قطعت لسانها المتهور لاعطائه مثل هذه الفرصة, لو انها تبينت في الوقت المناسب الهدف من زيارته لكانت في الغالب فكرت بعذر, رغم حرمان نيستا من تسلية كانت في اشد الحاجة اليها وازاء هذا الخاطر سرت لانه لم يككن لديها وقت للاعتذار ولم يبق طويلا, ولم تحدث اشارة بكلمة او تعبير الى ما وقع في خيمة الازهار, ورافقته نافرة حتى الباب تاركة نيستا مستريحة فوق الاريكة ونظر اليها عندما خرجا الى حيث اشعة الشمس اللامعة, وتجمدت كارول في اعماقها عندما قابلت النظرة الفاحصة الحيادية في عينييه وهو يقول: "هل تتعبك شدة الحرارة؟" "لا ابدا بل انني احبها واعتقد انني ساتمتع بالمناخ الاستوائي." "ربما يحدث ذلك رغم مظهرك الانجليزي للغايةز" "لا استطيع مقاومة مظهري الانجليزي للغاية." وانبتها طبيعتها المهذبة على هذه الكلمات, كانت فظة ولكن كالعادة ان شيئا ما في سلوكه يدفعها الى الاندفاع الخاطئ, ولكن حتى مع سريان الافكار المتحررة في ذهنها ارتجفت للتعبير الذي كسا وجهه وتوقعت ان ينحني برسمية جافة ويتجه نحو سيارته, ولكن بدلا من ذلك انفرجت شفتاه المرسومتان عن ابتسامة توصي بنزوة غريبة وقال: "يبددو ان كلانا يقول دائما الشيء الذي لا يقع موضع القبول لدى الاخر هذا غريب... اليس كذلك؟" ورمقته كارول بنظرة ذاهلة مستعلية دون ان تدري تماماا كيف ترد على الملاحظة, ثم اشاحت عنه بسرعة وسمعت نفسها تقول: "انني اسفة كنت فظة جدا." "كنت كذلك, لكنك ربما ايضا ضحية الاستفزاز." وارتفع راس كارول بسرعة وقالت بتصميم: "كنت فعلا ضحية الاستفزاز يا سنيور." واصطبغت لهجته بالمزاح الخفيف الذي لم يحركها اذ قال: "لن نتعاارك على ذلك, وسيسرني ايضا لو استعملت اسمي, ان المرء يتعب من هذه السنيور المستمرة." ومن جديد نظرت كارول اليه ذاهلة, ثم نظرت نحو يديها بتمعن وقالت: "سأحاول يا سن... يا فاليب." وبسخرية لاذعة في صوته قال: "استطيع ان اقدر صعوبة ذلك, لكن وبمساعدة الشجاعة اللانجليزية العنيدة يمكن انجاز المهمة." وضحك واحنى راسه الداكن بخفة وقال مستعملا البرتغالية في كلمة التوديع: "وداعا, يحسن ان انصرف قبل ان نتعارك من جديد." واعتلت ابتسامة مترددة شفتيها وقالت: "وداعا يا فاليب." وهز راسه قائلا: "كلمة وداعا الانجليزية قاطعة للغاية, الا تستطيعين استعمال اللفظ البرتغالي رغم كراهيتك للغة؟" "لست احمل كراهية لها, ما هو المفروض اذن ان اقول بالبرتغالية؟" ولسبب لم تكن تريد له في تللك اللحظة ان يستمر في اعتقاده باها تكره لغته, وذكر لها الكلمة بالبرتغالية وابتسم لطريقة نطقها حينما رددتها بعده. فسالته: "ما الذي قلته؟" "حتى نلتقي لا تنزعجي, لم تكن شيئا ذا علاقة خاصة بالحب" واحست بالدفء يتدفق الى وجنتيها وقالت بسرعة: "لم اكن اتوقع شيئا من هذا القبيل يا سنيور." "من الحكمة ان يكون الانسان مستعدا وتحسنين صنعا لو تعلمت البرتغالية, قد يوجد اخرون يستغلون جهلك بلغتنا." "اعتقد انني في مثل هذه المواقف استطيع ان اخمن ما يقال ايا كانت اللغة." وقال بالبرتغالية: "حتى نلتقي يا كارول." ثم اضاف: "حاولي الا تفكري في عذر لعدم المجيء بعد ثلالثة ايام" وداعبت ابتسامة شفتي كارول وردت بالبرتغالية: "حتى نلتقي يا فاليب." وبعد تحية ساخرة بعض الشيء من يد سمراء انصرف في سبيله, ولدهشتها وجدت نفسها متلهفة ان تمر الايام الثلاثة. وبزغ الصباح زاهيا منتعشا كاان واحدا من ايام خواماسا التقليدية التي تجعل احياة متعة في الجزيرة, وقفزت كارول من سريرها بقلب فرح, وبعدما اخذت حماما ارتدت زيها اثناء تدليك ساق نيستا, لكنها لم تكن تنزي البقاء ولم تكن نيستا تعرف نواياها فاعربت بنظرتها عن ضيقها بذلك وبدات تقول: "كارول." وردت كارول بدون ان ترفع وجهها عن عملها: "نعم." "هل ستبقين بهذا الزي اليوم؟" ورفعت كارول وجهها بسرعة بابتسامة ماكرة وقالت: "فاليب لن يرضى عن ذلك, أهذاا هو قصدك؟" "اخشى ذلك, وبدات اعتتقد انك تجدين متعة بمضايقته." ليس تماما, رغم انني افعل ذلك احيانا واخر مرة التقينا فيها وصلنا الى نوع من التهدئة المهتزة." "ماذا يعني ذلك بالضبط؟" "افترقنا في حالة صداقة مسلحة مدركين انا قد نخرق الهدنة من جديد في اية لحظة لنعود الى حالة حرب سافرة." وظلت نيستا صامتة لحظة طويلة ثم قالت اخيرا: "كارول, هل انت متاكدة من انك لم تقعي في حبه؟" "في حب فاليب؟ كلا بالطبع, يا لها من فكرة غير معقولة." وسكتت من جديد عابسة ثم استطردت قائلة: "انه ليس نمط الرجل الذي يمكن ان اختاره لاقع في حبه." "الحب عادة لا يسمح بالاختيار." "اعرف, ولكن لا جدوى من ذلك في اية حال لا اعتقد انني من الجموح بحيث اقع في حب." "عندك من الجموح ماا يجعلك تردين عليه." "هذا مختلف, لكن لا استطييع ابدا ان احبه بسبب...." "اعرف... بسبب حبك لفيليب لايلاند." "انا لا احبه." وظظلت الكلمات الثلاثة معلقة في الهواء لفترة, واغمضت نيستا عينيها وفتحتهما غير مصدقة ما سمعته ثم رددت: "لا تحبينه." "قطعا لا, اكتشفت ذلك حتى قبل المهرجان شيء مذهل أليس كذلك؟" وضحكت وهزت راسها متعجبة وقالت: "وبعد كل هذا الوقت." وتنهدت نيستا بارتياح وقالت: "حسنا, هذا امر يسرني سماعه في كل الاحوال." "وانا ايضا, اشعر الان انني حرة اكثر مما كنت لفترة طويلة ولسوف امتع نفسي اثناء وجودي في خواماسا, وهذا يتضمن الا ادعع العزيز فاليب يشعرني بأنني لا ازيد عن حجم راس الدبوس." وقهقهت نيستا ضاحكة وقالت: "ان لك طبعا منقذا يتولى هذه المهمة, والان اذهبي لتغيري زيك باجمل اثوابك." وارتدت ثوبا حريريا باهت الاصفرار ووضعت في قدميها الصندل الاسود الذي ظهرت به في المهرجاان, وعندما كانت تمشط الخصلات البرونزية المتمردة, وقع بصرها على العقد ذي الحلقات الاسطوانية المسطحة فوق مائدة الزينة, وتركت المشط جانبا واحكمت العقد حول عنقها ولاحت ابتسامة خبيثة على شفتيها حينما تذكرت ان فاليب تحداها ان ترتديه قائلا انها ستخاف من الاقدام على ذلك لو علمت معنى النقوش عليه, وصاحت نيستتا مبتهجة حينما وقع بصرها على ممرضتها: "تبدين مثل قبضة شعاع من ضوء الشمس." وضحكت كارول ودارت حول نفسها مبتهجة بسماع حفيف ثوبها الفضفاض وتطايرت حلقات شعرها اللامع المنساب وقالت بسعادة: "اعتقد انني ساستمتع بيوميي." "انني مسرورة لسماع ذلك." وتوقفت كارول عن دورانها المرح عندما سمع صوت فاليب فجاة ولم تكد تستقر حتى راته واقفا بجانب الباب مباشرة, كامل الاناقة كالمعتاد شعره الاسود يلمع وملامحه الداكنة تبدو مكتملة الرجولة والجاذبية, ورغم البريق الظريف في عينيه لم يكن النوع الذي يحرك في كارول الشعور بعدم الارتياح, والغريب انه ذكرها بالمرة التي حدثها فيها عن تسلقه الاشجار حتى انها استطاعت ان تبتسم له ابتسامة طبيعية اكثر من اي وقت مضى وسار كل شيء على ما يرام ذلك الصباح, فقد بدا كانما هناك اشعاع ينشر الاحساس بالبهجة, وسط هذه الاجواء وبعد تقديم المشروبات الباردة خرجوا متجهين ناحية السيارة السوداء, وعندما وصلوا الى الطريق المؤدي الى لورنزيتو التفت فاليب في الاتجاه المعاكس وشعرت كارول بالرضى لتعرفها على بعض اسماء الاشجار رغم قصر اقامتها في الجزيرة, ووسط هذه الاشجار كانت تنبت الازهار الملونة التي جعلت من الجزيرة جنة من الالوان والاضواء. ووقف فاليب بالسيارة عند قمة الجبل بينما تلفتت كارول حولها لترى ما سبب هذه الوقفة المفاجئة وكان كل ما فازت به هو احساسها انها في مكان ما مرتفع في العالم تكسوه الاشجار حتى حافة المنحدرات العميقة, واستدار فاليب ناحية نيستا بابتسامة سريعة مهذبة, وسألها: هل تسمحين لنا لمدة دقيقة واحدة؟" وردت نيستا في الحاال: "طبعا" وبسرعة دار فاليب حول السيارة ليفتح الباب قائلا: "هذا جزء من خواماسا يجب الا يمر المرء عليه مرورا عابرا." وكانت اصابعه رشيقة حينما عاونها على الخروج من السيارة واعترتها تلك الرجفة الخفيفة لملمس رجل كانت حتى وقت قصير مضى متاكدة من كراهيتها له. وقال وهو يقودها الى الطريق في اتجاه المنحدر: "من الملاحظ ان البراعم تتفتح سريعا بتأثير دفء خواماسا." "ماذا تقصد يا سنيور؟" وعادت اللهجة الساخرة القديمة الى صوته وبدا واضحا انه لم يستطع ان يقاوم الرغبة اللطيفة في التهكم عليها وقال: "الممرضة كارول الصارمة اختفت من جديد والتغير كبير يستحق الاستحسان, رغم ان لها ذاكرة ضعيفة جدا." وارتفع احد حاجبيهه واستطرد مازحا: "هل هي اذن مهمة صعبة للغاية ان تستعملي اسمي؟" "كلا, نسيت فقط, فعندما يكون الانسان معتادا على التفكير في شخص ما بطريقة معينة يستغرق منه التغيير بعض الوقت." "اني اتساءل, كيف تفكرين بي؟" وفي الحال تبينت كارول مدى صعوبة الاجابة على هذا السؤال بل وخطورتها, وكانت تتساءل اذا كان من الافضل ان تفكر باجابة مراوغة كافية لارضائه, عندما رات اهتزاز كتفيه وضيق عينيه وعودته الى الجدية بطريقة اثارت حيرتها اما هو فقال لا باس ففي الغالب انه امر لست نفسك متاكدة منه ياا عزيزتي كارول." "ثمة مناسبات لا يكون هناك عدم تاكد... ابدا" ووضع يده على ذراعها ليوقفها عن السير, ووقفا تحت اغصان شجرة الناماريسك يتأملان تلا منحنيا ينتهي بشاطئرملي تتكسر عنده الامواج البيضاء وسمعته يقول: "الا يستحق هذا المنظر ان يكون يومك قد نظم لك بطريقة استبدادية؟" وكان صوته لطيفا مهذبا, لكنها كانت تعرف ان مجرد نظرة منها لا بد ان تكشف عن ابتسامة في عينيه, وبدات تحس بالارتباك لشدة قربه منها, لكنها لم تجرؤ على ان تتحرك مبتعدة خشية ان يلقي باحد تعليقاته الساخرة التي يتعذر الرد عليها, وظلت صامتة فترة, تشد من عزيمتها لتسيطر على اضطراب تنفسها الذي كاد يسيطر عليها, ثم اجابت اخيرا بان المنظر جميل بالفعل ولكن دون ان تذكر شيئا عن تسامحها لكون اليوم نظم بطريقة استبدادية, وتحرك بخفة, وادركت كارول انه كان يتامل تعبيرها من نقطة اكثر قربا مما كانت تحب. وقال: "شيء ما سرك اليوم." وعرفت كارول انه كان يشير الى كونها لم تنفعل بسرعة, ولكن حيث انها اكتشفت ان جزءا كبيرا من سرورها كان يدين بالفضل لوجودها بجانبه, لم تكن تستطيع ان تخبره اللحقيقة, واجابت: قد اكون اليوم في الواقع منطلقة خالية البال.." "هل من المسموح ان استفسر عن السبب؟" وهمت ان ترد, ولكنه قاطعها برفع يده قائلا: "اقدم اعتذاري... انه امر خاص كما يفهم؟" "خاص للغاية." وكانت لهجة كارول حازمة وادارت وجهها وقد تراقصت عيناها, اذ احست ان المناقشة في هذه النقطة طالت بما فيه الكفاية, وانعكست اشعة الشمس على حلقات اللعقد الاسطوانية, فجذبت نظر فاليب الذي ارتفع احد حاجبيه الداكنين قائلا: "اذا لا زلت على ارتباطك بالمجهول؟" "ربما لانني لا اخاف المجهول؟" "وايضا ربما لانك تخافين المعلوم؟" وتاملها بنظرة خاطفة متفحصة, وبدا الانشراح واضحا في عينيه وقالت هي متحدية: "اذا اخبرني عما تعنيه هذه الحلقات الاسطوانية." واقترب منها ومن جديد كان عليها ان تسيطر على رغبتها الملحة في ان تخطو بعيدا عنه, وربما لاحظ حركتها اللاارادية رغم ضآلتها, فعمقت الابتسامة في عينيه واصطبغت بتلك السخرية التي كانت تعرفها جيدا, وبسرعة خلعت العقد وناولته اياه, وباصبع من يده الاخرى نقر على الاسطوانة الاولى باهمال وقال: "هذه تطالب بالحب." وارتفعت عيناه نحوها عندما تكلم, واحست كارول انه يتوقع منها بعض التعليق, فقالت بعدم مبالاة: "اعتقد ان كل شخص يطلب الحب في وقت ما." "ولكن ليس هذا كل شيء." ومن جديد رمقها بتلك النظرة السريعة من عينين داكنيتين كان لهما بريق الزمرد, واستطرد قائلا: "هذه تعد بالتجاوب مع الحبو والثالثة تطالب بالعاطفة التي لها دفء الشمس وعنف رياح الخماسين." "واظن ان الرابعة تعد بالاخذ والعطاء, انها تبدو مخلوقة عنيفة, اقصد الفتاة التي نظمت العقد." "ولكنها كانت تعرف كيف تحب." واحست من جديد في صوته تلك النغمة الخفية الرقيقة التي كانت تحفزها على التعقيب, ولكنها قررت ان تتجاهل ذلك وسألت: "ما الذي تقوله بقية الحلقات؟" وبحركة شيطانية من حاجبه الداكن اظهر انه يدرك جيدا تملصها من التحدي وقال: "اما زلت لا تخافين سماع المزيد؟" وتعمدت كارول ان تلتقي بعينيه بثبات واجابت: "حسنا بقية الحلقات لن تستطيع ان تطالب بشيء اكثر ازعاجا من سواها." "صحيح, فالخامسة تطالب بأن يدوم الحب, واثنتان محفور علهما ايات دينية." وأعاد اليها العقد وقال: "والان وقد سمعت معنى النقوش اما زالت لديك الشجاعة لان ترتدي العقد؟" اخذت منه العقد ولفته حول عنقها قائلة: "كما سبق ان قلت من قبل يا سنيور انا لا اعتقد بالخرافات." "انت لا تعتقدين بالخرافات, ولا تملكين ذاكرة قوية, ام ان هذا متعمد يا مورغانا لو فاي." واحست بغصة لسماعه يناديها بالاسم الذي كان يدللها به والدها حتى انها لم تجد كلمات ترد بها عليه, اما هو فاعتبر صمتها تاكيدا لزعمه وقال: "قد تحسين بان مدة التعارف بيننا اقصر من ان تجعلنا نرفع الكلفة ونستعمل اسماءنا المجردة." وعاد من جديد حياديا منعزلا حتى السخرية اللطيفة تلاشت واحست هي برجفة غريبة, كيف كان لها ان تشرح له ان اخفاقها في استعمال اسمه المجرد يرجع الى خجلها فقط, وليس الى نفورها؟ واابتسمت لها نيستاا عندما عادا الى االسيارة متظاهرة بانها لم تلحظ التوتر الجديد الذي كان يكتنف الاثنين. وعندما اتخذت كارول مكانها السابق في مقدمة السيارة استبد بها تصميم مفاجئ على ان تخمد شعلة العداوة القديمة المتجددة وتكلمت بسرعة وهي توزع ابتسامتها المشرقة بين الاثنين وسالته وفي تقديرها انه ما من شيء في السؤال يمكن ان يثير احتكاكا بينهما: "كيف تعلمت العربية؟" "عندي فيلا ومزارع نخيل خارج الجزائر مباشرة." ودون ان يرفع يده السمراء عن عجلة القيادة حركها باشارة خفيفة واستطرد قائلا: "لا اذهب الى هناك الا نادرا ولكن من الضروري ان اعرف العربية." "اما كان يمكنك ان تستعين بمترجم؟" "لا يمكن ان يفهم المرء الناس بواسطة مترجم." وسالت نيستا: "افهم من هذا انك عرفت معنى نقوش العقد؟" واستدارت كارولل في مقعدها حتى استطاعت ن تواجه نيستا وقالت: "من الواضح انني بارتدائي العقد انشد الحب والعاطفة والطبيعة العنيفة للغاية." وقال فاليب وهو يرنو بنظرة جانبية الى كارول التي رات في عينيه السخرية اللطيفة القديمة: "ولما كانت لا تؤمن بالخرافات فهي لا تخاف من ارتدائه, اني اتساءل هل كانت ستكون لديك الشجاعة على ارتدائه لو كنت ممن يؤمنون بالخرافات؟ وساروا بالسيارة وسط تلال منخفضة وبعد منتصف اليوم بقليل وصلوا الى مشارف مزرعة في الناحية الاخرى تقريبا من الجزيرة, وهنا وقفوا في النهاية خارج فيلا صغيرة جذابة وقال فاليب شارحا: "لنتناول طعام الغداء هنا." وقدمت نيستا كارول الى مضيفيهما, وكان واضحا انه احد مديري اعمال فاليب, وكان برتغاليا لطيفا في منتصف العمر, وبعدما ساعدوا نيستا على الخروج من السيارة جلسوا حول مائدة طعام رسمية, وزاد من تعقيد الامور ان المضيف وزوجته وابنته لم يكونوا يتكلمون اانجليزية, كانوا في غاية المجاملة والظرف, ولكن كارول احست ان تصرفاتهم الرسمية الجامدة كانت ترجع الى وجود السنيور معهم وتناوله الطعام على مائدتهم, وعادوا بعد الغدء الى مواصلة طريقهم, ووجدت كارول نفسها تدندن لا شعوريا الاغنية الشعبية البرتغالية التي التقطتها من تيريز ولم تنتبه الى ذلك الا عندما نظر فاليب اليها وقال: "يبدو انك تكتسبين اشياء برتغالية حتى ضد ارادتك." "تقصد الاغنية؟ التقطتها من تيريز." واصطبغت ابتسامتها بالتحدي وهي تستطرد قائلة: "هل يضايقك ذلك." "كلا على الاطلاق." وظل برهة صامتا ثم سالل مغيرا دفة الحديث تماما: "هل بدات بقراءة اساطير سميتك؟" "اجل انني استمتع بها كثيرا, وفي كل مرة اقرا شيئا عنها اتساءل لماذا اختار لي ابي اسمها, اتمنى بالفعل الا اكون مثلها." "ليس في الصفات.. ولكن.." ومن جديد احست بنظرته الجانبية الفاحصة التي كانت هذه المرة مبهمة وعاد يقول: "ولكن ربما يوجد شيء ما مشترك ومن العجيب انه لم يعطك الاسم كاملا. "لقد اقترب منه قدر الامكان فاسمي الثاني فاي." "ما دامت الملابس العصرية ممنوعة في يوم المهرجان الكبير فاعتقد يا فاليب انها لا بد ان ترتدي ملابس مورغانا لو فاي, ألست معي في ذلك؟" وما كادت نيستا تنطق هذه الكلمات حتى تمنت لو ان لسانها قطع, ووجهت نظرة صامتة اسفة نحو الفتاة.. فاحيانا كان الامر الفظيع يغيب عن ذهنها فيزل لسانها, ولم يخفف عنهاا الا رؤية كارول تبتسم وتهز راسها بخفة كما لو ان ذلك لا يعنيها في شيء, رغم ان كارول لن تكون في الجزيرة عندما يحين موعد المهرجان. وقالت كارول مازحة: "الملكة الساحرة سيكون من السهل تمثيل ذلك الدور." وقال فاليب ليغيظها بينما نيستا تحاول الا تفكر: "وسيسعد خواماسا ان تستقبل ملكة انجليزية." ولفترة استسلمت كارول لاحلام اليقظة ولتتظاهر انها حقيقة ستكون في الجزيرة وقت حلول موعد المهرجان فلديها الثوب الاسود المخملي, وكانت تستطيع بسهولة ان تطرز الكمين الواسعين وفتحة الصدر المربعة, اما تصفيفة الشعر العالية مع الخمار المتطاير فكان فيه بعض الصعوبة وفاليب؟ كان طبعا سيببدو خلابا في الملابس البرتغالية التي رتجع الى العصور لوسطى, والتي ستضفي خلفية مناسبة لسحره الملكي ولكن ماجدوى احلام اليقظة؟ وعادوا الى الجزء الاهل بالسكان من الجزيرة عن طريق مختلف وظهرت عملية بناء جسر حديث كبيير, بدت من خلفه عن بعد قباب ابنية لورنزيتو, ووضعت احداث ذلك اليوم التذكاري جانبا عندما اخذت كارول تتامل بهتمام جسرا جديدا في طور الانشاء ومن خلفه مساكن لورنزيتو ذات اللقباب, فابطا فاليب من سرعة السيارة وقال: "هل هناك ما يثير اهتمامك؟ اذا لنقف فترة." وتذكرت كارول بعد فوات الاوان ان هذا في الغالب هو المكنا الذي يعمل فيه فيليب, كانت قد اوشكت ان تنسى وجوده بالمنطقة, ولم تكن متلهفة لرؤيته خاصة تحت عيني فاليب الفيرو الحادتين, ولكن الوقت كان متاخرا لعمل اي شيء الا قبول الوضع الراهن بامل ان ينتهي الامر على خير. وتمنت في تلك اللحظة لو انها لم تذكر ابدا اسم الرجل الذي كانت مخطوبة له في الماضي حينما تكلمت مع فاليب في ذلك اليوم في القصر, ولكن ربما لا يكون متذكرا. ونزلت من السيارة ببطء ورات فيليب مقبلا نحوهم, رات التحية الباسمة على وجهه وقد تحولت الى دهشة, ولان عينيها فرغتا من الحب وجدت نفسها تدرس كل شيء فيه بعين النقد واكتشفت في ملامحه تنافرا لم تكن لاحظته من قبل, وضعففا في الفم المحاط بالخطوط الكثيرة, لقد كان مختلفا كثيرا عن الرجل الذي اعتقدت في الماضي انها تحبه. ونقل فاليب نظرته بينهما واتسعت عيناه فجاة وسال: "هل تقابلتما من قبل؟" "نشانا معا في انجلترا." وحبست كارول انفاسها خشية ان يضيف انهما كاانا مخطوبين في وقت ما, ولم تدر لماذا كانت تخاف ان ينطق باالكلمات وكانت نظرتها السريعة نحوه تنطق بشيء من الرجاء, وسواء استجاب لها ام ان الخبر غير المرغوب فيه لم يطرا على باله حتى ينطق به, مرت اللحظة الاخيرة, وقال فاليب: "من الغرابة اذن ان تلتقيا في خواماسا." واجاب فاليب مبتسما لكارول بطريقة اوحت بوضوح عن علاقة قديمة بينهما: "كانت الصلة انقطعت بيننا ثم جاءت المقابلة مفاجاة لكلينا, مفاجاة سارة بالنسبة الي على الاقل." واحست كارول في ابتسامة الماركيز التي استدار بها نحوها بلمحة تهكم وقال: "هل كانت مفاجاة تامة لك؟" وقبل ان تستطيع الرد انبرى فيليب قائلا: "اوه... تقابلنا قبل اليوم." وساور كارول انطباع غريب بان هذه الكلات ما كان يجب ان تقال, اذ اوحت بان هناك سرا يتعلق بلقائهما السابق, وربما كان فاليب احس بالشيء نفسه اذ تلاشت السخرية من وجهه الداكن وحل مكانها تعبير الحياد والانعزال. وقالت بدون ان تدري لماذا كان عليها ان تقدم توضيحا للموقف واحست برغبة ملحة لذلك: "جاء فيليب ذات عصر زائرا فيلا فرانشيسكا." واستدارت بنظراتها نحو نيستا وقد تنبهت فجاة الى ان السيدة المسنة بقيت خارج الحديث وقالت لها: "كنت حينذاك نائمة وامتنعت عن ايقاظك." ونظر فيليب اليها معتذرا وقال: "طاب يومك انسة بروتون, ابدو مقصرا في حقك ولكن اخشى ان يكون ذلك بسبب دهشتي لظهور كارول فجاة." ولم تكن ابتسامة نيستا وودودا كالعادة ذلك انها لم تكن تحب فيليبب لايلند, وان كان الادب يفرض عليها ان تتظاهر بذلك, وعاد فيليب يقول بابتسامته الساحرة التي لاحظت كارول للمرة الاولى مدى تكلفها: "افهم من ذلك انك غفرت لي؟" وقالت نيستا متظاهرة بالتردد: "سافكر في ذلك." واستدار فيليب نحو كارول وسال مستفسرا: "هل التقيت بطبيبنا السويسري؟" "انه يتردد علينا ليراقب حالة ساق الانسة بروتون وصحتهاا عموما." وقالت نيستا ببريق مفاجئ في عينيها: "اعتقد انني بدات اكون عذرا بل مبررا طبيا." واحست كارول بتدفق الدفء الى وجنتيهها بينما رفع فاليب حاجبه وقال: "هكذا, من ايضا يستغل هذا العذر؟ اعتتقد انك بذلك تظلمين نفسك." وقالتت نيستا ببريق فرح في عينيها لمجاملته اللطيفة: "شكرا يا فاليب لكنني اعتقد انك في هذه الحالة تظلم كارول." وانحنت الراس الداكنة في اتجاه كارول بتسليم ساخر, وانبرى صوت الماركيز قائلا: "اعتذاراتي يا كارول." وقررت كارول ان حان الوقت لان يخلو الحديث من الامور الشخصية, واخذت تتساءل كيف تستطيع تغيير دفته, حينما تولى فيليب المهمة نيابة عنها, واستفسر بغير اهتمام كبير عن مدى تقدم حالة ساق نيستا, ثم انتقل الى امور اخرى تافهة, وبعد فترة لاحظت انه كان يناور ليختلي بها, ولكنها بمهارة افسدت عليه محاولاته, وبدا فيليب مصمما على الا يدعها تذهب وقد صار متنبها لتهربها وبدات هي تضيق بالحاحه المستتر, واخيرا قال وعيناه مصوبتان نحوها متجاهلا الاثنين الاخرين: "الا تحبون مشاهدة مرحلة البناء الحالية؟" وترددت كارول كارهة الاستسلام لمراوغته, لكن مدركة ان اهتمامها بالجسر هو الذي دفع فاليب الى التوقف, وسمعت فاليب من وراءه يقول بادب بارد: "لدينا مسع من الوقت." والقت كارول ناحية نيستا نظرة رجاء اذ لم تكن تريد ان تنفرد بفيليب, لكن العون لم يكن متوقعا من هذا الجانب فالسيدة المسنة لم تكن تستطيع ان تغادر السيارة لتتجول فوق الارض الخشنة, بل كان واضحا من نظرة عينيها انها فهمت الوضع, واستدار فاليب ناحية فيليب وقال: "هناك بعض التفاصيل يا لايلند احب ان استفسر عنها في الموقع نفسه, واني ادرك ان هناك امورا شخصية تريد ان تتناقش فيها مع كارول, لكنن ربما تستطيع تركها حتى لقاء اخر." وقالت كارول بخفة مدركة بعض ما كان يخفيه فيليب من الضيق: "اعتقد اننا تكلمنا عن الايام الخوالي المرة السابقة بما فيه الكفاية." وقال فيليب بنظرة تصميم في عينيه: "وكما اقرتحت يا سيدي ستكون هناك مناسبات اخرى." واستدار بنظرته الى كارول وقال: "الامر الوحيد الخاص الذي كنت ساذكره كان اذا كنت ستقبلين العشاء معي ذات ليلة في لورنزيتو, اني متاكد ان الماركيز لن يرى في ذلك شيئا خاصا للغاية دون ذكره امام الاخرين.ط وقال فاليب متباعدا عن الموضوع: "في كل الاحوال اعملا الترتيب الذي يروق لكما." ونظر فيليب ال كارول متسائلا, وفكرت بسرعة كيف تتخلص من الموقف وقالت: "لا اعتقد يا فيليب انني استطيع ان اقرر الان, فكما ترى علي ان ارعى الانسة بروتون, ثم انني هنا بصفتي ممرضتها ولا استطيع ان اخرج في اي وقت واتركها." وسمعت فاليب يقول: "اه, عودة الى الممرضة كارول ذات الضمير اليقظ حتى دون الزي" وتقدموا باتجاه اللجسر الفولاذي ودهشت لسماع فاليبب يتناقش فنيا مع الرجل الاخر وتلاشت دهشتها, أفلم يكن ذلك متوقعا منه؟ لقد تعلم العريبة حتى يستطيع ان يتكلم مع الناس الذين يعملون في مزارع البلح التي يمتلكها, ومن المنطلق نفسه اهتم ان يستوعب بطريقة م معرفة متقدمة في العلوم الهندسية حتى يستطيع ان يتناقش فيها مع من يعملون فيي المهنة, كان رجلا مرموقا وكان لاا بد من وجود زوايا متعددة لشخصيته ولحياته لم تعرف بعد. وتمت رحلة العودة االى فيلا فراشنيسكا في اجواء مختلفة تماما, فلسبب ما تقااعد فاليب في قوققعة حيادية, وحينما تجاسرت كارول مرة على ان تنظر الى جانب وجهه لمحت نفورا باردا وحادا, وصلوا الى الفيلا قرب المساء, وساعد فاليب نيستا على الدخول الى البيت واعتذر عن دعوة للعشاء معها وتوجه في الحال الى سيارته, ولم تكتشف كارول ان عقدها قد فقد الا عندما كان على اهبة ركوب السيارة ودون تفكير خرجت بسرعة من باب افيلا للحاق به. وقالت لاهثة: "انه عقدي.. اعتقد انه سقط في السيارة." وارتسمت على شفتيه ابتسامة تكاد تكون ساخرة وقال: "اه.. نعم... العقد... شيء له مثل هذه المقدرة السحرية يجب الا يضيع." وفتح الجانب حيث كانت تجبس وانحنى ووجد العقد يلمع كما كان يتدلى من قبل في وقت بدا كانه منذ دهر مضى, ولكنها لم تلمح التعبير الساخر اللمرح على وجهه هذه المرة, واسقط العقد في يدها كما لو كان لا يحتممل لمسها, وقالت كارول بصوت حاولت ان يكون مؤدبا وان يكون خاليا من التعبير: "شكرا يا سنيور." "حافظي عليه جيدا ياا سنيوريتا, فقد تكون مكافاته لك قريبة." "ماذا تقصد؟" "ربما في المرة المقبلة لا كونين مضطرة الى قضاء يوم برفقة شخص تكرهينه ثم تواجهين الرجل الذي كنت ستتزوجينه." ثم اضاف مستهزئا: "توقعت انك ستستمتعين بهذا اليوم, واثق ان ذلك تحقق." ورغم التعاسة الغامضة التي اجتاحتها قالت متحدية: "شكرا يا سنيور تمتعت بهذا اليوم بكل شيء فيه." وارتسم الاستهزاء على فمه الارستقراطي واستطرد قائلا: "لم يكن من الضروري التظاهر, اعرف جيدا انك تكرهينني, ولكن ذلك ما كانن يمكن ان يكون سببا لانهاء النزهة بدون التفرج عللى الجسر الجديد الجدير باهتمامك." "لكنني لمم اكن اتظاهر." "لا داعي للمزيد من الادعاءات فانا ابغض النفاق." وعاد يتفحصها من جديد بعينيه وقال: "انه سابق لاوانه بعض الشيء ان اقدم التهاني على الخطبة كما اعتقد, ولكن من المحتمل ان ما كسر في انجلترا يمكن اصلاحه هنا في خواماسا." "اذا كنت تشير الى حقيقة ان فيليب كان الرجل الذي خطبت له في الماضي, فالتهاني ليست في محلها فلا احد منا يفكر في اصلاح ما كسر في انجلترا." "اعتذاري يا انسة كارول, ولكن ربما تغيرين رايك عندما يتم مشروع موعد العشاء." "مشروع موعد العشاء لن يتم واذا كان في الامر ما يمنحك اي شعور بالرضى يا سنيور, فالواقع انني لم اعد استلطف فيليب كثيرا." "الانسان ليس بحاجة الى الاستلطاف كي يحب, وداعا يا اسنة كارول, من الافضل ان نفترق الان قبل ان تقال في سورة الغضب كلمات لا تغتفر." وقبل ان تتبين تحركه اتخذ مكانه امام عجلة القيادة وانطلق بالسيارة في نعومة, بينما امتلات عيناها بالدموع فلم تر السيارة تمضي, وعندما اختفى استدارت وركضت نحو البيت بزفرة مكبوتة فجرت الدموع في عينيها واتجهت مباشرة الى غرفتها قبل ان تراها نيستا او تيريز وهي على تلك الحالة, وفي الحجرة الغربية جلست فوق السرير وبدات تبكي لغير سبب مفهوم, وانما لانها شعرت بالرغبة في ذلك, ثم شعرت بالخجل رغم انها كانت لا تزال منزعجة ونهضت وخلعت ثوبها وغسلت عينيها وارتدت زيها الابيض النظيف, كاانها بذلك تضع حاجزا بينها وبين التفكير في فاليب وما حركه فيها من الاحاسيس وعندما نزلت اخيرا رمقتها نيستا التي كانت راقدة فوق الاريكة بنظرة حائرة وسالتها: "هل انت بخير؟ تبدين شاحبة." "انا بخير شكرا" "اعتقد انك كنت تبكين." دمعتت عيناي بسبب التراب." "لم تكونا دامعتين عندما وصلنا الى البيت, ماذا حدث؟ هل تشاجرت من جديد مع فاليب؟" اجل... كلا... في اي حال... هو لا يبكيني." ثم قالت بانفعال لم تتمكن ان تتحكم فيه: "انني امقته... لا اعتقد انني قابلت مخلوقا كرهته اكثر منه." هذا ما استنتجته" وكان صوت نيستا جافا لكن القلق كان في عينيها... هل نجت كارول من حب فيليب لايلند لتجد نفسها ضحية نووع من الحب اكثر خطورة سيجعلها فريسة تعاسة جديدة, والتي لم يبق لها في الحياة الا القليل؟ وقالت: "اضغطي على الجرس كارول لتحضر تيريز, اعتقد اننا نحتاج لبعض الشاي." وتكلفت كارول ابتسامة وهي تضغط الجرس الفضي الصغير فوق المائدة وقالت: "الشاي دواء كل علة." وحمللت صينية صغيرة الى غرفة الجلوس وسكبت الشاي لها ولنيستا في حين عادت تيريز الى المطبخ لتعد العشاء ثم لفزعها رات من النافذة سيارة سوداء كبيرة تهم بالوقوف, وتصورت لحظة انه فاليب عائد لسب ما, ولكن النظرة اثانية برهنت انها مخطئة اذ رات ماريتا اكواراس تنزل منها وتتخذ طريقها عبر الممر. ونظرت الى نيستا قائلة: "يبدو ان زائرة مقبلة الينا" وفي الحال ظهرت ماريتا, كان واضحا ان شيئا ما يثقل كثيرا ذهنها ولو بدت متماسكة في الظاهر وقالت وهي تنقل بصرها بين الاثنتين: "مساء الخير." وجلست كارول في حيين ذهبت كارول تطلب فنجانا اخر من تيريز مدركة ان عيني لفتاة البرتغالية تتابعان كل حركة تصدر عنها, ما الذي كانت ماريتا تحمله في ذهنها؟ كانت اخر مرة شاهدتها لاهية مرحة, وطرقت نيستا الموضوع وسالت مباشرة: "ما الخبر يا ماريتا؟" كان واضحا ان ماريتا اعتادت ان تفضي بمتاعبها الى نيستا, فقد تقلص وجهها في بؤس وتمتمت في صصوت مختنق بالعبرات: "انني في مازق سيء للغاية." "ليس الامر بكل تاكيد سيئا بوحي التعبير." وقفت كارول وقالت: "علي ان اقوم بكي بعض ملابسي, فارجو المعذرة لخروجي." وفي الحال قالت ماريتا: "لا تذهبي, انت وحدك تستطيعين مساعدتي يا انسة كارول." "كيف استطيع مساعدتك؟" "تعرفين اني عن قريب ساخطب الى مانويل." "فهمت ذلك, لاحظت مدى تعلق احدكما بالاخر." اجل يا سنيوريتا وانني سعيدة للغاية." فهتفت نيستا: "اذن م الخبر؟ هيا يا ماريتا افصحي عما بك, سبق ان جئتني بمتاعبك وظهر ان حلولها سهلة." "انها مختلفة هذه المرة." وعادت التعاسة الى وجه ماريتا وهمست: "انها بخصوص الرسائل كنت صغيرة وطائشة للغاية." "تعنين انك كتبت رسائل لشخص ليس مرغوبا فيه." "كنت طائشة متهورة والان يفرض علي بعض الشروط قبل ان يعيد الي هذه الرسائل." وسالت نيستا: "من يكون هذا الشخص الكريه غير االمرغوب فيه؟" وارتعشت عينا ماريتا في تهيب وهي ترفعهما نحو كارول وقالت: "لا احب ان اقول عنه انه كريه غير ومرغوب فيه وهو صديق لك كما هو مفهوم." قالت كارول بهدوء وهي تنظر الى ماريتا: طاعتقد انها تعني فيليب لايلند أليس كذلك؟" نعم انه فيليب لايلند." وهنا اقترحت عليها نيستا: "احكي لنا القصة باكملها منذ البداية." "كنت طائشة متهورة وايضا صغيرة جدا, عائدة لتوي الى خوااماسا بعد اجازة في البرتغال, وكان فيليب لايلند جديدا في الجزيرة واستلطفته لكن لم اكن دائما استطيع الهرب من اللرقابة, ولذا كنت اكتب اليه احيانا, ليست رسائل كثيرة ولكنني لم اكن متحفظة فيما اكتب." وسالت نيستا: "والان اظنه يهددك بهذه الرسائل, ما الذي يريده منك؟" "لا يريد مني شيئا." وارتفع حاجبا نيستا في دهشة واسرعت ماريتا تقول: "انها الانسة كارول التي يرغب في رؤيتها." "يريد ان يراني انا؟" وتساءلت كارول في عينين مدققتين:"ما الذي يسعى اليه فيليب؟ كيف يمكن ان تعرف رجلا لمدة سنوات ثم في فترة قصيرة لا تتجاوز بضعة اسابيع تتبين حقيقة ما كان عليه؟" وسالت بصوت مرتفع: "واذا لم اذهب لرؤيته؟" "سيعطي الرسائل للسنيورا كوريستينا, لكنك ستساعديني ألا تفعلين ذلك يا انسة كارول؟" واحتاجت كارول لحظة تفكير لتدرك ان السنيورا كوريستينا المشار اليها كاانت في الغالب والدة مانويل, ثم تحركت يداها في حركة مضطربة وهي تقول: "سااعدك اذا استطعت, ولكن علي ان اكتشف اولا ماذا يريد مني فيليب؟" وسالت نيستا الفتاة البرتغالية: "فيليب, ما الذي اخبرك فيليب ان تفعليه؟" "لم يخبرني بشيء." وفتشت ماريتا في حقيبة يدها الثمينة عن قطعة ورق وقالت: "هذه الورقة التي ارسلت الي منذ وقت قصير وجئت في الحال." واخذت كاررول الورقة وتعرفت الى خط فيليب وقرات: "ايها الفتاة الصغيرة (هكذا استهلها دون استعمال اي اسم) رغم ما يبدو من انك خضعت لرغبات اسرتك احب ان اذكرك بان لدي بعض الرسائل التي لا بد ستكون مادة قراءة مثيرة لمانويل الفاضل ووالدته, وانا اقترح ان تطلبي من كارول ان تاتي لنتناقش بشانها, كنا صديقين وربما اعطيها لها بشروط معينة." وفي صمت ناولت كارول الرسالة الى نيستا التي قراتها بشفتين مزمومتين ثم قالت ناظرة الى كارول: "حسنا لو لم يكن شيء اخر قد شفاك من افتتانك بهذا الشاب الكريه فان هذا الامر كفيل بالمهمة." واومات كارول بالموافقة قائلة: "انني في دهشة, كيف يمكن ان نخدع الى هذا الحد في شخص ما؟" وسالتها ماريتا بعينين واسعتين: "انت ايضا وقعت في حبه في وقت ما؟" "كنا سنتزوج ولكنه خدعنيي, ولاا اعتقد انني كنت ساجيء الى الجزيرة لو علمت انه هنا, ولكن الان يبدو اننه من الصدف الطيبة انني جئت." والتقت عيناها مباشرة بعيني نيستا حينما اضافت: "لدي ما امسكه على فيليب وهو لا يعرف عنه شيئا." وتصلب وجه نيستا وقالت: "هل ستخبرينه حقا؟" "سافعل اذا بدا يملي شروطه علي. انني لا اريد ان اهبط الى مستوى السلوك الذي صار من الواضح انه يجيده, لكنني بدات اعتقد ان الانسان يجب ان تكون لديه مبادئ قليلة جدا عند التعامل معه." ثم استدارت ناحية ماريتا قائلة: "لا تقلقي يا سنيوريتا اكواراس, ساعيد اليك رسائلك." واضاء وجه ماريتا وقالت: "كنت اعرف انك لا بد ستساعدينني يا انسة كارول, شعرت عندما تقابلنا اننا سنصبح صديقتين." وفجاة سالت كارول الفتاة: "هل ارسل اليك فاليب الرسالة عصر اليوم؟" واومات ماريتا قائلة: "اجل, كان ذلك مفاجاةو لم اكن قد رايته منذ اسابيع, واعتقدت انه نسي وانني في امان ثم وصلتني الرسالة." وهزت كارول راسها وفجاة انبثقت لها فكرة انه كتبالرسالة توا بعدما تركوه, حينما اصرت على عدم تحديد موعد محدد للقائهما, كانت دوافعه لا تزال غامضة بعض الغموض ولكن كان من الواضح انها تخصها هي اكثر مما تخص ماريتا, والا كان قد اقدم على ذلك عقب ما اذيع عن قرب حدوث خطبة بين الفتاة البرتغالية ومانويل الذي كان جليا انه يجمع بين كل ما يلقى الاستحسان من اسرة اكواراس. وقالت لماريتا: "هل يمكن ان اجتفظ بالرسالة؟" وهزت ماريتا راسها وناولتها اياها وقرات كارول الرسالة للمرة الثانية ملاحظة بنوع خاص الاشارة اليها,ربما كان يريد استغللال الرسائل في تهديدها لمقابلته؟ ولكن لماذا يريد ان يراا؟ بكل تاكيد لا يمكن ان يكون واقعا في حبها حقيقة, لا يمكن ان يكون السبب شيئا اكثر من مجرد الكبرياء الجريحة, فالشخص الوحيد الذي كان يمكن ان يحبه فيليب لايلند حقيقة هو نفسه, وقالت ماريتا: "هل اعلمه انك ستقابلينه لمناقشة موضوع الرسائل؟" لكن كارول هزت راسها قائلة: "اعتقد ان ذلك سيكون من الحكمة في شيء اذا استطعت اخباري اين يسكن فاذهب لزيارته باسرع ما استطيع." "واومات ماريتا وكتبت العنوان والتوجيهات للوصول الى الفيلا التيي كان فيليب يستاجرها, ثم انصرفت اكثر ارتياحا وسعادة. وقالت كارول بعد فترة: "اتمنى ان ينتهي كل شيء على خير, احببت ما رايته في مانويل كوريستينا, وسيكوننان زوجين متلائمين." وسالت نيستا وقد كمنت في عينيها نظرة متفحصة رغم ابتسامتها: متلائمان مثل فاليب وسيلستينا؟" وبدات تجمع ادوات الشايي المستعملة فوق الصينية ثم قالت فجاة: "اعتقد انني سوف اذهب لرؤية فيليب بعد العشاء مباشرة." "في مثل هذا الوقت من الليل؟ ان ذلك لا يتنناسب مع قاليد مكان مثل خواماسا كما تعلمين." "اعرف ذلك ولكنه انسب وقت لرؤيته فلا اريد للقائنا ان يكون علانية, ستكون في اي حالل مقابلة قصيرة للغاية على الاقل اتمنى ذلك." قادت كارول السيارة بنفسها واتجهت ناحية احدى ضواحي لورنزيتو وصعدت الطريق ببطء, وبدات تبحث بتجهم عن بيت فيليب المؤقت, كانت الفيلا سابحة في الظلام ولم يستغرق منها وقتا ان تتبينن عدم وجود احد في البيت, وحست بالارتياح لذلك رغم لهفتها على ان تنتهي من الامر في اسرع وقت ممكن, وعادت الى لسيارة واضاءت النور الداخلي وجلست تكتب ملاحظة قصيرة على صفحة منزوعة من مفكرة كانت تحملها معها دائما, وكتبت: "عزيزي فيليب, يسرني ان اقبل دعوتك اللطيفة للعشاء, من فضلك دعني اعرف متى يكون ذلك مناسبا وسارتب الامر مع الانسة بروتون لاكون حرة في ذلك الموعد." وعادت الى الفيلا ودفعت الورقة تحت الباب املة الا يكون لديه خدم او على الاقل لا احد يستطيع ان يقرا اانجليزيية, ثم رجعت الى السيارة استدارت فيي اتجاه الطريق الذي اقبلت منه, ولم تكد تقطع الا قليلا من الطريق حتى رات سيارة اخرى تسير بسرعة في الاتجاه الذي جاءت منه, كان فيها فاليب وبجانبه لمحت راسا اشقر وتساءلت عما كان يفعل خطيبها السابق في السيارة, ثم اختفيا عن بصرها, ويبدو ان فاليب راها كذلك الرجل الاخر في السيارة, لكن احدا منهما لم يقل شيئا, واوقف فاليب السيارة بحدة عندما وصلا الى الفيلا وقال فيليب لايلند وهو يصعد السلم: "نماذج الطلبات موجودة في الداخل واذا وقعتها فسارسلها فورا في الصباح." واوما فاليب باقتضاب ودخل البيت مع الرجل الاخر ثم وقعت عيناه على قطعة من الورق فوق الارض وقد تطايرت وانفتحت بتاثير النسمة التي دخلت عند فتح الباب, وانحنى ليلتقطها بسرعة تقلصت نظرته وقال باختصار: "يبدو ان هذه لك يا لايلند." وناوله الورقة التي كتبتها كارول, اخذها فيليب والقى عليها نظرة سريعة ثم دسها في جيبه وقال: "ساحضر النماذج." واتجه الى غرفة اخرى يملاه الشعور بالرضى.
نهاية الفصل السابع
الفصل الثامن
الكلمة الفاصلة
انتظرت كارول بضعة ايام قبل ان يصلها الرد من فيلييب, كانت لهفتها على ذلك اللقاء من اجل ماريتا تلك المخلوقة الزئبقية, فمن المحتمل جدا ان تغرق في لجة الياس الاسود اذا لم تسترد الرسائل بسرعة, ولغير ما سبب لم تستطع ان تحول دون مقارنته بفاليب ولم يكن ذلك في صالح فيليب بشيء. ففاليب كان يملك من الرقة والشرف الرفيع ما تصورت يوما ان فيليب يملكه, وكيف يمكن ان يكون عليه حال فتاة يحبها فاليب؟ ولكن ااية فتاة تستيطيع ان تقاومه اذا اراد بالفعل ان يفوز بحبها؟ كانت جاذبيته االداكنة شديدة الخطورة واعترفت اخيرا انها هي ايضا كانت ستجدها كذلك الان اذ لم يعد الافتتان بفيليب يعمي عينيها, لولا انها تدرك انه لم يعد للحب اي معنى في حياتها. وذهبت متوترة الى الشرفة الصغيرة وفكرت ان تقرا في كتاب ااساطير سميتها الممقوتة, لكن فاليب كاان هو الذي اعارها الكتاب, وكان من المحتمل ان تفكر فيه لهذا السبب ايضا, وبدون شك كان هو من ترمز اليه يد اسرها القاسي الذي لم يدعها تنطلق الى فيليب في حلمها القديم, ليس بالطبع لاي سبب شخصي من جانبه ولكن لمجرد الرغبة في اظهار قوته. ووصلت رسالة فيليب قرب المساء يطلب فيها ان تقابله في تلك الليلة, وتجهم وجه كارول حينما قرات التهديد المستتر في كلمات الرسالة البسيطة واطلعت نيستا عليها قبل ان تبدا في ارتداء ملابسها للموعد البغيض وكانت قد تلقت موافقتها بدون تردد على الخروج.. وقرات نيستا: "عزيزتي كارول. شعرت انك ستكونين متلهفة بالتاكيد على التحدث عن الايام الماضية باعتبار ما يكتنف هذا اللقاء, سامر بك هذه الليلة حوالي الساعة السابعة." ونظرت نيستا اليها عابسة وهي تضغط على شفتيها وقالت: "انه شديد الثقة بنفسه... أليس كذلك؟" "اكثر من اللازم ولكنني لا اظن انه سيسبب مزيدا من المتاعب بعد هذه الليلة. "واستنتجت من ملاحظات ماريتا انه لبعض الاسباب مرفوض في حياة خواماسا الاجتماعية, وهو قطعا لا يريد ان يفقد منزلته تماما في الجزيرة, فلما لم يوافق على ما ارغبه في ان يتركنا انا وماريتا بدون ازعاج وان يسلمنا الرسائل ولا ينبس بكلمة عن حماقة ماريتا سوف اخبره عن موتي القريب وساهدده بان ادع الجميع يعلمون بما حدث." "تملكين سلاحا مريعا ولكنه فعال للغاية." "اعترف انه يؤلمني كثيرا اذاعة ما حدث, لكن من ناحية اخرى فالوقت المتبقي قصير للغاية ولن ادع فيليب يتسبب بشقاء ماريتا, ويكفيه ان تسبب في شقائي." وسكتت لتبتسم وقالت مداعبة: "اعلم ان ذلك يبدو كتمثيلية مؤثرة, لكنني احب مااريتا ومنذ جئت الى هنا تبينت النشاة المحافظة لبعض هؤلاء الفتيات البرتغاليات... ان السنيورا العجوز تبدو لي متشدة جدا بصدد مثل هذه الامولا. ولست اعرف شيئا عن السنيورا كورستينا لكن هذا الامر سيؤدي غالبا الى فسخ خطبة ماريتا اذا كانت نوع االسنيورا اكواراس, ان ماريتا تتبادل حبا صادقا مع مانويل ولن ادع فيليب يحطم ذلك الحب." "قابلت فيليب مرتين فهل اوحى اليك باية فكرة عما يمكن ان يطلبه منك؟" "على ما اعتقد...التخلص من الملل, اننه لا يحبني حقيقة رغم انه صرح بذلك." حسنا... حسنا." واستدارت ناحية الباب متنهدة وقالت: "اعتقد انه من الافضل ان ارتدي الان ملابسي رغم انن السهرة التي تنتظرني لا تطيب ليي البتة, لا اعتقد انني احتقرت احدا كما احتقر فيليب في هذه اللحظة." وسكتت وقفزت الى عينيها نظرة غريبة لم تستطع نيستا ان تقراها وقالت: انها تبدو اشبه بحالة جهنم بلا غضب." وهزت نيستا راسها وبابتسامة شاحبة قالت: "كلا يا عزيزتي, اعتقد بانني اعرف بالضبط ما تشعرين به, فعندما مرت الصدمة الاولى واصبح التهكم على القدر استسلاما بدات تشعرين ان كل شيء حدث لمصلحتك ولانك ما كنت تريدين الحياة بدون فيليب.. ولذلك صار الامر اسهل احتمالا, فقد كان على العقل ان يقيم دفاعا ما ثم رايت فيليب من جديد وظننت انه ما زال يحبك وان حبك له صار اكبر مما كان قبلا, وهذا من جديد جعل الامر اسهل احتمالا, فبحمايته من معرفة ما تسبب في حدوثه لك كنت تترتفعين بحبك فوق مستوى الارض. وربما ظننت لا شعوريا انك شهيدة الى حد ما." وسالت كارول مع بزوغ ابتسامة في عينيها: "والان بماذا اشعر؟" "بانك خذلت, لم تعد لديك الاسبااب التي جعلتك تستسلمين لما حدث لك,. فذلك الفيليب الذي اقتنعت به وكنت على استعداد لان تموتي من اجله لم يعد له وجودو انك تريدين من جديد ان تعيشي." "لقد اردت دائما ان اعيش." "اجل ولكن مع استسلام لاشعوري جعل الواقع اكثر سهولة, اما الان فانها تبدو اهانة لك ان تمموتي بسبب شخص مثل فيليب الذي اكتشفت حقيقته." "لم تكن غلطته في الحقيقة, كيف كان له ان يعرف انني ساتصرف على ذلك النحو المتهور بالعبور امام سيارة مندفعة." "صعقتك الصدمة التي تسببت في تصرفك على ذلك النحو, وورغم ما قلت فهو ما زال مسؤولا ادبيا, ولدي رغبة عارمة في ان اراه متالما بطريقة ما." "ربما لا احتاج الى اخباره, اتمنى ان اقنعه بدون اللجوء الى ذلك, انني اكره فكرة الابتزاز لكنه ضعيف الى حد كبير وربما يكون الامر بالغ الشدة على ضميره." والتوت شفتا نيستا باحتقار وقالت: "ليس فيليب لايلند, اذا كنت تتصورين انه قد يقدم على الانتحار فيمكنك ان تنسي ذلك في الحال, انه ضعيف اجل, ولكنه لن ينتحر, انه يحب نفسه كما لم يحب امراة ابدا, وسيجد مبررا لتصرفه اذا تحرك ضميره." ونظرت الى ساعتهاا وقالت: "والان اعتقد من الافضل ان تمضي لتستعدي, سوف يصل ذلك المخلوق الكريه في ايةلحظة." واومات كارول واتجهت في بطئ ناحية السلم وصعدت الدرجات براس مطرق ووجه عابس قليلا محاولة ان ترتب في ذهنها بعض الاشياء التي ستقولها لفيليب, رغم انها كانت غالبا ستضيع منها عندما يحين وقت النطق بها. وعندما وصلت الى الغرفة فتحت خزانة ملابسها واستعرضت الاثواب المعلقة وفكرت في صورة مورغانا لو فاي في الكتاب الذي استعارته من فاليب, وارتسمت على شفتيها وهي تخرج الثوب الاسود المخملي ابتسامة تشبه تلك التي كانت للمراة في الصورة. ورفعت نيستا بصرها عندما سمعت وقع اقدام خفيفة تهبط السلم ببطء, بدت اشبه بخطوات كارول.. وايضا لا تشبه خطواتها, واحست بشعور غريب يغمرها لم تستطع تعريفه عندما دخلت الفتاة الغرفة. كان الثوب الاسود المخملي رائع الخطوط وكان يشكل الجسم النحيل بطريقة جعلت الفتاة التي كانت ترتديه غريبة تماما, وابتسمت كارول ببطء وكانت هذه الابتسامة ايضا مختلفة عن الابتسامة المعتادة, وقالت: "هل يعجبك ثوبي؟" تبدين مختلفة.. قاسية." "فيليب جعلني قاسية." "لا تمادي كثيرا في اتخاذ شكل مخالف لطبيعتك يا كارول." ثم اصطبغ صوتها بالتحذير الحاد وهي تقول: "هذه الاسابيع الاخيرة الاقسى احتمالا, الان كل التعقل انتهى, وكل االاوهام تلاشت ولكن اياك ان تفقدي نفسك, احتفظي بايمانك يا عزيزتي, لا تكوني مورغانا لو فاي." "ربما كان علي ان اتصرف بطريقة اقرب الى طريقة الاسم اللذي احمله, حينئذ ياتي فيليب الي حتما زاحفا مثل جرو صغير لاربت عليه اذا كان مزاجي رائعا, او اصرفه بعيدا عند اللزوم." وما كان لذلك ان يدوم طويلا فقد كانت كارول شديدة الصدق مع نفسها ولكن ربما كانت على صواب, ربما كانت هذه الليلة بحاجة الى مورغانا لو فاي للتعامل مع فيليب لايلند الذي كان على ما يظهر قد وصل, وفي تلك اللحظة احست نيستا نحوه بشيء من الاسف, لقد كان يعرف مورغانا لو فاي كارول فقط, لا الشخصية التي اصبحت عليها الليلة, جامدة قاسية وذات جمال خرافي. وانتقلت نظراتها عندما ظهر في الغرفة ولمحت تعبير الصدمة الذي على وجهه عندما راى الفتاة في الثوبب الاسود المخملي, وبصوت تمتزج فيه السخرية بالتعالي قالت كارول: "تاخرت فيليب, كنت تستطيع بالتاكيدد ان ترتب حضورك في الموعد تماما لاهمية المناسبة, اني على ثقة بانك متلهف مثلي لمناقشة الماضي." وقال بلهجة مقتضبة كما لو كان مضطرا الى ذلك للسيطرة على شعوره بالانزعاج: "اسف يا كارول على تاخيري, نستطيع ان ننصرف حينما تكونين مستعدة, حجزت مائدة في مطعم ديسكاني." وارتفع حاجبا نيستا عند سماع الاسم وقالت: "ديسكاني هو مطعم خواماسا الاول." "ولكنها مناسبة ذات اهمية أليس كذلك يا فيليب؟" ورمقها فيليب بنظرة حذرة لم تصل الى عينيها وسأل بصوت مرتفع: "هل نذهب؟" واشارت كارول براسها بدون ان تتكلم وكانت حركة سواء متعمدة ام لا شعورية, تنطق بالاستعلاء والاستبداد كما لو كانت ملكة تهب معروفا. وكان مطعم ديسكاني شانه ليلة المهرجان, لكن كارولل في هذه الليلة بدت كانها تراه من خلال غلالة المصابيح المعلقة بين الاشجار اشياء من عالم اخر, ورائحة النباتات المزهرة بين الموائد اشبه بالبخور العتيق والشاب الداكن النحيل ذو الصوت المخملي ما زال يتجول بيين الموائد مترنما باغانيه العاطفية ولكن في تلك الليلة احست كانها حبيسة قوقعة جامدة حقا مورغانا لو فاي, برغم رغبتها في ان تهرب لتعود مجرد مورغانا كارولل البسيطة من جديد. وبدا ان فيليب شفي من ارتباكه واخذت عيناه تفحصانها بتقدير جديد وقال: "انك ترتدين ثوبا غير عادي." "اجل اعتقد ذلك, ولكنني الان امتلك مجموعة من الملابس الجديدة لانني انفقت كل مدخراتي قبل اتي الى هنا." "اعتدت ان تكوني دائما مقتصدة, ما الذي دهاك اذن؟" "اكتشفت انني لم اعد بحاجة الى المدخرات, وقصدت ان اجعل هذه الرحلة اجازة اتذكرها طول العمر." "اتعرفين, اعتقد انك تغيرت يا كارول." "حقا, كم تبدو سريع الملاحظة يا فيليب. كان من المحتم ان اتغير فاشياء كثيرة حدثت لي كما تعرف." "اجل اعتقد ذلك." "حسنا يا فيليب, اعنقد اننا تكلمنا بما فيه الكفاية دعنا ندخل مباشرة في موضوع الرسالة التي بعثت بها لماريتا هل تفعل؟" "ليس بعد, الوقت ما زال مبكرا." "ولكنه متاخر بما فيه الكفاية لما يجب ان يقال وليس في نيتي ان اطيل فترة هذا العشاء تعرف جيدا انني تردت في القبول عندما طلبت ذلك مني من قبل, في المعسكر." "ومع ذلك جئت." "تحت التهديد, لا تخدع نفسك يا فيليب, لم يكنن ذلك عن طيب خاطر مني, والان اخبرني عن شروطك لاعادة هذه الرسائل." "لا شيء يثير الفزع او يستعصي على الاستجابة, ستحصل ماريتا على خطاباتها حينما تعطيني انت وعدا بالا تتجنبيني وان تقبلي دعواتتي, وساعطيك خطابا في كل مرة نتعشى فيها معا." "وماذا بعد؟ وفي بحر ذلك الوقت يكون من المفروض اناقع تماما تحت تاثير سحرك لارتمي في احضانك من جديد." "تصوير الامر على هذا النحو يظهره نوعا من الغرور." "حسنا ألست مغرورا؟ وهل هناك سبب اخر لارغامي على مقابلتك ضد ارادتي؟ انك لا تتوقع مني ان اصدق انك جاد في حبك لي أليس كذلك؟" "وكيف تعلمين انني لست واقعا في حبك؟ استطيع ان اكون كذلك الان في منتهى السهولة." "لانني تغيرت واستطيع ان ارى حقيقتك بوضوح." "آوه ليس. "نعم يا فيليب كنت مجنونة بحبك والان اجدني انال من غرورك أليس كذلك؟" "صفي لامر كما يحلو لك, هل ستوافقين على شروطي ام لا؟" "لن اوافق واعتقد انك انت الذي ستوافق على شروطي." "شروطك؟ تذكري ان رسائل ماريتا اكواراس في حوزتي." "اجل يا فيليب اعرف ذلك جييدا, ولكنني ما زللت اعتقد انك ستعطيني هذه الرسائل وستوافق على اي شيء اخر اقترحه." "واي شيء اخر تقترحيينه؟" "ستعطيني الرسائل ولن تتفوه بكلمة لاحد عن حماقة ماريتا ولن تحاول ايضا مضايقة ماريتا او مضايقتي مرة اخرى." "ما الذي يرغمني على ذلك؟" "لان هناك شيئا ما زلت لا تعرفه يا فيليب وما زلت اكره ان اعرفك به, في الماضي حميتك من معرفته لانني اعتقدت انني كنت احبك." وكان صوتها باردا للغاية حينما اتجهت يناها نحو وجهه محذرة وقالت: "لو كان عندك ضمير ومن اجل راحة بالك لا تسالني عن ذلك الشيء لانني متاكدة انك ستندم لا تجعلني اخبرك وكذلك بقية الجزيرة بل وافق على شروطي." "هل تتوقعين مني جادة ان اوافق بدون ان اعلم حقيقة ما تهددينني به؟" "هذه فرصة يجب ان تتمسك به." "حسنا ليس في نيتي ان افعل." "حسنا جدا هل تذكر الخطاب الذي ارسلته الي يا فيليب؟" واكدت ايماءته انه يذكر, فاستطردت هي قائلة: "تستطيع ان تتصور اذن انه صدمني عندما تلقيته, خاصة انه كتب بطريقة جافة, حتى انني في الواقع تصرفت بشيء من الحماقة." "يا الهي يا كارول, انك لم تحاولي الانتحار؟" وكان رعبه مضحكا للغاية, حتى انها ضحكت ضحكة جوفاء بدون طرب, وقالت: "لا تكن مغرورا الى هذا الحد لا بد انني لا شعوريا ادكت حتى في ذلك الحين انك لا تستحق ذلك" "يجدر بك الا تكوني عنيفة في حكمك علي." "انها غلطتك, اما زلت تريد مني الاسترسال؟" "اعتقد ذلك." "لو حاولت الانتحار كنت ستصير مسؤولا ادبيا لانك خذلتني قبيل زواجنا ببضعة ايام فقط, ودون ان تكون لديك الشجاعة على ان تخبرني وجها لوجه. اذا كنت حاولت الانتحار, فما اظنك كنت تريد لاهل الجزيرة ان يعرفوا شيئا عن ذلك فاني اعتقد انني بدات اعرف البرتغاليين جيدا لانني لا اعنيهم شخصيا في شيء, ولكنهم متطرفون فيي عاطفتهم, وتعاطفهم سيكون كله معي واعتقد انك على الارجح ستصير منبوذا خلال اقامتك في الجزيرة." "ولكنك لم تقدمي على ذلك, وفي اية حال كان يمكنني الانكار حتى ولو كان ذلك صدقا." "ولكنك لا تستطيع ان تنكر حقيقة حتمية, هل تريد ان تسمع المزيد؟" واوما بالايجاب واستمرت هي مدركة ومتقبلة اخيرا انها يجب ان تخبره: "يوم تلقيت رسالتك فوجئت وصدمت حتى صرت في حالة اشبه ببالذهول, فوقعت لي حادثة نزلت عن الرصيف ولم ار السيارة المقبلة." "ولكنك في اية حال شفيت وااعتقد انك مخطئة قليلا في حكمك على اهل الجزيرة, انهم لا يعجبون بالجبن اذي تنطوي عليه محاولة الانتحار." ومن جديد تحطمت القوقعة الصلبة وتلقى نظرة مشتعلة من كارول الغاضبة لاقصى حد اذ قالت: "ربمما كان ذلك جبنا, ولكني لاا اعتقد ان الامر كان كذلك,كنت من الذهول وقت الحادث بحييث لم اشعر بشيء حتىى في التفكير بالانتحار." "الى اي شيء تهدفين؟" واحس بشيء يحذره بالا يتمادى في حثها على الاسترسال وان يقبل شروطها دون ان يعرف ما كانت تخفيه عنه, لكنه من ناحية اخرى لم يكن يستطيع الاقتناع بانه كان امرا جادا, وقالت كارول بوضوح: "لم اشف من الحادث وسوف اموت بعد اقل من شهر." هكذا اعلنته بوضوح تام وحزم.
نهاية الفصل الثامن
الفصل التاسع
المعجزة
رغم ان كارول لم تكن ترى فاليب كثيرا, لكنها وجدت ان مجردد علمها بانه لم يكن في الجزيرة سلب اشعة الشمس الكثير ن توهجها الذهبي, وجعل سماء خواماسا اقل زرقة, لقد ذهب الى البرتغال في رحلة عمل قد تطول اطولل مما قد تبقى لها. وزفرت قائلة لنفسها: ما اقصر الوقت فالان وقد اقتربت اللحظة كثيرا كان عليها ان ترتب امورها, ووجدت من الصعوبة اتخاذ قرار بشان ما يجب فعله, فان تتقبل ما يجب ان يحدث شيء, وان تستقر على ما يجب فعله شيء اخر, ولم تستطع الوصول الى قرار قاطع حتى كان ذلك الصباح الذي فاتحتها فيه نيستا بالامر قائلة: "ذكرت مرة انك تنوين حجز تذكرة الى الوطن ثم تختفين ليلا فوق ظهر سفينة, منذ ذلك الحين اتساءل ما اذذا كنت تقصدين ذلك حقا؟" "حتى لا يتكلف احد مشقة الجنازة." "ولكن كيف تتصورين شعوري اتجاه ذلك, انا اعلم انك تواجهين النهاية وحدك؟ ابقي هنا يا كارول واذا كنت ما زلت حريصة على الا يعرف احد فسوف نرتب الامر, بالطبع يجب ان نخبر كارل ولكن ليس هناك حاجة لان يعرف احد غيره, اذا كنت ترغبين في ذلك." وراقبت وجه كارول, لكنها لم تستطع ان تقرا عليه شيئا, وعادت تقول وهي تلعب اخر ورقة: "اعتقد انك كنت تعنين ما قلته حينذاك, لكنني لن ادعك ترحلين وحدك, اذا ذهبت ساذهب معك." ورمقتهاا كارول بنظرة ذاهلة وسالتها: "لكن ما الذي يضطرك الى ذلك؟ انا في الحقيققة لا شيء بالنسبة اليك. اقصد لست مرتبطة بي على اي نحو؟" "اعتقد يا عزيزتي ان كلا منا مرتبطة بالاخرى وانت ستبقين هنا اطول وقت ممكن, أليس كذلك؟" "سابقى, في الواقع لم اقم باية تترتيبات, لم اكن ااعرف ماذا افعل, كنت افزع من الرحيل, ولكنني لم اكن اريد ان اسبب اي ازعاج لاحد." وقالت نيستا وهي تقاوم دموعها: "لا تكوني مضحكة." وبسرعة غيرت الموضوع وسالتها: "هلل استرددت رسائل ماريتا من فيليب؟" "في اليوم التالي مباشرة وقد حرصت ان اعيدها اليها بدون ان يرتاب احد في الامر, ثم تلقيت منها رسالة يتدفق منها المرح لارتفاع روحها المعنوية." "انها طفلة لطيفة وانني مسرورة لانك انقذتها من مازقها, ولكنك لم تخبريني عما حدث باالضبط." وابتسمت كارول ابتسامة خفيفة وقالت: "كان رد فعله بالطريقة التي تصورناها." وسردت النقاط الرئيسية للمناقشة التي دارت بينها وبين فيليب, وهزت كتفيها قائلة في النهاية: "بعد مكالمته الهاتفية عدنا لتونا الى البيت بددون ان نتبادل كلمة تقريبا." واحست نيستا كالعادة بان كاارول لم تفصح بكل شيء وسالت بهدوء: "هناك شيء اخر, أليس كذلك؟" وساورها الشك في ان الامر يتعلق بفاليب, فما كان من فيليب لايلند يستطيع ابدا ان يحدث هذا التغيير الملحوظ في الفتاة, وبدت كارول متحفظة قليلا عندما قالت: "ليس شيئا ذا اهمية خاصة, اذ قمت لاتمشى وسط الاشجار عندما ذهب فيليب ليرد على المكالمة التلفونية." "ووجدت فاليب هناك؟" كيف عرفت؟" "من السهل معرفة متى تفكرين بفاليب, على الاقل بالنسبة الي." "تقصدين بنظرة مورغانا لو فاي التي تعتريني؟" كلا يا عزيزتي, انك تحبينه أليس كذلك؟" وبدا للحظة ان مورغانا ستنكر, ثم اومات براسها قائلة: "نعم, ودون جدوى على الاطلاق بالطبع, ولكن ذلك ما حدث." "ماذا حدث في تلك الليلة؟" كل منا قال اشياء فظيعة, وذهب هو الان الى البرتغال كارها مجرد رؤيتي." وبدا لنييستا كما لو ان فاليب قد تصرف عن شعور بالغيرة, واستكانت للفكرة وان كان من العسير تصديقها, وتساءلت اذا كان الرجل الساخر الذي كان يعتقد انه محصن ضد الهجوم, قد وقع اخيرا ضحية؟ سيكون امرا فظيعا لو كان ذلك حدث لان حياة اخرى قد تتحطم عندما يسمع... وكفت عن التفكير فجاة اذ اطلقت كارول زفرة الم مباغت وامسكت راسها بيديها وشحب وجهها شحوب الموتى, وارتسمت تقطيبة فزع بينن عينيها اللتين ظهر فيهما شيء من الدهشة كما لو كان الامر قد جاءها دون تحذير. وسالت نيستا بسرعة وهي لا تجرؤ على التفكير في ان ذلك يمكن ان يحدث هكذا سريعا: "ماذا بك؟" وكان مجرد انين خافت هو كل رد كارول, وهي تقاوم للسيطرة... من قسوة الطعنة الي احست بها في مخها, الم حاد عنيف كانت موجته تنحسر عن اختلاجة خافتة لتعاود من جديد مهاجمتها وتوترت في انتظار الموجة التالية, وعندما عصفت بها لم تستطع هذه المرة ان تمنع نفسها من ان تصرخ. وهرعت نيستا اليهاا بسرعة متحركة بسهولة بعدما تحسنت ساقها كثيرا, وطوقت الفتاة بذراعها وسالتها: " اين اقراصك؟" وردت كارول الكلمات وهي ترنو بعينيها نححو السيارة الكبيرة محاولة التركيز عليها لكن بصرها كان غائماا, وفي مكان ما من عقلها كانت فكرة الاقراص التي اعطيت لها من مستشفى سان كريستوفر. وعلمت انها اذا استطاعت الوصول اليها فان الالم المفزع سيهداو ولكن اين كانت؟ وعادت نيستا تسال: "اين هي؟" واقفلت كارول عينيها مرتعبة من شدة الالم ثم تذكرت واصغت نيستا الى كلماتها اللاهثة وبرفق قادتها الى الاريكة ثم صعدت بسرعة الى الطابق العلوي لتحضر الاقراص. وعندما عادت نيستا كانت كارول جالسة وراسها بين يديها, وتبينت نيستا عندما قربت كوب الماء من شفتي الفتاة وجعلتها تبتلع الاقراص ان كارول لم تعد في وعيها تماما. ومددتها برفق فوق الاريكة, ووقفت تتامل باهتمام الوجه الشاب المتقلص الما, وتترقب بلهفة سريان مفعول القرص. وبالتدريج بدات الخطوط المتقلصة تلين وعاد بعض اللون الى وجهها, واستردت عينا كارول القدرة على التمييز واستطاعت ان ترسم ابتسامة ضعيفة على شفتيها وقالت بصوت ضعيف هامس كانه ات من مكان سحيق: "شكرا يا انسة بروتون اسفة على ما بدر مني ولكنني لم اكن اتوقع مثل هذه البداية." واسرعت نيستا باخفاء عبرات هددت بالانهمار من عينيها فلم يكن هذا وقت للدموع وسالت بصوت حاد: "كيف الحال الان؟" "احسن كثيرا, كل ما استطيع الاحساس به هو اختلاجات ثقيلة في الخلف, قالوا ان ذلك قد يبدا قبيل الاوان." "لن تجادليني ثانية يا فتاتي, سنذهب الى كارل بمجرد ان تشعري بالقدرة على ذلك, كان يجب علينا ان نذهب اليه ممن قبل. انها غلطتي اذذ تركتك تقنعيننيي بعدم اخباره حتى الان." واستلقت كارول وهي تشعر باعياء غريب وان لم يكن في الحقيقة غريبا نظرا لما عانته, واحست بهدوء مريح حتى الاختلاجات لم تعد شيئا يذكر بالمقارنة بما كانت عليه الحل في البداية. كان كل شيء يبدو غير حقيقي بتاثير القرص حتى خيل اليها انها رات فاليبب واقفا على عتبت الباب, ما كان يمكن ان يكوون هو بالطبع, ولكنه فقط هذيان عقلها وشوق قللبها, كان فااليب في البرتغال ولم يكن سيعود الا بعد ان ينتهي كل شيء. وقالت لاوهامها المحمومة: "مرحبا يا فاليب عدت بسرعة انني ما زلت هنا ولكنني لن ابقى طويلا." وبدا ذلك لذهنها المسترخي المخدر دعابة عظيمة وضحكت له, او بالاحررى لطيفه في هذيانهها غير مدركة على الاطلاق لما كانت تتفوه به وهي تتكلم مطمئنة محاولة ان تبتسم ومتعجبة للالم الذي يصاحب ذلك. "لا تقلق, اعرف انك لا تستلطفني لكنك لنن تكون مضطرا الى التعامل معي طويلا لانني ساموت سريعا." وقال الطيف الذي ظهرامامها في هذيانها بلكنة فاليب البرتغالية الحادة الجذابة: "لا تمزحي في مثل هذا الامر." "اوه. لكنني لا امزح, كلهم قالوا انه لا جدوى, كان من المفروض ان اموت في الحال لكن ذلك لم يحدث انه نوع من تاجيل تنفيذ الحكم." وظهر شخص اخر على عتبة الباب وقهقت كارول بضعف قائلة: "اوه مرحبا نيستا هل عدت؟ اننك لست طيفا ايضا اعرف انك حقيقة, ولكن طيف فاليب هنا؟ هل تستطيعين رؤيته؟" ثم تكاثف الضباب وتراجعت اصواتهم بعيدا في الاغوار ووجدت نفسها تسبح من جديد في الكلمات الناعمة التي كانت سبحت فيها حينما وقعت الحادثة, وابتسمت وهي تفقد الوعي كانها عائدة الى مكان عزيز عليها حيث لا شيء يحدث ولا شيء يؤلم, ارض من الظلمات الناعمة لا يستطيع احد او شيء ان يصل اليها. ام انهم كانوا يستطيعون؟ احست ان شخصا يرمقها وكانت تستطيع ان تقسم انه فاليب. هل يمكن الاحساس بالطيف تماما كما يممكن سماعه من الاغوار السحيقة سمعت ايضا صوت نيستا يصل بغير وضوح الى اذنيهها, كانت تخبره عن الحادثة ونتائجها, وبين الحين والاخر عندما كانت نيستا تسكت لتلتقط انفاسها, كانت هي تضيف لمحات صغيرة متسائلة لماذا كان طيف فاليب مستمرا في ترديد بعض العبارات البرتغالية... ولماذا كان وجهه ما زال على رماديته العجيبة. وقالت بضحكة واهنة: "انك تبدو مضحكا للغاية يا فاليب هل انت مريض؟" واختنق صوت فاليب بشيء قاله وبعناية تنحى لنييستا حين استقرت الاثنتان على المقعد الخلفي لسيارته وبسرعة استدار وجلس امام عجلة القيادة, واحست كارول بتحرك السيارة لكنها بدت سيارة وهمية, في عالم الخيال السحري وبين الحين والاخركان الم حاد يطعنها ويرسم عبوسا بين حاجبيها. وقالت نيستا حينما بدات السيارة اسوداء الفخمة تنطلق: "اعتقد ان مفعول القرص بدا يضعف او ان الالم يزداد سوءا." ولم يرد فاليب وكانت عيناه تحدقان في الطريق خايتين تماما من التعبير وبدا الوقت ابديا لنيستا وهي تحتضن الفتاة الغائبة تقريبا عن الوعي بين ذراعيها, خاصة حينماا عاد اانين الخافت الموجع للقلب يخرج عنوة من بين شفتي كارول, لكن اخيرا ظهرت جدران المستشفى البيضاء ووقفت االسيارة, وحمل فاليب كارول التي فقدت الوعي تماما ودخل بها المستشفى وقابلهم كارل, ونظر الى وجه كارول الابيض وفي كلمات سريعة خافتة اخبرته نيستا بماا حدث. ومدت له لفافة سميكة وقالت: "وجدت هذه الاوراق في الدرج مع الاقراص, انها التقرير وصور الاشعة التي كان من المفروض ان تعطيها لك." واستحثه فاليب لافصاح قائلا: "ماذا هناك؟" ورفع كارل راسه وهزه وقال بهدوء: "انهم على صواب, لا توجد فرصة على الاطلاق." "بل يجب ان توجد." وهزت نيستا بدورها رااسها وقالت: "كانت تعرف طيلة الشهور الماضية انه ما من شيء يمكن عمله." "شيء ما يجب انن يكون ممكنا." كان صوت فاليب جادا متوترا غير معترف باي شيء ااخر الا الحفاظ على شعلة الحياة كما لو كان بقوة الارداة يستطيع ان يحول بينها وبين ان تخبو وبدررت عن كارل حركة ياس: "امرت باعداد اشعة من جديد لكنني اشك في انها ستظهر اي امل." وبدا الوقت ابديا من جديد بعدما مضى كارل, لكنه هذه المرة كان اطول من المرة السابقة, واقبل كارل اخيرا واحسا في الحال اختلاففا في تعبيره وقال: "هناك فرصة ضئيلة للغاية لكن يجب اجراء عملية في الحال, المشكلة الوحيدة انه لا يوجد احد هنا يستطيع ان يجري العملية." قالت نيستا: "وماذا عنك؟" وهز راسه قائلا: "لا استطيع ان اجريها, انها احدى تلك العمليات." واشار بحركة ياس من يديه النحيلتين الدقيقتين وقال: "انها تكاد تكون تجربة." "كنت مستعدا في مرة سابقة ان تقوم بتجربة" كانت لهجة فاليب قاسية وزادت الصدمة وجه كارل شحوبا واصبحت الظلال القاتمة التي كانت تغطي عينيه احيانا شيئا حقيقيا وقال: "اياك ان تذكرني بذلك." "كنت مستعدا في مرة سابقة ان تجري التجربة وتستطيع ان تعيدها مرة اخرى." "لا استطيع يا فاليب, انه اكثر مما يتحمله اي شخص, لا يستطيع ضميري ان يتحمل وزر موتين." ورفع يديه الحساستين انحيليتن الى عينيه واستطرد قائلا: "قد تموت هي ايضا." وضغطت يداه على عينيه لكنهما لم تستطيعا اسكات الصوت القاسي القائل: "انت لم ترتكب غلطة في المرة السابقة." واستدار بحركة يائسة وقال: "لا استطيع يا فاليب, اعرف انني ساخفق ولو حدث ذلك فانني سارغب بقتل نفسي." "اذا كان هناك اقل فرصة لانقاذ حياتها ولم تقدم عليها فاعتقد انني ساقتلك." "واذا حاولت اجراء العملية ولم انجح." ونقلت نيستا بصرها بينها وبين وجه فاليب بعذابه الشرس ووجه كارل بشحوبه الغريب, وبدا ذهنها يسال: "من يكون؟ من يكون هو حقيقة؟" ثم عرفت. تذكرت ان كارول ذكرت لها مرةة ان جراحا واحدا كان يستطيع اجراء مثل هذه الجراحة الاختبارية, جراح شاب لامع لام نفسه على خطا لم يرتكبه ثم اختفى, هل حدثت المعجزة؟ وهل هذا هو الطبيب الذي في خواماسا الان؟ وقالت بهدوء: "كارل انني لا اعرف الكثير عن العملية الاخرى التي تتكلمان عنها ولكن اذا كنت تشعر بان عليك دينا يجب ان تدفعه فهذه هي الفرصة لتفع الفدية عن نفسك." "لقد قتلت مرة, ويمكن ان افعل نفس الشيء ثانية." "ستموت اذا لم تحاول اجراء العملية." وووكانت كلمات نيستا الهادئة هي التي اقنعته في النهاية فظل صامتا لحظة طويلة, بينمما ارهف الاثنان الاخران اذانهما لسمااع الكلمات التي جاءت متباطئة: "حسنا ساقوم بالجراحة." وكان ضغط الصداع ما زال اثره على وجهه لكنه بدا اكثر تحكما في نفسه بعدما اتخذ القرار واستطرد قائلا: "ساحتاج الى ادوية نادرة وباهظة الثمن للغاية." واتجهت عيناه الزرقاواان نحو فاليب وقال: "تذهب الى جامعة البحوث الطبية انه المكان الوحيد تقريبا حيث تستطيع الحصول على الدواء, وقد تلقى صعوبة في الحصول عليه لانهم لا يوافقون على اعطائك ولو كمية ضئيلة منه ما لم تقنعهم بان الحالة بالفعل طارئة." "ساحضر الدواء." واخذ فاليب قطعة الورق التي كتب عليها كارل اسم الدواء وفي الحال اغلق يده فوق ذراع الطبيب الشاب قائلا: "لا تقلق يا كارل سوف تنجح من اجلنا جميعا, من اجل نفسك ولكن اكثر من اي شيء اخر من اجلها سوف تنجح." ثم انصرف واغلق الباب خلفه ونظرت يستا الى الجراح الشاب الذي كان يستعد هو ايضا ليتركها وسالت: "كيف يستطيع ان يعود في الوقت المناسب؟" "سيتصل من الراديو من القصر ثم يطير الى هناك, وسيكونون حتمما اعدوا الدواء وخذوه اليه في المطار. "وهل سيستطيع فاليب ان يحصل عليه؟" "اذا كنت اعرف فاليب فسيحصل عليه." "اجل فاليب سيحصل عليه." وعاد فاليب بعد ساعات مرهقا ولكن بالادوية التي كان كارل طلبها, ومنها العقار النادر, واخذت منه ممرضة اللفافة في الحال واختفت بعدما تركته مع نيستا وهزت نيستا راسها للسؤال الصامت في عينيه وقالت: "ما من اخبار بعد يا فاليب, لقد اجرى كارل العمليةو او انه ما زال يجريها لم اسمع شيئا على الاطلاق." اجرى العملية بالفعل." "كان من الضروري اجراؤها في الحال, اذا كانت هناك فرصة على الاطلاق." ثم اضافت محاولة ان تمنح ذهنيهما معا بعض الراحة: "اخبرني عن كارل ماذا حدث له؟" "كارل جراح لامع للغاية, لكنه سمح لما حدث ان يحطم ثقته بنفسه, كانت اخته تعاني من ورم في المخ اصابها بالشل, وراى كارل طريقة يستطيع بها استئصال الورم برغم ان اكثر الجراحين اكدوا استحالة ذلك, واقنتعته اخته بان يجري العملية وفعل وماتت. ولام كارل نفسه وهجر الجرراحة رغم انها لم تكن غلطته ولكنها كانت احدى تلك الاحداث غير القابلة للشرح حينما لا يعيش المريض لغير ما سبب ظاهر, وعندما قابلته كان يعيش منعزلا في قرية جبلية صغييرة." وقطع كلامه عند ذلك الحد واخذ يذرع الحجرة في قلق, ثم ظهر كارل, كان مجهدا وشاحبا ولكنه منتصرا. وهمس كارل: "سوف تعيش."
نهاية الفصل التاسع
الفصل العاشر والاخير
لمن زينة المدينة؟؟
سبحت كارول بهدوء وببطء من عالم الهذيان الى عالم الوعي, احست وسط الظلمات ان الالم تلاشى وانها عادت الى التحقق مما حولها, اول شيء تبينته ان راسها كان ملفوفا بالاربطة, بدا ذلك غريبا ففتحت عينيها قبل ان تمد يدها لتتحقق وكانت مفاجاة ان ترى كارل ونيستا يراقبانها, وهمست بصوت ضعيف: "مرحبا." وردت نيستا بنعومة: "مرحبا بك ايضا." ولم تتذكر كارول اي شيء غير الالم الذي داهمها وتساءلت عن سبب نظرة السرور على وجهي نيستا وكارل. كارل في تعريف التغيير الذي حدث له وقالت لهما: "تبدوان في غاية السرور من الحياة." واجاب كارل: "لدينا من الاسباب ما يدعو الى ذلك." وابتسم عندما رفعت يدا ضعيفة وتحسست اربطة راسها وانذرها قائلا: "دعي تصفيفتنا لراسك وشانها." حينئذ فقط انبثقت الحقيقة امامها وقالت: "كارل اجريت العملية." "اجل يا عزيزتي وسوف تعيشين والان عودي الى النوم ولا تقلقي." وكانت كارول على وشك انن تقول انها لا تريد ان تنام على الااطلاق وان لديها الاف السئلة تريد الاستفسار عنها عندما بدات عيناها تغلقان تلقائيا, واستغرقت في الحال في نوم عميق, ولم تعلم الا بعد مضي فترة طويلة بحالة الهذيان التي انتابتها حينما لم تستطع ان تتعرف على احد ووقفت متارجحة على حافة الموت في حالة خطيرة رغم الدواء الخرافي الذي حارب لانقاذها مقاوما الصدمة التي تنجم للجسم عن مثل هذه العملية. وعندما فتحت عيناها من جديد كانت ممرضة داكنة هيفاء تقف بجانبها مبتسمة وسمعتها تقول شيئا بالبرتغالية لكنها سرعان ما استغرقت في النوم من جدديد. وعند صحوتها الثالثة كانت نيستا بجانبها وفي هذه المرة لم تشعر كارول بالرغبة في العودة الى النوم ثانية, كما كانت فرحة لاحساسها بانها اقوى كثيرا من قبل. ورحبت بها نيستا قائلة: "استيقظي يا ذات الراسس النائم, ظننا انك ستصابين بمرض النوم." وابتسمت كارول لانه كان من الرائع للغاية ان تعرف انها سوف تعيش, وقالت: "كان ذلك سيصبح سوء تقدير مني بعد كل ما فعله الجميع من اجلي." وبطرف عينها رات شخصا اخر يقترب, وادارت راسها لترى كارل في ردائه الابيض يبدو شخصا جديدا, اكبر سنا وسالها: "كيف حاللك؟" "احسن كثيرا." ونظرت اليه بالعرفان الذي لم تستطع ان تترجمه عيناها الى كلمات, وقالت: "لم اشكرك بعد يا كارل." "ان تعيشي هو الشكر الكافي لي يا عزيزتي, لفترة ظننا انك قد تفلتين منا." نعم لفترة اوشكت ان تنتهي, وكان يعلم ان العناية الطبية لم تكن هي التي انقذتها ولكن ارادة الرجل الرمادي الوجه التي لا تقهر, الرجل الذي جلس بجانبها فترة طويلة, صامتا لا يتحرك, ناضلت ضد الموت وكسبت حتىى اصبحت شعلة الحياة الصغيرة التي كانت ترفرف على حافة الانطفاء من القوة بحييث تستطيع ان تتوهج من تلقاء نفسها. وهمست كارول: "يبدو ذلك اشبه بمعجزة." وقالت نيستا: "انها معجزة, ولكن بطريقة مختلفة عما تعنيين." وابتسمت في عيني الفتاة المتسائلتين واستطردت: "تذكرين ذلك الجراح الذي ذكروه لك في اللمستشفى, الجراح الذي قالوا عنه انه الوحيد القادر على اجراء العملية." "ذلك... الذي اختفى." واتجهت عيناها المدهوشتان الى الرجل في المعطف الابيض, وقالت: "كارل.. انه انت." وقال بدوره: "نعم يا عزيزتي, ذلك الجبان الذي انسل بعيدا ليختفي كان كارل كريستين, لقد رددت لي الحياة بقدر ما رددت لك." "هل كنت اهذي؟" "قليلا." كان كارل يبتسم, فسقط قلبها, خشيت ان تكون قدد باحت بسر حبها لفاليب اثناء هذيانها, وعادت تسال بذعر: "هل قلت شيئا فظيعا؟" ولكن نيستا ابتسمت وهزت راسها وقالت: "كانت كلهاا اشياء جديرة بالاحترام رغم انك قلت رايا جارحا في حق طبيب في مستشفى سان كريستوفر." واخفت كارول ارتياحها بالضحك وقالت: "في الغالب كان الدكتور هندريكسلي المسكين فما من احد منا كان يحبه." وصمتت برهة ثم قالت: "هل حدث اي شيء طريف اثناء غيبوبتي؟ انني متاكدة انني لا بد ان اكون قد افتقدت شيئا." وقالت نيستا: "حسن فاتك منظر فاليب وهو اشبه بالنمر السجين, ان سيد خواماسا البارد نزل من برجه, وهكذا لقي جزاءه." وتذكرت كارول جيدا مناسبة اخرى نزل فيها من قمة جبله واظهر نزعة انسانية ولكنها بسرعة اقصت الفكرة المثيرة عنها, فمع ان المعجزة حدثت وستبقى على قيد الحياة فالموقف بيينها وبين فاليب ما كان له ان يتغير. وقالت باسى: "اعتقد اني سببت ازعاجا للجميع." ثم تبينت في تلك اللحظة فقط معنى ما قالته نيستا واسرعت تقول: "تقصدين ان فاليب عاد الى الجزيرة؟" واجاب كارل: "عاد باسرع مما كان لمخلوق ان يتوقع, مضى عليك هنا ثلاثة ايام فقط." واضافت نيستا: "جاء بك فاليب الى المستشفى عندما اغمي عليك تحت بصره." ورمقتها كارول بنظرة دهشة وتساءلت وهي لا تتذكرانها راته: "هل حدث لي ذلك؟" وابتسمت لها نيستا بمودة وقالت: "الا تتذكرين؟ لقد تصورته طيفا وقلت انه في الواقع في البرتغال." وقالت كارول باسى: "اوه.. لا اتذكر شيئا, اعتقد ان ذلك كان بتاثير القرص." "هل قلت شيئا فظيعا؟" وللمرة الثانية فطنت نيستا الى ما كانت الفتاة تعنيه وهزت راسها مطمئنة وقالت: "ما من شيء, رغم انك كنت من قوة الاعصاب بحيث قلت لفاليب ان لونه ببدو مضحكا وسالت اذا كان مريضا, كان ذلك بعد ان اعلنته انك مهددة بالموت في اية لحظة." وضحك كارل قائلا "يبدو ان فاليب الرصين اهتز حتى اعمق اعماقه." وتساءلت كارول في دهشة: "هل كان كذلك حقا؟" وابتسم لها كارل وقال ليغيظها: "اي رجل كان لا بد له ان يهتز وبخاصة فاليب, ولكن لا تقلقي لقد غفر لك, ووعندي تعليمات بان انقلك الى القصر بمجرد ان تستطيعي الحركة." وقالت نيستا: "لسبب ما يريدك فاليب في القصر, فانه غالبا يعتقد انني لست قوية بعد قوة كفاية للعناية بك." "هراء, ساكون معك لمرفقتك او لحراستك سمها بما شئت حتى تستطيعي الاستسلام هذه المرة دون قتال, لن يؤذيك ذلك خاصة بعد ان سافر الى العاصمة ليحضر دواءنا العجيب لك." وفتحت كارول عينيها على اتساعهما عندما اخبروها عن تفاصيل تلك الليلة الرهيبة فوخزها ضميرها عندما فكرت في الثمن الذي لا بد ان يكون فاليب قد دفعه ثمنا للدواء النادر, وتبدد ترددها في الذهاب الى القصررغم ما كان تثيره في نفسهاا ذكرى مقابلتها الاخيرة مع فاليب في حدائق ديسكاني من مشاعر الاضطراب وصار كل ما تريده في تلك الللحظة هو ان توافق على طلبه مهما كان السبب المستتر وراءه. وفي الايام التالية استقبلت كارول زوارا عديدين, كانت اولهم ماريتا اكواراس وامها. ولم تكن تعرف ان اهل الجزيرة احبوها, حتى ذو الكبرياء المترفعة من الارستقراطيين, وشخص واحد لم يقم بزيارتها, واكتشفت ان غيابه يؤلمها اكثر مما نعتقد فبعدما فعله فاليب ليلة العملية, كان من المؤكد ان ياتي لزيارتها, ولكن من الواضح انه قنع بالسؤال من بعيد عن صحتها. وعنندما علمت انه استدعي فجاة الى البرتغال لعمل عاجل, اكتشفتت ان بهجتها بالحياة الجديدة وهننت بعض الشيءو لعلمها بانه لم يعد في الجزيرة قريبا منها, وحينما سمعت ان سيلستينا ايضا رجعت الى البرتغال, لم يبق لديها شك في الهدف, حتى ان قلبها غاص بن ضلوعها ولم تكن قد فكرت بعد فيم ستفعلهه بعد ان يتم لها الشفاء, سيكون من الممكن طبعا ان تعود الى مستشفى سان كريستوفر لكنها كانت تكره مغادرة خواماسا. لقد نما حب الجزيرة في قلبها, ليس فقط لانها كانت موطن فااليب, ولكن كان يوجد شيء ما في دفئها والوانها وناسها, ومرح اجوائها يروق لها دائما ايا كانت الظروف, ولكي تملا وقت الفراغ, قررت كارول ان تتعلم البرتغالية, كان ذلك سيصبح ضروريا بالتاكيد اذا استقرت على البقاء في الجزيرة. وعرض عليها كارل ان يعلمها, لكنه علق وفي عينيه الزرقاوين بريق واضح ان فاليب سيغضب اذا تكلمت لغته بلكنة المانية شاذة. واطلقت كارول ضحكة وسالته: "ماذا سافعل يا كارل, عندما اغادر المستشفى؟" "طبعا ستذهبين الى القصر." "اقصد بعد ذلك, لا استطيع ان ابقى هناك طويلا. لا استطيع ان اعرف لماذا يريد مني فاليب ان اذهب الى هناك اصلا؟" "الا يمكنك حقا؟" ورمقها بنظرة غرببة, ثم اضاف مبتسما: "في الغالب ليرى انك تطيعين الاوامر ولا تجهدين نفسك." "انه اخر شخص يفعل ذلك, فغاللبا ساعصي اوامره كمسألة مبدأ." ثم قالت كارول متتبعة الموضوع الذي في ذهنها: "عرضت علي ذات مرة عملا معك هنا في المستشفى, هل ما زال العرض قائما؟ الانسة بروتون لن تكون بحاجة الي." وقطب كارل جبينه بطريقة جعلتها تتساءل عم يفكر فيه, ثم قال: "هل نترك هذا الامر حتى تغادري القصر؟ قد تقررين تفضيل شيء اخر." "اي شيء اخر يمكن ان يكون؟ انني اما سابقى في خواماسا, او ساعود الى انجلترا واذا بقيت هنا, فلا استطيع الا العمل في التمريض." وبسرعة حول كارل الحديث تاركا كارول في غموض كامل, حتى قررت انه في الغالب كان يعني انها قد تفضل الاشتغال في التمريض الخاص. وعرضت عليها مريضة برتغالية شابة في المستشفى ذات معرفة قليلة بالانجليزية ان تساعدها على تتعلم البرتغالية, حتى انها في زيارة ماريتا التالية استطاعت ان ترحب بالفتاة بهذه اللغة. وقالت لها ماريتا في زيارتها التالية: "تقدمت بسرعة ولهجتك حلوة جدا, سيسر فاليب لذلك." ولم تعد كارول تعبس للحقيقة الواضحة التي كانت تؤكد ان كل شيء يقع في الجزيرة يقاس بمعيار ما اذا كان سيعجب فاليب اولا, لكنها ظلت تضحك من نفسها لاقرارها بذلك دون غضب, وبحذر سالت: "هل ما زال في البرتغال؟" "لكنه سيعود قريبا." "وابنة عمك سيلستينا؟ هل ستعود هي ايضا قريبا؟" "كلا... اعلنت خطبتها وستتزوج عن قريب." "لكنها ستعود الى الجزيرة حينما تتزوج, أليس كذلك؟" كان ذلك واضحا منذ البداية, همست كارول بذلك لنفسها ولكن كان من المؤلم للغاية سماعه اخيرا بكلمات تؤكد ان خطبتهما قد اعلنت, لا بد ان عيني سيلستينا الداكنتين كانتا تبتسمان الان زهوا لانها فازت اخيرا بحب فاليب. وقالت ماريتا: "ولماذا تعود الى خواماسا؟" وقطع صوت ماريتا افكارها الحزينة: "اتساءل اعتقدت انها حينما تتزوج من فاليب سيعيشان هنا." "لكنها لن تتزوج فاليب." وظلت كارول ساكنة بتاثير الصدمة ونظرت اليها ماريتا كما لو كان من المفروض ان تعرف طوال الوقت ان شيئا من ذلك لم يكن ليحدث وقالت متلعثمة: "ولكنني اعتقدت, اقصد الجميع يتوقعون زواجهما." "في وقت ما نعم, ولكن بسرعة اصبح وضحا ان فاليب يرغب في الزواج من فتاة اخرى وهو في حالة ححب شديدة والجزيرة كلها مسرورة لذلك, فلفترة طويلة ظل يزدري الحب." ولم تستطع كارول ان تقاوم الابتسام, كان واضحا ان عدم وقوعه في الحب كان يعتبر خلقا منافيا لكونه برتغاليا. ولذا كان اصدقاؤه واعداؤه على سواء فرحين لاكتشافهم انه بشر على رغم كل شيء. وشعرت بفضول لمعرفة الفتاة المجهولة, ووجدت نفسها تسال ماريتا: هل الفتاة اللتي خطبها في البرتغال؟" "انه لم يخطب بعد, انها ستاتي قريبا الى القصر." "اتوقع اذن ان اقابلها" "هذا محتمل." سارت بهم السيارة في الطريق المالوف من لورنزيتو, ووصلت اخيرا اللى الاعمدة الطويلة المزخرفة بشعار الفيرو ريالتا التي كانت مالوفة للغاية رغم انها لم تمر من خلالها الا مرة واحدة من قبل. وظهر خادم فيي زي اخضر وفتح البوابة كالمرة السابقة لكنه هذه المرة انحنى وابتسم للانسة بروتون وكارول, ثم انطلقت السيارة بخفة فوق الممر اللممهد الذي يؤدي الى القصر. عندما نزلت كارول من السيارة حانت منها التفاتة الى المدينة فذهلت لما راته, وخيل اليها ان العيد يتكرر مرتين في اللعام او انها غابت عن الوعي شهورا طويلة وهاهو المهرجان يعود من جديد. لكن صوتا مالوفا انتشلها منن ذهولها واعاد نظرهاا نحو مدخل القصر, كان فاليب واقفا هناك بملابسه البيضاء وعلى فمه ابستامة تشع كالشمس. الا انه كان هادئ الوجه كعادته ولا تفضي ملامحه باي شيء مختلف, فكانها راته منذ قليل علماا بانه لم يكن فيي الجزيرة ابدا ولم يات لزياررتها في المستشفى. ورحب بنيستا بادب كبير, ثم قادت احدى الممرضات كارول الى غرفتها في الطابق العلوي لتستريح, وصعدت السلم ودلفت الى غرفة نوم جعلتها تتسمر في مكانها وتسحب انفاسها في نشوة بالغة. كانت الارضية من الرخام والسرير الضخم المزخرف مرتفعا فوق قاعدة, وبقية الاثاث فاخرة تدلل على ذوق ممتاز والنوافذ الطويلة تؤدي الى شرفة صغيرة مطلة على الحائق التي يتوسطها حمام سباحة. واذ رجعت من جانب النافذة وجدت الممرضة البرتغالية منتظرة لترى ما اذا كانت تريد شيئا, لكنها صرفتها وعادت الى النافذة. كان منظر الالوان الجذابة في تلك الحديقة الرائعة لا يغريها بالبقاء في غرفتها, واستدارت وقد شعرت انها صبية شقية ازاء الفكرة التي طرات على بالها فجاة. وتسللت من الباب ووجدت طريقها الى السلم بسهولة وهبطته علىى اطراف اصابعها شاعرة بالذنب, املة الا يخرج فاليب من احدى الغرف, لكن املها خاب وفوجئت به يطالعها على السلالم وهو يهز رسه مستاء كانها بالفعل فتاة شقية. "الى اين انت ذاهبة؟" كان صوتها خافتا وعيناها تبحثان في وجهه عن شيء اعمق مما يدور في خلده, لكنه قال بهدوء: "رايتك تنظرين الى زينة المدينة بذهول, هل ادهشك شيء معين؟" "اه... حقا... لمذا هذه الزينة ولم يمض على العيد مدة طويلة؟ هل هناك عيد جديد؟" كان فاليب قد وصل الى حيث وقفت واعتلىى موقعها بدرجتين من دون ان ينزع يديه من جيبي سرواله الابيض وبدا كانه سيستمر في الصعود الى الطابق العلوي, لكنه توقف وماا تزال الابتسامة الصافية واضحة على فمه, وقال وهو يغرقها بنظرة حب عارمة كادت تتجرفها من مكانها: "الزينة احتفال بخطبتي." وفجاة زحف الى ذهنها ما جعل الشك يساورها اذ تذكرت شيئا قالته ماريتا وابتعدت عنه قائلة: "فاليب... قالت ماريتا انني سالتقي بالعروس في القصر وقالت ان الجزيرة كلها تعرف من هي." واطلق ضحكة ناعمة وقال: "التفتي ترينها, انها وراءك." وكانت هناك مراة كبيرة مثبتة في الجدار, فلم تصدق كارول غرابة المصادفة, كما لم تصدق انها يمكن ان تقع في عناق يختصر كل كلمات وكل الالم اللذي عبرته من اجل الوصول الى هذه اللحظة. والتفت كلاهما ناحية صوت نيستا وراياها واقفة على عتبة الباب وقد بدت مسرورة للغاية وقالت معتذرة: "طرقت الباب ولكن الواضح انكما لم تسمعاني." واللقت نيستا نظرة نحو الفتاة التي جاءت الى الجزيرة لتموت فوجدت فيها الحياة والحب وقالت: "الجزيرة ستكون الان اسعد حالا بعدما استقرت الامور." وسالت كارول بدهشة وقد صعقتها الحقيقة: "تقصدين ان الجزيرة كانت تتكلم عني انا؟" فقالت نيستا متلعثمة: "بعد سفره لاحضار الدواء كشف نفسه تماما, وسعدت الجزيرة بهذا الكشف وكل ما اصبح مطلوبا الان لاكماله هو اعلان خطبتكما." وتراجعت نحو الباب قبل ان يستطيعا ايقافها. وعاد فاليب الذي لم تكن لديه حصانة ضد المرح يضمها من جديد بين ذراعيه ولمست اصابعه العقد الفضي ذا الحلقات الاسطوانية, العقد الذي كان يطلب حبا مثيرا وخطيرا, حبا يطالب بالكثير, ويعد بالعطاء. وقال بنعومة: "هكذا سيكون الحال بيننا, هل تخشين الزواج من برتغالي يا حبيبتي." وكيف لي ان اخافك وأنا احبك؟" وكانت اجابة كارول بالبرتغالية لتؤكد له انها فهمت ما قاله وانها واثقة ان ما بينهما من حب سيدوم الى الابد........................
تمت


ليست هناك تعليقات