أخر المواضيع

رواية العروس الأسيرة كاملة


رواية العروس الأسيرة كاملة
العروس الأسيرة
للكاتبة : فيوليت وينسبير
الملخص
دائما يرتبط الحب بالجمال. دائما دائما يكون العاشق شبيها بأدونيس والعاشقة شقيقة عشتار. الا ان هذه القاعدة ككل قاعدة لها شواذ ورافينا التي احبت رودري الجميل ما لبثت ان وجدت نفسها حيال رجل محروق الوجه واليدان يطارده ماضيه كالظل وفي ارجاء قصره المنيع في سردينيا وقعت اسيرة ذلك الماضي وتلك ((الحروق)). فهل تبقى هناك؟ وهل يطل الورد من غابة الشوك؟.
الفصل الأول
مفاجأة في العرس
وضع العريس يده فوق يد العروس وراحت اليدان تقطعان كعكة الزفاف بين هتافات التهنئة ورنين الكوؤس وجأجأة ضحكات المدعوين. سأل احدهم العريس: " حقا ما يتردد في وطنكم بأن الرجال يصفعون العروس في يوم زفافها حتى تعرف من هو السيد؟" ابتسم مارك دي كورزيو وقال: " انت تتكلم عن اهالي صقليه اما ان فأحد ابناء سردينيا " وبينما كان مارك يجيب عن اسئلة تدور كلها حول ساردينيا ناول احد المدهوين العروس ظرفا صغيرا اصفر اللون وقال لها: " هذه الرسالة وصلت توها يا رافينا اتوقع ان تحمل في طياتها حظا سعيدا لك " وشاب ابتسامتها شئ من التوتر عندما فضت الرسالة وراحت تقرأ فحوها عندئذ القت نظرة سريعة على مارك وفي لمح البصر دستها في احد قفازيها الحريريين وغمر الشحوب وجهها حتى بدت عيناها بلون الجواهر الخضراء. واخيرا حان وقت الصعود الى الطابق العلوي لارتداء ملابس رحلة شهر العسل اعتذرت من احدى صديقاتها التي تقدمت تبغي مساعدتها في تغيير ملابسها وقالت لها: " انا...انا...اريد ان انفرد بنفسي " اسرعت تتخلص من ثوب الزفاف الذهبي الشاحب والشال المزين بشريط من شرائط ويلز. لم يستغرق التغيير وقتا طويلا وعندما ارتدت ملابس الخروج وقفت امام نافذة غرفتها وتأملت شجرة الدردار التي ارتفعت وسط الحديقة وحملها الحنين الى الماضي فرأت رودري وهو يتسلق الشجرة ويقبع بين اغصانها وكان يوما ما يبدو لها فارس احلامها المغوار وفي يوم اخر يتلبسه الشيطان ويأخذ في مشاكستها. هكذا شبت هي ورودري سويا في ذلك البيت على حدود ويلز. كان الابن الوحيد للكولونيل كاروت برينين الوصي عليها لعدة سنوات وكثيرا ما كانت تعتبره في منزلة والدها وتكن له اعظم الحب ومنذ ثمانية عشر شهرا استقال رودري من الجيش ورحل الى نيوسوث ويلز في استرليا ليشتغل بالزراعة هناك. وكانت ضربة قاسية نزلت على رأس غاردي ( الكولونيل كاروت برينين) الذي يعتز كثيرا بالشهرة التي احرزها في الخدمة العسكرية ولم تدهش كثيرا مما اقدم عليه رودري الذي يعتبر سليل اسرة عسكرية عريقة يواكب تاريخها تاريخ مقاطعة ويلز وكان لزاما على رودري برينين ان ينخرط مثل ابيه في سلك العسكرية وكانت رافينا تعرف ان رودري يتنازعه دائما القلق المسيطر على حياته تماما. فبعدما تسلم وظيفته اختار ان يقوم بمهمة خاصة في قبرص وكانت كبرياء غاردي لا تعرف الحدود اذ غضب عندما عرف ان ابنه سوف يمضي اجازته في الخارج ولم يكد يرحل رودري الى قبرص حتى ترك الخدمة العسكرية. راحت رافينا تحدق عبر نافذة غرفة نومها ويبدو انها عادت تسمع مرة اخرى وقع حوافر حصان على الحصى الذي يكسو ساحة الحديقة وذكرها الوقع بيوم كانت تقف في المكتبة حين سمعت وقع حوافر اعقبه وقع خطوات حذاء تعبر الشرفة التي تقع امام نوافذ المكتبة وتذكرت نوبة الفزع التي تملكتها عندما رأت قوام مارك ديكورزيو يعتم زجاج النوافذ. حدق كل منهما بالاخر عبر الزجاج ثمدلف الى المكتبة بلا دعوة وقال لها : " مساء الخير آنسة برينين " وعندما انحنى انحناءة قصيرة احست بالتوتر الذي كانت تشعر به كلما قدم لتناول طعام الغداء في رافنهول. كان شريكا في الاعمال التي يمارسها غاردي ولكن هذه المرة الاولى التي التقيا فيها على انفراد كان يعيش في الخارج بمنى عن الجميع ويعتبر اكبر سنا من جميع اصدقائها وتكتنفه هالة من الغموض. كان معتدل القامة ومع ذلك يوحي بأنه شخص طيع عندما يهل عليها وكانت اسنانها تكز على شفتها السفلى بقسوة كلما وقع بصرها على الجانب الايسر من وجهه الذي لفحه سعير النار وكانت تغض بصرها عنه بسرعة وكأنما ترى في وجهه صورة الشيطان وقد اقترنت بها صورة الملاك . قال لها وهو يضغط على مخارج الكلمات: " ارجو ان تكوني متمتعة بصحة جيدة يا رافينا " " اخشى ان لا يكون باستطاعتك لقاء جاردي فهو موجود الان بالخارج " قال: " ما جئت الا لرؤيتك " نزلت كلماته كالصدمة المفاجئة وتفحصت وجهه المتعالي الذي يوحي بأنه كان ذات يوم يتسم بالوسامة اما الان فتبدو الصرامة القاسية في ملامحه واستطرد يقول: " جئت عن قصد في هذه الساعة لانني اعرف ان وصيك سوف يكون خارج المنزل. في هذا الاصيل يمارس لعبة البولنغ مع صديقه القديم في الجيش ايوين كيريو اليس كذلك؟ " " انني لا اكاد اعرفك يا سنيور دي كورزيو! ولا اظن ان هناك شيئا يمكننا ان نتبادل الحديث عنه " وواجهته بنظرات مستقيمة كاستقامة شعرها الاحمر الداكن وثابته كثبات عينيها الخضراوين. قال وعلى شفتيه ابتسامة ملتوية : " ستعرفينني جيدا خلال لحظات " واشار الى مقعدين عميقين فوقهما وسادتين صغيرتين من الجلد وقال: " من فضلك دعينا نجلس والا ظننت انك تودين الفرار مني " وتوترت اعصابها وكان يحدوها حافز قوي يدعوها الى ان تطلب منه مغادرة رافنهول في الحال ولكنه اذ التقى بصره بعينيها احست انه يقرأ افكارها فقالت له بحزم: " استطيع ان امنحك خمس دقائق انني اعد الطعام وغاردي يحب ان يتناول عشاءه في موعده " " من فضلك اجلسي يا سنيوريتا " امتثلت لطلبه وجلس هو بدوره وتقاطعت ساقاه وسقط الضوء على حذائه الجلدي اللامع وكان سرواله وسترته من قماش التويد ويدل مظهرهما على حسن حياكتهما ولم يحمل معه سوطا مما يدل دلالة كافية على انه يثق بنفسه في قيادة الخيول والناس ايضا بلا سوط. وسألها: " هل تسمحين لي بالتدخين؟ " فأمأت بالايجاب وراقبته وهو يخرج سيكارا رفيعا من علبة جلدية اشعله بعود ثقاب وكاد اللهب يقترب من انامله قبل ان يلقي بالعود الى المدفأة التي كانت خاوية لأن فصل الصيف بدأ يزحف تدريجيا ويغزو الطقس البريطاني. " اشعر دائما بالبرد عندما اجيئ الى انكلترا فالشمس تشرق نادرا نسبة الى بلادي " " حقا يا سنيور! " ونظرت اليه بأدب دون ان تحدوها ادنى رغبة في ان تسأله من اين اتى وكانت تتمنى ان يفضي بما لديه ثم يرحل فقد ازعجها قدومه وقطع عليها وحدتها وتمنت ان يرحل بأسرع ما يمكن. قال: " مهلا سينيوريتا وتمالكي زمام امرك واسألي نفسك لماذا قطعت عليك خلوتك في عقر دارك؟ " قالت بصوت بارد: " نحن غريبان وليس بيننا شئ مهم ولكن يبدو لي انك تريد ان اصغي اليك" قال: " جئت اروي لك حكاية يا انسة برينين " " انا منصة اليك يا سنيور. من فضلك ابدأ قصتك " " انا ارمل زوجتي الصغيرة دوناتا ماتت بعدما ولدت ابننا فكرست كل حبي لأبني الصغير دريستي. كان طفلا نشيطا, محبا, حنونا ومنذ ثمانية عشر شهرا دهم سائق مخمور سيارتي حيث كان ينام دريستي في المقعد المجاور لي وولى هاربا وترك سيارتي مقلوبة على ظهرها والنيران مشتعلة فيها " وضعت رافينا يدها على خدها وكأنها تتلقى صدمة عندما وقع بصرها على الندبة التي خلفتها النار على وجه مارك. وواصل حديثه بخشونة: " وقعت انا وابني في شرك داخل السيارة وبذلت جهودا مجنونة لاحطم النوافذ لاحمل ابني بعيدا عنها ولكن... يا الهي لو ان المجرم توقف وساعدني لكان في وسع ابني ان يعيش حتى اليوم " ولم تستطع رافينا ان تتحمل التفكير في ان الطفل يموت بهذه الطريقة فقالت: " أوه....لا! " واستطرد مارك يقول: " انفجر خزان البنزين وتطاير جسدي وهو يحترق ليسقط في حقل مجاور فأسرع العمال لاطفاء النيران. كانوا يعملون على مبعدة ولم يكن في وسعهم الوصول الى السيارة قبل انفجارها. كان السائق الطائشوحده الذي كان يستطيع ان يقدم لنا المساعدة. وامضيت عدة شهور في المستشفى بعدها رحت اقتفي اثر الرجل وعن طريق الكراج الذي اجرى الاصلاحات لسيارته عرفت ان اسمه رودري برينين الضابط في الجيش البريطاني والموفد في مهمة خاصة الى قبرص " وتألقت عينا مارك دي كورزيو بتأنيب مرير عندما استقرتا على وجه رافينا ثم كساهما بياض اشاع الشلل في شفتيها. قال: " ابن وصيك تسبب في موت ابني " وكانت كلماته تملأ الغرفة ويشوبها الالم والغضب ثم استطرد يقول: " درستي كان في الرابعة من عمره وهو اخر هدية حب قدمتها زوجتي لي. ابني كان وريثي في ارضي وكان سيحمل اسمي من بعدي وموضع التشريف من اهالي ساردينيا لعدة سنوات. ان كلمة الشرف لها معناها لدى اهالي الجزيرة واعتقد انها تعني شيئا لرجال من امثال كولونيل كاروت برينين " صاحت قائلة: " جاردي؟ انت تقصد بأن تخبره ان رودري كان مخمورا وهو يقود سيارته وانه تسبب في الاصتدام بسيارتك؟ لا تستطيع ان تفعل لك! " ونهضت واقفة على قدميها ثم اردفت قائلة: " سوف تقتله! " ونهض مارك واقفا بدوره وقال: " من تقاليد بلدي ان اسرة الآثم لابد ان تدفع عوضا عن الخزي والعار وثمنا عن الاضرار التي لحقت بالمجني عليه انا نؤمن بأن اسرة الرجل الذي اقترف خطأ عليها ان تتلقى اللوم بصورة ما " قالت: " ولكننا نعيش في انكلترا " لم تكن رافينا تؤمن بأن اي رجل مهما اوذي في قلبه او جسده يمكن ان يوجه اللوم الى جندي عجوز قديم بسبب خطأ ارتكبه ابنه. واردفت تقول: " اننا...اننا...نحاول ان نغفر يا سينيور. اننا لا نسأل احدا ان يدفع ثمنا لخطأ ارتكبه " " انا من سردينيا وقد مكنت ثمانية عشر شهرا اسأل نفسي ماهو الثمن الذي يمكن لاحد افراد اسرة هذا المنزل ان يدفعه واليوم وجدت الجواب على سؤالي " " انت تهدف الى ايذاء غاردي " " ليس هذا ضروريا يا انسة برينين " " ولكنك اشرت..." وحدقت في الرجل وتعلقت بالامل لكنها اصدمت بنظراته العنيدة السوداء اذ انه من سلالة رجال يتصفون بالكبرياء والعاطفة والجسارة . قال مارك دي كورزيو عن عمد: " جاردي في غنى عن معرفة ان ابنه شخص جبان " " كيف...؟ " ودقت الساعة لتعلن عن سكون معذب وهي تنتظر منه ان يواصل حديثه ولكنه كان هادئا مما دفعها الى ان تراه في صورة النمر المتحفز للانقضاض على فريسته. كان الصمت الذي ران عليها يحمل في طياته انذار بالهجوم. قال بهدوء: " سوف تتزوجين مني وستهبين لي ولدا بدلا من الولد الذي فقدته " ولم تصدق رافينا اذنيها وانعقد لسانها فلم تتكلم ولكن الكلمات تدفقت فجأة: " لا يمكن ان تكون جادا " " لم اكن اكثر جدية كما هو الحال في هذه المرة " " هذا جنون! لا استطيع الزواج منك " قال وابتسامة ملتوية على شفتيه: " انت تظنين انك لا تستطيعين الزواج مني ان الحب وحده سيجبرك على الاقتران بي " قالت متسائلة: " الحب؟ " وشعرت بتيار بارد يسري في جسمها وعندما تحركت تنشد الهروب مننظرته ومن ندبته ومن عينيه وحاجبيه السوداوين ولكنه تقدم نحوها يعترض طريقها وتحت وطأة الخوف استخدمت سلاح الاحتقار وهي تقول له: " هل تتصور انني استطيع ان احبك؟ " قال ساخرا: " لا...ان خيالي ليس بهذه القوة ولكنك نحبين جاردي ولن تقبلي ايذاءه او ان تكوني سببا في حرمانه من الحب الذي يكنه لابنه " " انت قاس يا سينيور دي كورزيو " " لم اعتد ان اكون قاسيا يا سينيوريتا ولكنرجلا اسمه رودري برينين جعلني اصبح قاسيا " وحدقت عيناه السوداوين بعينيها, تشع منهما القسوة, وعدم الرحمة وحدثها قلبها بأن بيت برينين سيدفع الثمن لقاء الطريقة الاليمة التي فقد بها مارك ابنه الصغير. حاولت رافينا ان تتحدث اليه بتعقل مع ان نبضات قلبها كانت مضطربة فقالت له: " ما الذي تجنيه مني يا سنيور لو انك امرأة لا تحبك؟ وماذا يحدث لو اخبرتك بأنني احب رجلا اخر؟ " " هل تحبين رجلا اخر؟ " قالت بتحد: " انا احب رجلا اخر هذا شأني " ونفض رماد سكاره في المدفأة وقال: " على العكس باعتبارك زوجتي من واجبك ان تنسي هذا الرجل الاخر " " هل تعني انك تجبرني على الزواج منك ؟ " واحست فجأة بالاضطراب والحيرة ولم تستطع ان تخفي شعورها فبدا جليا في نظراتها الخضراء. قال مارك: " خلا الاسابيع القليلة الماضية عرفت شيئا عنك يا انسة برينين وخاصة عن مدى حبك الشديد للكولونيل جاردي الذي يعد ابا بالنسبة لك والحب يعتبر شيئا جميلا اقدره في المرأة خاصة انني من اهالي ساردينيا ولكنني افضل ان يحل الولاء مكان الحب " فصاحت قائلة: " جئت وانت مستعد ان تطأ قدمك عنق احدهم وانه حان الوقت لاخضع لك لانك تعرف ان جاردي تعرض لنوبة قلبية منذ فترة قصيرة وان نوبة اخرى قد تؤدي بحياته " " بل تبين لي ان وصيك يعتبر شخصية جذابة وصريحة ولبقة في الحديث وسيكون من الالم ان يبدد مشاعر ابوته على ابن لا يتمتع بالجاذبية " احست رافينا انها تنزع الشفقة من قلبها نحو صاحب الوجه المشوه في الوقت الذي تشعر فيه بالالم نحو الطفل الذي مات في الحريق. قالت: " انك تزيد الموقف مرارة " " هكذا نبني احلامنا. فمن المؤسف ان احطم احلامك لابني فوقها احلامي " وضاقت جفونه وهو يتطلع اليها وتوترت بشرته السمراء فوق فكيه وهو يستطرد قائلا: " ستكون هناك تعويضات...يا رافينا " شعرت باصابع صارمة تطبق حول رسغها ففتحت عينيها لتجد مارك دي كورزيو قد اقترب منها وشعرت بالكأبة عندما التقى بصرها بعينيه واجفلت من ندبته ورأت النيران تتصاعد من خياشيمه والرغبة الشديدة تتراقص على فمه وكانت رافينا قد عاشت حياتها لا تشعر بأي خوف تتمتع بالمراوغة التي تسحر بعضهم وتشيع الاضطراب عند البعض الاخر ولكنها الان تقع تحت رحمة حبها لوصيها جاردي وهي عزلاء من اي سلاح. قال: " سأطلب من الكولونيل الموافقة على زواجي منك وانت بدورك تزعمين انك ترغبين في هذا الزواج كما ارغب فيه انا " واحنى رأسه وقبل يدها الباردة المضطربة واحست بأطرافها تجمدت عندما سمعته يتمتم : " انت ترتدين سراويل تشبه سراويل صبي ويجب ان تفهمي انني اريدك امرأة " وتحول عنها وتناول وردة من الزهرية الموضوعة على المنضدة وثبتها في عروة سترته وقال: " اراك مثل الزهور وفي ساردينيا تنمو الزهور فوق التلال قبل ان تشتد حرارة الشمس وبيتي يقع فوق ربوة كبيرة من الصخر على مبعدة من البحر" " هل تحبين البحر يا سنيوريتا؟ " اجابت بحركة الية: " عشت هنا معظم حياتي احب القرية التي تحيط برافنهول انني انتمي اليها" " اه ولكن عندما تتزوج امرأة فانها تتوقع ان تترك وراءها بيتها لتنظم الى زوجها اما بالنسبة الى الرجل الاخر الذي تحدثت عنه فهل يعيش في هذه الناحية؟ " قالت مغمضة العينين: " اجل. لا تتوقع مني ان اتخلى عن كل ما احب...ارجوك سنيور " وعندئذ تطلعت اليه ورأت انه لن يتأثر بكلامها ولم يكن من طبيعتها التذلل والتوسل فابتلعت توسلها وتعلقت بكبريائها وقالت: " اذا اجبرتني على ان افعل ذلك فانني اعدك بأنني سأكرهك بكل قطرة من الدم السلتي* الذي يجري في عروقي " قال مبتسما: " وانا ايضا يجري في عروقي دم سلتي يا رافينا كانت جدتي تنتمي الى شعب كورنوول ولهذا السبب دعيت مارك هل تعرفين اسطورة مارك الذي كان ملكا على كورنوول؟ " حدقت رافينا في عينيه وقالت: " طبعا اعرفه زوجته احبت الفارس الذي اتى بها من ايرلندا وفضلته على ان تكون عروسا للرجل الذي لا تستطيع ان تحبه " والقى نظرة سريعة الى النوافذ التي اسودت بالسحب المنذرة بهطول المطر او هبوب عاصفة الصيف. قال: " للحب معان ثيرة يا سنيوريتا ان الرجال في صقلية يصفعون وجه عروسهم في يوم زفافها اما نحن الرجال في سردينيا فندخر هذه الصفعة للمناسبة التي تستحقها. والان اظن ان الوقت قد حان لاعود الى الفندق حيث اقيم انه فندق ] الذئب والحمل [ في هذه القرية العتيقة وبالقرب منه تقع اصطبلات الخيل ولكوني احد ابناء سردينيا فقد ولدت على ظهر جواد " رافقته حتى اجتاز ساحة الحديقة الى المكان حيث ترك الجواد وكان جوادا اسود اللون. واعتلى مارك ظهر الجواد بحنكة دلت على انه رجل خبير بركوب الخيل ثم قال لها: " ارجو ان تقولي للكولونيل برينين ان يتيح لي فرصة رؤيته ظهر الغد. ان من دواعي التقاليد الرسمية ان يسأل المرء والد الفتاة او وصيها موافقته على زواج ابنته. ستكونين انت موجودة هنا ايضا لتضعي خاتم الزفاف في اصبعك " زمجرت العاصفة واندفع الجواد بفارسه تجاه ضوء الغسق ورفع مارك يده ملوحا وهو يقول: " وداعا ". واثارت حوافر الجواد سكون العاصفة كما اثار الفارس ضربات قلبها. انتابها احساس بالقدر الذي انشب اظفاره في قلبها فقد رأت انها لا تستطيع ان تخبر غاردي بما فعله ابنه بمارك دي كورزيو انها لا تستطيع ايذاءه او ان يتعرض لاحدى النوبات القلبية مرة ثانية لان الطبيب قال: " ان جاردي يشعر بالقلق على ابنه رودري. اطفالنا هم الحب والهلاك الذي يدمر حياتنا " وفكرت رافينا في ابن مارك واحست ببرودة تمسك بتلابيب عظامها فان الميتة الرهيبة التي لقى به الطفل مصرعه نغصت حياة ابيه لدرجة انه لم يع يحس بأي شعور بالرحمة على الاقل نحو افراد عائلة برينين. لا بد ان يدفع برينين الثمن واختيرت هي بالذات لانها وحدها تستطيع ان تقدمه له وهذا الثمن هو طفل اخر...ابن اخر. تراجعت رافينا عن النافذة وسارت الى منضدة الزينة ووقفت امامها في ثوبها الاخضر يهزها التوتر وراحت تقرأ مرة ثانية البرقية التي تسلمتها في غرفة الاستقبال على انا برقية تهنئة للعروس ولكن البرقية كانت في الواقع موجهة الى وصيها فضتها وقرأت: " الابن الضال يعود يا ابي. اصل بقطار الثالثة والنصف الحب لك ولرافينا " رودري في طريقه الى البيت وسحقت رافينا الرقية بقبضة يدها ورأت ان من واجبها ان تلتقي به قبل ان يصل الى البيت الذي تستعد لمغادرته هي ومارك لقضاء شهر العسل وعليها ان تحذره الا يبوح بسره كما احتفظت به مطويا عن غاردي. عزيزي غاردي الذي قدم سيفه لمارك لكي يقطع كعكة الزفاف وابتسمت بمرارة عندما مر في خيالها انها ما تزوجت مارك دي كورزيو الا لتنقذ رودري. سيعرف رودري ان الصبي الذي قتله بتهوره واستهتاره هو ابن مار. كما ان وصول رودري لم يكنمتوقعا من احد وقد يفضي بالحقيقة لابيه. انتزعت رافينا حقيبة يدها وتسللت من غرفتها وتناهت اليها اصوات الضحكات الصادرة من الردهة ومثل الشبح اتخذت سبيلها عبر طريق السلم الضيق الذي يقع عند نهاية الدهليز وقادها الى باب جانبي وفي استعجالها نسيت غضب زوجها عندما يكتشف اختفاء عروسه المفاجئ. وعندما بلغت ساحة الحديقة كان الجو مشبعا بالضباب الخفيف الذي ينظر بالمطر. لم يرها احد حينما دلفت مسرعة الى الكراج لتستقل سيارتها وتقودها الى الطريق حتى بلغت ساحة محطة سكة الحديد التي وجدتها مهجورة كما يم صمت مطبق على المكان عندما سارت على الرصيف بدا القطار على مرمى البصر وهو يسعى عند احد المنحنيات حتى بلغ المحطة الصغيرة وملأها بضجيجه وانفتحت الابواب وهرولت الاقدام تغادر القطار وظلت رافينا ساكنه في مكانها حتى اقبل عليها شاب نحيل القامة اسمر للون يحمل في يده حقيبة سفر من القماش ويرتدي سترة جلدية فوق كنزة احكمت فتحتها عند عنقه لتقيه برودة المطر. وضع رودري الحقيبة على الرصيف وحدق في وجهها مدة ويلة ثم قال ضاحكا: " رافينا لقد كبرت واصبحت كائنا كاملا وساحرة صغيره خضراء العينين " مكثت رافينا صامته ولم تعرف ما تفعله سوى التطلع اليه. وهاهو يعود بعد افتراق دام شهور ولم تسطع ان هذا الوجه المألوف لديها وهذا الصوت الذي تعرفه يخصان شخصا متهورا ومخمورا وهو يقود سيارته. وقف بعيدا عنها فالافضل له ان يتأملها من بعيد وتفحصها مليا ببصره وتأمل ثبها الاخضر ثم قال: " تبدو عليك الاناقة...اين ابي؟ " " رودري تعال معي الى السيارة. لابد ان اتحدث معك " واصطبغت عيناه بالقلق وسألها: " هل ابي بخير؟ هل هو مريض ثانية؟ " وهزت رأسها بالنفي قائلة: " لا انه احسن حالا مما كان عليه في الايام الماضية انه يعمل بعض الوقت في وظيفة باحدى الشركات في منصب اداري كما انه عضو في المجلس المحلي. وانت يا رودري تبدو عليك الصحة " لم تلاحظ رافينا عليه اي دلالة على انه يكابد الشعور بتأنيب الضمير ومن الجلي ان مدة ثمانية عشر شهرا قضاها في استراليا ساعدته على ان تمحو من ذارته ما حدث في سردينيا. التقط حقيبته والتفت ذراعه حول وسطها وراح يقودها الى السيارة وقال لها: " اشعر بأنني لائق صحيا اما انت فيبدو على وجهك الشحوب. لم تعد عيناك تضحكان كعهدي بهما. هناك شئ خطأ اليس كذلك؟ " ولم تجب على تساؤله ودلف الى السيارة وجلست وراء عجلة القيادة وعندما امسكت بها شعرت به يحدق في يدها اليسرى ورأى خاتم الزواج والى جواره خاتم اخر من الزمرد الخالص يتألقان في اصابعها وفجأة قال: " رافينا !! " واستدارت نحوه تقابل عينيه المصدومتين قائلة: " ارسلت لك برقية اخبرك فيها بزواجي ولم يكن لدينا ادنى فكرة بأنك في طريقك الى الوطن " " تزوجت؟ " " هيا بنا وفي الطريق سأخرك بكل شئ " كان المطر اشبه بالضباب يكتنف الهوء وهي تقود السيارة خلال دروب المدينة الهادئة واخبرته بكل شئ في صوت هادئ غير عاطفي وجلس الى جوارها مدهوشا. اشعل لفافة تبغ وسحب نفسين ثم سحقها والقى بها خارجا وكأنه يكابد مرارة الصدمة ثم قال لها: " لا يمكنك احتمال الامر. سأخبر ابي بكل شئ " قالت ببرود: " وتقتله؟ الا تظن انك ارتكبت ما فيه الكفاية؟ مات طفل صغير " وكسا وجهه قناع من الالم والاسف المرير وهو يقول: " رافينا انا...ظننت انه يمكن نسيان كل شئ. انني اخطو على درب الجبن مرة اخرى " " كل ما سنفعله هو عدم ايذاء جاردي. هل تسمعني يا رودري؟ " " لكن ما هو الثمن يا رافينا؟ " " زواجي " واوقفت السيارة عند منحنى هادئ والتفتت تتطلع اليه واردفت قائلة: " سأعتاد العيش في ارض غريبة " " مع رجل لا تحبينه ؟" " هل قلت اني لا احبه؟ " " انا اعرفك جيدا يا رافينا عيناك لا تجمدان بل تبعثان الدفء ما دمت سعيدة كانت تتألقان يا رافينا في الايام الخوالي " قاطعته قائلة: " لا داعي للحديث عن الايام الخوالي لن تخر غاردي بأي شئ عما حدث في ساردينيا انتهى الامر ولن يعود الصبي اصغير الى الحياة " " انت فتاة صغيره حمقاء يا رافينا هذا الزواج يجب ان يفسخ قبل ان يبلغ مداه. يا الهي. هل تظنين اني سأدعك تعيشين مع رجل اجبرك على الزواج منه؟ هل تعتقدين ان ابي سيتخلى عنك لو عرف الحقيقة؟ " قالت: " يجب الا يعرف يا رودري! ان قلبه لن يتحمل الموقف اسأل دكتور شاني " سألها وقد لاح وجهه في عينيها وكأن السنين تقدمت به: "بهذه الدرجة من السوء؟ " سألته: " هل اعتقدت انك تستطيع الافلات دون ان تنال عقابك؟ مارك دي كورزيو يكابد ندوبه على وجهه وفي اغوار نفسه. هل تسمعني يا رودري؟ انه يكابد ندوبه " عندئذ انهار رودري وبدأ ينتحب كالطفل الصغير فربتت على شعره الاسود وحاولت تهدئته وتمتمت قائلة: " يجب ان تمكث في فندق القرية الى الغد. انت لا تستطيع ان تقابل جاردي في هذه الحالة ومن الافضل ان تتوجه الى البيت بعد ان ارحل ان ومارك الى ساردينيا هل تفهمني؟ " هز رأسه. وعندما استعاد رباطة جأشه ثانية ادارت المحرك وقادة السيارة في اتجاه الفندق ولكنها لم تجرؤ ان تترك رودري وحده كان اليأس مسيطرا عليه وفي امس الحاجة اليها فمكثت معه في ردهة فندق ]الذئب والحمل[ وراحت تجاذبه اطراف الحديث. وقال رودري شاحب اللون: " رافينا سيقتلك عندما تعودين اليه " وتطلعت الى الساعة المعلقة على الحائط وشعرت باصابع باردة تعتصر قلبها ولاول مره فكرت في مارك وفي غضبه قالت: " اجل..يجب ان اعود يجب ان تعدني يا رودري بأنك لن تفضي بشئ لأبيك. سيكون الامر فوق طاقته " وثبت عينيه على وجهها وقال: " وماذا عنك انت؟ " وقفت على قدميها وتناولت حقيبة يدها ووشاحها وقالت: " سأكون بخير كما يقول لي كل واحد اليوم. مارك ثري وصاحب قرى وله مكانة مرموقه في سردينيا وسوف اصبح سيدة بيته " وزمجر رودري قائلا: " كأن هذا كله هو ما يهمك. انت الفتاة التي اعرفها جيدا انت ابعد عن كل انانية " قال ضاحكة: " لا تجعلني ابدو في صورة ملاك. وعلى فكرة جونيث كيريو مازالت عزباء وفاتنة كأغنية ويلز. تذكر كيف كنت دائما ميالا اليها. جاءت اليوم لتشهد حفل زفافي واشارت قائلة ( اليس من العار ان لا يحضر رودري زفافك) " وعندئذ هرعت رافينا تبتعد عنه وعن الردهة وعن الفندق لترتمي في احضان الليل والمطر. قادت سيارتها عائدة الى رافنهول عيناها الخضراوان متجمدتان كحجر الزمرد الذييزين خاتمها وحدثت نفسها في انها تستطيع ان تتحمل اي شئ الان حتى غضب مارك. دخلت المنزل لتجده خالي من المدعوين ولم يبقى شئ سوى الزهور مدلاة في مزهرياتها وقد تناثرت بتلاتها على ارضية القاعة. وعندما اغلقت الباب الامامي وقع نظرها على شبح طويل يقف وسط الصالة الخافتة الضوء وسعى مارك اتيا من لمكتبة وشعرت بوخزة من الخوف تسري في اعماقها وهو يتقدم نحوها في سترته السوداء. سألها غاضبا وهو يهز كتفيها بيديه: " اين كنت؟ " ظلت صامتة وعندما اشتدت قبضة اصابعه على كتفيها ولم تتح له الفرصة ليدرك مخاوفها. وكان الهدوء الذيتكلم به اشبه بلسع السياط تنزل فوق جلدها وبعد هذا الصمت قال: " هيا..اخبريني اين كنت؟ سوف تفسرين لي سبب غيلبك وسوف تنتحلين كذبة. كان علينا ان نخبر المدعوين ان وعكة المت بك وان رحيلنا الى المطار قد تأجل. انني اكره الخديعة يا رافينا " " هل حقا تكره الخديعة يا مارك؟ " تطلعت اليه وتساءلت: " اي اسم اخر يمكن ان يطلق الناس على زواجنا؟ " ثم اردفت تقول: " لاشك انك سمعت عن الاضطرابات العصبية التي تعتري العروس في ليلة زفافها سيطرت بعضها على نفسي ووجدت انه من الخير لي ان انطلق بنفسي خارجا لفترة وجيزه " طوى طرف كم سترته وتتطلع الى ساعة يده وقال: " لكنك امضيت عدة ساعات ومن حقي ان اعرف اين امضيت هذه الفترة؟ " قالت: " كنت اقوم بجولة في السيارة؟ " كان ما تقوله نصف الحقيقة ولكنها لم تستطع ان تواجه نظرات عينيه وراحت تتطلع الى باب المكتبة المفتوح وسألته: " اين جاردي؟ " " خلد الى النوم وهو جالس على مقعده متوتر الاعصاب قلقا عليك " ومست هذه الكلمات عصبا حساسا عندها وعندما شرعت السير اتجاه المكتبة امسك مارك برسغها وجذبها ثانية واوقفها في مواجهته وسألها: " هل امضيت كل هذا الوقت مع رجل؟ " كان من المحتم ان يحدس جزءا من الحقيقة ولكنها لا تستطيع ان تخبره بالباقي. انها لا تقوى ان تفضيله بعودة رودري الى انجلترا وانها اصحبته في سيارتها. سوف يدركان قاتل ابنه هو الرجل الذي تحب وانها تورطت في زواج لا يقوم على الحب من اجل حمايته. انتابها شعور من اليأس البارد بعث الشجاعة في اعماقها لأن تتحداه فقالت له: " هل ان الاوان يا زوجي لان تصفع عروسك؟ هل رأيت انه من المزلة ان تختفي عروسك في ليلة زفافها وانها لا تمتثل بالخضوع لك حتى يبدأ شهر العسل؟ " حملق في وجهها وشعرت بقبضة اصابعه تهشم عظامها وسألها معايرا: " كم يلزمك من الوقت حتى تعرفيني حق المعرفة؟ هل تتصورين ان ما احبه في المرأة هو الخضوع فقط وليس شيئا اخر؟ " " يبدو انك قدمت اعذار واهية للمدعوين عن غياب عروسك. وهذا ما دعاهم للدهشة " " اظن ان دهشتهم منا ستلازمهم لعدة اسابيع مقبلة. وسيتوهمون يا رافينا انك ما تزوجت مني الا لاجل مالي, واين اجد المرأة التي يمكن ان تحب وجها مثل وجهي؟ " التوت شفته بابتسامة شاحبة وامسك بذراعها الاخري ومال عليها ولكنها جاهدت لكي تبتعد عن وجهه المشوه بالندبة. ولابد انه قرأ في عينيها ما يخالجها فقد كانت لا تحس بأية رقة في لمسته وهو يميلها فوق ذراعه حتى بدا شعرها وكأنه جناح من اللهب يجابه نسيج كمه الداكن. تمتم قائلا: " انظري مليا في وجهي. يجب ان تعتادي عليه لاني لا اريد ان يكون زواجنا مجرد ظل " تركها وسار بعيدا عنها تجاه السلم حيث استدار ينظر اليها وقال: " نمضي الليلة في رافنهول ونرحل غدا " وصمت فجأة ثم انفجر ضاحكا وبهدوء قال ساخرا: " لا حاجة بك الى اغرائي بعينيك. ان شهر العسل سوف يبدأ في سردينيا وليس هنا " وتراجعت اصابع يدها في بطء عندما غاصت فحوى كلماته فيعقلها المتعب وقالت: " انت تقصد...." قال: " سنطير غدا جنوبا. الليلة ستقفين صامدة على قدميك فأنا لست شيطانا كما ابدو لك " ولاح الاجهاد والدموع في عينيها وهي تتطلع اليه. لو ان لها الشجاعة ان تفضي له بأنها كانت بصحبة رودري ولكنها كانت تخشى ثورة غضبه. كما انها لا تثق في رحمته واخيرا قالت له: " انا..انا..يجب ان اذهب الى جاردي " الا انها لم تكد تبلغ باب المكتبة حتى استدارت لتلقي نظرة اخرى على مارك. وعندما اسرعت بالدخول الى المكتبة تململ وصيها في مقعده وفتح عينيه وابتسم قائلا: " مارك كان غاضبا. لا تهربي ثانية يا عزيزتي انت امرأة متزوجة الان. انت تعرفين ذلك " وضغطت وجنتها على كتفيه وقالت: " اجل يا جاردي " " كنت دائما فتاة ذات بصيرة نافذة. اليس كذلك؟ هل انت متأكدة من انك سعيدة مع هذا الرجل؟ " وادركت نبرة الحرص والشك في صوته وفي الحال رأت انه من الضروري ان تبعث الطمأنينة اى نفسه: " واي شئ تنشده الفتاة عندما تتزوج من رجل؟ " وابتسمت ابتسامة عريضة في وجهه الذي تحبه وتحترمه كثيرا. ثم قبلته في وجنته وحدثت نفسها بأن غدا سيعود رودري الى البيت والى ابيه وسيكون في ذلك عزاؤه عندما يجتمع شملهما.
*** نهاية الفصل الاول***
2-من يجرح الحجر؟
الدروب حول الجبل ضيقة ملتوية حول نفسها وبدت السيارة وكأنها تحيد عن مسارها لتستقر في اعماق البحر. وكانت الرياح تلطم زجاجها مما اضاف مزيدا من الاحساس بخطر داهم خاصة ان قيادة سيارة على حافة ارض غريبه ومتجهة الى غاية مجهولة كان في نظر رافينا ضربا من الخيال. جلست رافينا صامتة في المقعد المجاور قرب زوجها واغمضت عينيها حتى لا ترى المنحنيات التي تتلوى عبر الطريق ويبدو ان عاصفة الصيف اقتفت اثرهما منذ غادرا بريطانيا وظلت ملازمة لهما طوال الطريق. قال مارك بعد مضي ساعة من الصمت: " اسف ان صورة الجزيرة التي افسدتها مياه الامطار هي اول منظر يقع عليه بصرك " وفتحت رافينا عينيها فوقع بصرها على الصورة الجانبية التي حدد معالمها ضوء العاصفة فشاهدت السنة النار وقد تركت بصماتها على صفحته وبعد صمت وجيز استطرد قائلا: " يعتبر كاستيل دي توري واحدا من اجمل معالم سردينيا عندما تلقي الشمس بأشعتها عليه ويعبق الهواء برائحة الليمون " كان يتحدث اليها كواحد من ممثلي شركات السياحة وهو يحاول ان يقنعها بأنها بحاجة الى الشمس فقط لكي تعشق مدينته. تسائلت هل يمكنها ان تحب هذا المكان النائي الذي يقع بعيدا عن وطنها وعن جاردي الذي استأجر مدبرة منزل لترعى شؤونه. بذلت رافينا جهدها لكي تقاوم حنينها الى الوطن الذي راح يؤرق مضجعها وتطلعت الى يد مارك وهو يدير عجلة القيادة ثم نقلت نظرها الى اثار الندوب التي انحرفت غائرة في جلده الاسمر وكان مارك يركز انتباهه على الطريق عندما قال لها: " لابد انك تشعرين الان بالاعياء ولكن بعد ميل او اكثر ستلوح لك كازاتشيبريسو وستشاهدين اشجار السرو التي تعلو في كبد السماء كالمشاعل وسط الامطار. ومن المحتمل جدا ان يصفو الجو غدا وتشرق الشمس وتحت الكازا تقع بساتين الليمون التي تقترب من البحر والكروم المزروعة على جوانب التل. سألته بأدب: " هل تمتلك حصة من الارض؟ " وشعرت انه يبتسم باستياء واجاب: " مساحة جيدة انا معروف هنا باسم بارون الارض والفلاحون الذين يعملون في ارضي هم احفاد الفلاحين الذين عملوا عبر السنين مع اجدادي الاحداث لا تتغير سريعا في سردينيا لان اسلوب حياتنا ماهو الا صورة مستمرة للماضي" قالت واصابعها انعقدت على حقيبة يدها وتشبثت بالجلد: " انت تقصد النظام الاقطاعي وانت نموذج للاقطاعيين. كلمتك هي القانون في هذه الجبال والناس يحنون هاماتهم اجلالا لك " قال: " لا ينحني اي سرديني لاحد انا احمل اللقب فقط ولكنني لا احصل على حصة من انتاج الارض اكثر مما يحصل الاشخاص الذين يفلحونها " " وانت لك العسل اليس كذلك؟ ام ان زوجتك وحدها سوف تستخلص العسل لك " القى مارك نظرة سريعة عليها وسألها : " عم تتحدثين؟ " " في الايام الغابرة كان الاقطاعيون في مقاطعة ويلز يفوزون بنصيب الاسد في كل شئ ويستخلصون العسل للحاكم ويقمون بتقديمه له في قصره الذهبي" " اذا سوف تستخلصين العسل يا رافينا لتقدميه قربانا لسيد القصر " قالت ضاحكة: " اجل يا مارك سأقدم ثيابي وشعري كما يفعل اي عضو سابيني فانني لا املك سواهما " " سيانديك اهلي باسم ((بادروتشينا)) اي السيدة الصغيرة " واشاحت ببصرها عنه وتطلعت زائغة البصر عبر النافذة المجاورة لها وراح يتحدث اليها وهو يعتقد ان عروسه سعيدة وفي لهفة الى رؤية بيته الجديد . ويبدو انه كان لا يأبه كثيرا انها ستعاني الوحدة والخوف من وجودها في ارض غريبة مع رجل لا يحبها ولا يهتم بامرأة لا تكن له الحب. كانت ترى ان الحب وحده كفيل بان يبعث في المرء الشجاعة والرغبة في رؤية الاشياء الجديدة ومقابلة حب استطلاع الناس ومواجهة عداوتهم. كانت رافينا هي الزوجة الثانية التي تأتي الى قصر السرو وحدثتها غريزتها ان دوناتا كانت جذابة ومحبوبة من الجميع وتتميز بالشعر الاسود والعينين الناعستين كفتيات الجنوب. استدارت العربة عند احدى منحنيات الطريق الجبلي ولاحت في الافق اشجار السرو وبرجا منزل مارك الذان يبرزان عاليا فوق الصخور المطلة على البحر. كان القصر يبدو كقلعة مظلمة كئيبة واشجار السرو في هيئة حراس حوله ومضى لبرق بصورة متقطعة عندما اوقف مارك السيارة ورأت رافينا درجات سلم حجري وعددا من المصابيح الحديدية معلقة على الجدران التي تحيط بالباب الامامي المرتفع. لفحت الريح خصلات شعرها وملابسها وهي تغادر السيارة وسارت حتى وقفت عند اولى درجات السلم ويبدو انه لم يكن مناسبا ان تصل الى هنا اثناء هبوب العاصفة. انضم اليها مارك ولاحظت قطرات المطر تعلو صفحة وجهه وبريقا يتلألأ في عينيه. قال لها: " اهلا في بيتك الجديد " وقبل ان يلمسها هرعت تصعد درجات السلم لتقف تحت المدخل هربا من المطر كانت ترتجف اضرابا وتحرص الا تكشف اضطرابها قالت له وهو يقرع الباب: " استطيع ان ادرك سبب عدم وجود مفتاح للباب في حلقة مفاتيحك. هل الامور هنا في الكازا تأخذ مظهر الفخامة الملكية؟ " قال مارك وهو يتأمل الباب الكبير المثبت في الجدران السميكة للبيت: " البيوت تبنى هكذا عاليا حتى تتحمل موجات الرياح اشمالية العنيفة الباردة وموجات الرياح الشرقية الجافة المثقلة بالغبار. ولاشك ان الابراج اقيمت لتعطي القلاع مظهرا يشيع الرعب في قلوب القراصنة الذين ينزلون في الساحل تحتها. وقديما قالوا ان بيت الرجل هو قلعته التي توفر الحماية لعماله واهل بيته " وادركت من طريقة حديثه انه يجد سعادة وفخرا بالبيت القديم المتين البنيان الذي عاشت فيه اجيال متعاقبة من اسرته واحبته اشد الحب ولهذا السبب كان يتوق الى انجاب ولد يكون وريثا لهذه القلعة. وفي هذه اللحظة انفتح الباب وسارت رافينا الى القاعة الكبرى حيث كان وميض البرق يكشف دروعا عربية واثاثا عتيقا ولوحات عائلية معلقة على الجدران المطلية باللون البرونزي المتوهج كقطع الخشب المشتعلة بالمدفأة. صاحت رافينا قائلة: " نار!! " صيحة ارتياح من شخص يكابد البرد في داخل جسمه وخارجه واسرعت تركع فوق السجادة الصوفية وتشابكت اصابع يدها طلبا للدفء وطقطقت الاخشاب المشتعلة التي كانت الظاهرة الوحيدة المرحة في تلك القاعة الكبيره ثمسمعت صوتا يتسائل: " اذن...هذه هي العروس؟ " جاءت الكلمات فجأة من بين الظلال فالتفتت رافينا واجفة القلب ورأت شخصا يجلس في مقعد بجوار المدفأة. كان للمقعد ظهر مرتفع والنقوش تزين مسانده وارجله وكان الشخص الذي يحتل المقعد امرأة عجوز ترتدي ثوبا اسود بينما ارتاحت قدمها على مسند القدمين. استقرت عيناها على رافينا. عينان سوداوان لا تشع الابتسامة فيهما راحتا تتأملان وجه الفتاة الشاحب وعيناها الخضراوان وشعرها الاحمر الذي بلله المطر. وتطلعت رافينا الى مارك ورأت سمات الكبرياء في ملامحه وهو واقف الى جوار المدفأة وامتدت يده ليساعدها على الوقوف فتوهج خاتمه والقى الضوء على ندوب وجهه فأجفلت رافينا من لمس يده ونهضت واقفة على قدميها دون الاستعانة به ولم تحاول ان ترى القسوة التي ارتسمت على فمه فقال لها: " دعيني اقدم لك زوجتي دونا جوكاستا ليوناردي عادة ادعوها لانونا عندما اكون هادئ المزاج " تمتمت رافينا بالتحية التقليدية وكانت قد تمنت ان تلتقي بجدة مارك اذ اعتاد ان يتكلم عنها بحنان فهو سلتي وبينها وبينه شئ مشترك ولو ان دونا جوكاستا تتحدث الانجليزية بطلاقة الا انها لم تكن على مودة معها ولا شك انها تفكر هذه اللحظة في عروس ساردينيا التي اتى بها حفيدها الى البيت منذ ست سنوات مضت وكان على مارك ان يبتسم وتألقت عيناه عندما طلب شرابا وقال: " انه من الواجب احتساء نخب لهذه المناسبة السعيدة " ونهضت دونا جاكوستا واقفة على قدميها فجلجل ثوبها الحريري الاسود مثل اوراق الشجر الجافة وقالت: " هل تسمحون لي بالانصراف لانني امضيت اليوم بطوله في الاشراف على اعداد غرفكم وتنظيف البيت. انا متعبة يا ماركوس وسأتناول وجبة خفيفة في غرفتي قبل النوم " قال بصوت يشوبه غضب هادئ : " ان تناول كأس معنا لن يستغرق وقتا طويلا " وتطلعت جدته نحوه ثم الى رافينا ولاحت ومضة من الحقد في عينيها عندما استقرتا على رافينا وقالت: " لم تتقدم بي السن كثيرا حتى انسى ان العشاق يحبون الانفراد وانا واثقة من ان عروسك تفضل ان تستحوذ عليك لنفسها " وسارت الجدة نحوه وربتت على خده المشوه بالندوب وجالت يدها المتألقة بالخواتم فوق صفحته لتشاهد رافينا ملامحه مرة اخرى ورأت الجدة في عينيها نفورا من لمس مارك لذلك قررت ان تتركها وحدها في صحبته حتى تعلم نفسها ان تكون تحت رحمة طلباته. واحست رافينا بالبرودة تسري في اوصالها حتى وهي قريبة من دفء النار حين قالت السيدة العجوز لها : " ليلة طيبة. ارجو ان تجدي غرفتك مريحة. حجرة العروس حجرة كبيرة ولكن ولا واحدة من عرائس اسرة كورزيو كانت تشكو منها " رافق مارك جدته حتى فسحة واسعة تقع عند اول درجات السلم بينما وقفت رافينا تتطلع الى النار. وتنبهت رافينا عندما شعرت بيدي مارك فوق كتفيها عندما انضم اليها وهي مستغرقة في هذا الجو الصامت وقال لها : " لا تتبرمي بما قالته لانونا انا سيدة عجوز من اهالي سردينيا وهي غاضبة لانني لم اتخذ زوجة من بنات جنسي فأهالي سردينيا متعصبون لعشيرتهم ويتصفون بالكبرياء " قالت رافينا بصوت هادئ: " يبدو لي يا مارك ان زواجك مني جلب الشقاء الى قلوب ثلاثة افراد! " وادار وجهها لمواجهته ورحلت يده اليسرى من كتفها حتى استقرت على رسغها وسألها: " ما الذي يدعوك الى الظن بانني شقي؟ بالتأكيد انت تعرفين يا رافينا انني اجدك فتاة جذبة بشعرك الاحمر وبشرتك البيضاء وعينيك البحريتين اما عن سحرك....." وحدقت في وجهه واحست كأن قناعا اسدل على وجهها فحال دون رؤيته فسألته: " الا تجعل لمشاعري حسابا لديك؟ هل انا مجرد شئ بالنسبة اليك؟ " انفرجت شفتاه وتلألأت اسنانه وسط وجهه الاسمر المشوه بالحريق واستدار عنها وهو يقول: " انت انسانه تدخل السرور الى القلب يا سيدتي ....هاهو ذا رينزو اقبل لنا بالشراب سوف نحتسي نخبا وسنشعر بالدفء يسري في عروقنا " وصب الشراب من قنينة زجاجية في كأسين ثم ناولها احداهما واحست ببرود الكأس في يدها اما الشراب فكان ذهبي اللون ورفع مارك كأسه وقال بلهجته الايطالية: " تحياتي " ونظرت رافينا اليه برزانة وقالت له ببرودة: " لم اتعود بعد على لغة اهل ساردينيا " قال: " سأعلمك كل شئ عن اهل ساردينيا " كانت عيناه تحملان معنى عميقا وهو يقرب الكأس من شفته ثم اردف قائلا: " لا يمكن ان يتحقق التفاهم يا رافينا بدون نشوب معركة او اثنتين..هذا ما يدفئني " جالت رافينا ببصرها على الجدران وتطلعت الى صور الاشخاص الغريبة عنها وابصرت الظلال تلقيها الشمعدانات وفسحة السلم الكبير المؤدي الى البهو ثم عادت لتقول له: " ان ما يدفئني حقا مختلف تماما يا مارك لانني لست ممثلة كتبت لها عواطفها لكي تؤديها انا هنا معك ومع هذا لا اشعر بأي عاطفة " فسألها ساخرا: " ولا حتى الخوف؟ " وتحولت ببصرها من سلم الغرف العليا الى غرفة العروس التي سوف تقاسمه النوم فيها وقالت له : " هناك عواطف اقوى من الخوف يا مارك " احتسى نصف مافي الكأس ثم قال: " اظن ان العاطفة المخادعة اقوى من الخوف ولكن لا مبالاتك تسعدني الى ابعد حد " وفي لحظة ارات ان تقول انها تشعر بالامبالاة نحوه ولكن هذا الشعور لم يكن صحيحا لانها كانت تحس بقوامه ولونه الاسمر وكبريائه كلها ممثلة في وقفته امام المدفأة بل انها كانت تحس بعظمته...فقط عندما كان يشيح جانب وجهه المشوه بالندبة بعيدا عنها . قال: " انتهي من احتساء كتفك حتى نتوجه الى غرفتنا انت في حاجة الى انعاش جسمك بعد هذه الرحلة الطويلة وقبل ان نتناول طعام العشاء " واتخذا سبيلهما الى فسحة السلم ورأت وجود عدة غرف وممرات تؤدي الى اجزاء مختلفة من المنزل ولكن رافينا احست انها ليست سيدة القصر وشعرت بانها شخص غريب لا يشعر بالالفة في بيته. قال ماركوهما يرتقيان السلم متجهين الى البهو: " جناحنا يقع في برج الفارس " ثم استدار شمالا وسارا في ممر يقود الى سلم ضيق واحست رافينا وهي تسير الى جواره بانه لم يقم مع دوناتا في جناح الفارس وانما عاشا في الجناح الاخر فسألته: " ماذا يسمى البرج التوأم؟ " " برج المادونا اطلقت عليه هذا الاسم احدى جداتي وهي فتاة حالمة من توسكانا وان كان اهل ساردينيا لا يستسلمون لمثل هذه الخيالات الرومانتيكية لانهم اناس عمليون " كانت هناك نافذه تجاور سلم البرج وتسمح بدخول ومضات البرق التي كانت تهز اعصاب رافينا وربما كان البرق والظلال المتراقصة سببا في ان تسرع بارتقاء الدرجات حتى كادت تقع على وجهها لكن مارك كان اسرع منها اذ مد يديه ليحفظ توازن جسمها وفجأة التفت ذراعاه حولها فقاومته رافينا وهي تحاول الفرار منه مرددة: " لا...لا..." لكنه امرها قائلا: " اهدئ تماسكي...اليس من التقاليد المتبعة ان يحمل العريس عروسه ويعبر بها عتبة المنزل؟ " وفي خطوة طويلة حملها وعبر بها عتبة غرفة النوم حيث كانت المصابيح مضاءة والحطب مشتعلا في المدفأة والدفء يشيع في ارجاء الغرفة واثاثها. وظل مارك حاملا رافينا ووجهها على مبعدة من شفتيه اللتين لا يبدو عليهما اية ملامح من الرحمة وقال: " انت تنظرين الي وكأنك تزوجت شيطانا " قالت: " انا متعبة يا مارك وانت دائما تعذبني " واسبلت جفونها كأنها لا ترغب في رؤية نظراته ومع ذلك كانت تحس بعينيه تتأملان شعرها وبياض بشرتها ولاول مرة في حياتها ادركت كيف تبدو امام رجل وكيف جعلها تشهر بانها مسلوبة الارادة. ولما كان هذا الرجل هو مارك فانها كانت تود ان تنشب اظافرها في جسمه حتى يشعر بالام. قالت له بوحشية: " كم اكرهك. واكره هذا المنزل وهذه الجزيرة التي تفخر بها احجار مبنية على احجار وانت لا تقل حجرا عنها " قال ساخرا: " مجرد كلمات, هل تظنين ان مجرد كلمات تستطيع ان تجرحني؟ " قالت له: " وهل تظن ان شيئا يمكن ان يجرح حجرا الا الحجر. ولا يوجد شئ اكثر برودة من امرأة باردة " قال: " مجرد وعود من شفاه ناعمة " ثم اردف يقول: " انني لم اتزوج منك من اجل كلمات ناعمة او نظرات ناعسة او خضوع مستأنس وانما تزوجت منك لانني اريد طفلا بكل الروح والمرح الذي ان يتمتع به دريستي " واحست في هذه اللحظة انه يتجرع الالم وان العذاب القاسي هزه حتى دفعه الى ان ينزلها من على ذراعيه ويبعدها عنه بقوة والقسوة تكسو وجهه المشوه بالندوب. قال: " لقد احضروا لك ماء للاستحمام " واشار الى اباريق نحاسية موضوعة على عتبة الحمام ومناشف دافئة وستارة شفافة اسدلت امام الحمام ثم اردف يقول: " اسباب الراحة هنا ضئيلة الى حد ما ولكنك ستشعرين بالدفء قرب المدفأة. دبرت لانونا وصيفة صغيرة لخدمتك لان اغلب الخدم هنا من الرجال وهذه الليلة يمكنك تبيرها بنفسك " قالت رافينا بهدوء: " لا حاجة بي الى وصيفة. انت تعرف انه ليس لدينا واحدة في رافنهول واني اعتدت ان ادبر اموري بنفسي " " انت الان في كازاتشيبريسو والموقف متغير. سوف اخبر رنزيو بأن يجلب فتاة صغيرة من فتيات القرية. انت البادروتشينا ولابد ان يكون لك وصيفه خاصة تهتم بملابسك وتصفيف شعرك " قالت له وهي تنظر اليه بنظرات متحدية: " الا يعجبك شعري كما تراه يا سيدي؟ " " ستعيدينه كما كان بالامس وهو تحت طرحة الزفاف وسوف ترتدين ثوبك المخملي الذيشاهدتك به حينما قدمت لتناول الطعام في رافنهول اول مره. هل احضرت الثوب معك؟ " وراودتها الرغبة في ان تخبره بانها نسيت الثوب في انجلترا وقبل ان تتفوه بكلمة سار مارك الى دولاب ملابسها وفتح ابوابه الكبيرة ورأت ثيابها منسقة على المشاجب وبدا لها الثوب المخملي الذي رفعه مارك من مكانه. واحست ان اصرار مارك على ارتداء هذا الثوب يعد تدخلا سافرا في استقلالها الشخصي وارادت ان تنتزع الثوب من يديه وان يدعها وحدها. قالت له: " حسنا لن ارتدي الثوب " وضع مارك الثوب على الفراش وقال لها: " سأكون في الغرفة المجاورة وسأدعك وحدك حتى تستعدي لحفل العشاء الذي اعد خصيصا لزفافنا " توارت وراء الستارة وفضت ثيابها عنها وراحت تستمتع بدفء الماء الساخن الذي هدأ اعصابها المضطربة وبعدما استحمت لفت جسمها في منشفة كبيرة وغادرت الحمام وسارت حتى وقفت امام منضدة الزينة وشد انتباهها علبة من القطيفة مفتوحة تحتوي على قلادة زمرد مزينة بسلسلة مرصعة بالماس. سرت رعدة في بدنها وخشيت ان يكون مارك دخل الغرفة اثناء استحمامها ليضع العلبة على منضدة الزينة وشاهدها من خلال الستارة الشفافة. وكلما فكرت قليلا وجدت انه من حقه ان يأتي ويخرج من غرفة نومها كما يشاء وان يقدم لها حلية اعجابا. ورأت ان القلادة تتماشى مع خاتمها وثوبها المخملي الاخضر وشعرها الاحمر. اشاحت بوجهها عن الهدية وارتدت ثيابها بيدين باردتين كالثلج وعقدت شعرها في تصفيفة كالتاج وسمعت مارك مرة او مرتين يسير في الغرفة المجاورة وثارت اعصابها عندما قرع الباب يستأذن في الدخول فأذنت له ودخل وهو يرتدي ثياب السهرة وبدا في قوامه الفارع رجلا بل سيدا للموقف. قال: " اه...انت مستعدة...تقريبا ! " وتطلع اليها من قمة رأسها الى اخمص قدميها فرأى بشرتها البيضاء تبرزها فتحة ثوبها المخملي وشعرها الاحمر الذي يزين رأسها وعينيها الخضراوين كالزمرد في اصبعها. واحست رافينا باغماءة خفيفة عندما رأت ومضة اعجاب من نظراته. تقدم مارك والتقط القلادة من علبتها المخملية واستدار حتى وقف خلفها وقال: " دعيني اثبت القلادة حول عنقك " وتطلع الى المرآه وسلط بصره على نظراتها واردف يقول: " تعجبك القلاده يا رافينا اليس كذلك؟ " قالت بصوت بارد: " انها رائعة للغاية انها جزء من ميراث العائلة وانا اخذته اليس كذلك؟ " فقال لها: " انت اخذتيه لاني اعطيته لك. هناك قرط يتماشى معها ولكنك في الوقت الحاضر صغيرة على ارتدائه. اذناك صغيرتان وهما جميلتان في حد ذاتهما ويجب الا نفسد جمالهما بأقراط ذهبية ثقيل. انت فاتنة وكل عرائس اسرة دي كورزيو ترسم لهن صورة ذاتيه في السنة الاولى من الزفاف وسوف استدعي الرسام ستيليو فابريزي ليرسم لك صورة " لم تجد رافينا اي جدوى من المعارضة ولو قدر لها ان تعيش في ساردينيا لتمنت ان تفجر الصخور التي يقوم عليها القصر والبحر الذي يقع تحته وفي هذه اللحظة راودتها الرغبة في ان تسبح ولكن خالجها شعور بالبكاء وهي تتقدم مارك وتخلف وراءها غرفة نوم الزفاف. اعدت مائدة العشاء وصفت عليها اطباق لحم السمان والفاكهة وكؤوس الشراب وفي وسطها وضعت الزهور وعلى ضوء الشموع اقبلت رافينا على تناول الطعام بشهية ولم ترفض كأسا ثانية قدمها لها مارك بعثت الدفء في جسدها واصابت عقلها بخمول وكان ذلك مقبولا مع الغربة التي تحيط بها. تحدث مارك اليها عن الجزيرة وتلريخها حتى تركا المائدة وتوجها للجلوس بالقرب من المدفأة وجلس مارك على اريكة كبيرة بينما راحت رافينا تصب له فنجان قهوة. قال لها: " الامسيات بدأت تميل الى البرودة " ناولته فنجان القهوة وهي تتجنب لقاء نظراته وقالت له: " احب النار انها تجعل الغرفة تبدو في صورة بهيجة " قال بالايطالية: " حسنا " وشعرت بنظراته تحدق فيها وهي تجلس على مقعد بمساند. سألها: " هل تبعث هذه الغرفة على البهجة؟ " وتطلعت حولها وشاهدت الشموع مازالت مشتعلة ورأت لوحة جص في السقف تصور عاشقين من العصور الوسطى تشابكت ايديهما والحوريات ترقص مع الهة الاغريق. كانت الغرفة تتسم بالوثنية مثل الرجل الذي يراقبها برأسه الاسود الذي اسنده على ظهر الاريكة الحمراء. قالت: " لابد اننا نعيش في قرن اخر غير هذا القرن كأن الزمن توقف هنا وان ايام الثأر والمبارزات وصيد الصقور مازالت تعيش بيننا " " هل ضايقك ذلك؟ ربما تمتين بصلة لتلك الايام. لديك سمة العصور الوسطى التي قيل انها تعود تحيا على بعض الوجوه. انها سمة من الكآبة والحزن " سألته: " هل لي ان ابتسم يا مارك؟ " وبينما كانت رافينا تسأله التقت بعينيه الحالكتين السواد. نزعة الثأر بدأت تموج في اعماقه ولن يسلم شرفه حتى يدفع برينين ثمن موت دريستي ويطفئ لهيب الالم الذي يحرق قلبه. وتحولت نظراتها الى النار واللهب الذي راح يسري في اطراف الحطب وفكرت ان تهرب من مارك كان في متناول يدها اذ كتب لها رودري ذات مرة رسالة بعث بها من استراليا متوسلا لها والى ابيها ان يلحقا به هناك لانه اصبح يفتقدهما كثيرا ولكن نيوسوث ويلز كانت تبدو لها نهاية العالم وان الرحلة منهكة لجاردي. سألها مارك: " هل ان قلقة على جاردي؟ " انتابها توتر مفاجئ اليس غريبا ان مارك يقرأ افكارها. اجابت بصوت يشوبه الالم: " انا..انا افتقده " " هذا شئ طبيعي " " اوه....مارك " واحست كأن سكينا يغوص في قلبها واردفت تقول: " هل تهمك مشاعري..وهل يقلقك انني اشعر بالاسى لبعادي عنه..ان عزائي الوحيد هو وجود رودري معه " وخيم صمت مطبق عقب ان تفوهت بكلماتها وتطلعت الى مارك ورأت الشرر يتطاير من عينيه فقال: " اذن رودري برينين موجود في رافنهول. انه برينين الذي توجهت اليه لمقابلته عقب زواجنا مباشرة. وكان يجب عليك رؤيته! كان من المحتم عليك تحذيره لكي يكون بعيدا عن طريقي " قال بيأس: " اجل ارسل برقية وكان لزاما علي ان اراه. كنت خائفة للغاية " سألها : " خائفة على عنقه الثمين؟ " كانت عيناه تتألقان بوميض يجذبها اليهما ويغرقها في بحرهما فقفزت واقفة على قدميها وفي قفزتها اقتربت حافة ثوبها من لهيب النار وتعلق لسان من السنة النر بحافته وعندما ادركت الخطر الداهم اطلقت صرخة ووجدت الماء ينسكب من دورق زجاجي واحست بيدين تمسكان با وترفعانها بعيدا عن النار. قال مارك: " ايتها الحمقاء الصغيرة !" ولاح امتقاع لون وجهه تحت جلده المحترق فبدت الندبات جلية واضحه. واردف يقول: " هل اعماك رودري برينين حتى اصبحت لا ترين شيئا ابدا " وراحت يداه تعالجان الكدمات التي لحقت بها وكانت تنورة ثوبها المخملي بللها الماء واصبح غير صالح للارتداء. ولم تعد ترى سوى جانب وجهه المحترق والجحيم الذي ذاقت به ذرعا وقالت معارضة لا مدافعة: " لا " وكانت صرخة اطلقتها ضد الالم الذي قتل شعور الرقة فيه وكل اتزان في نفسه. وتركها ترحل عنه وادار وجهه بعيدا عنها وقال لها: " خير لك ان تتوجهي الى الدور العلوي لتستبلي ثيابك المبتلة وسألحق بك بعد فترة " تركته واتخذت سبيلها عبر الصالة وارتقت الدرجات وارتجفت بردا عندما لمست اصابعها ثوبها المبتل الذي شوهه الحريق فلن يكون في وسع مارك يدع الرسام يمسك فرشاته ليرسمها وهي مرتدية هذا الثوب المشوه. انه سيجف حتما ولكن الحروق افسدته وشعرت بارتياح حينما وصلت غرفتها في البرج وخلعت الثوب. كانت اغطية الفراش مطوية وعليها ملابس النوم فأرتدت ثيابها على ضوء المصباح والنار المشتعلة في المدفأة ثم جلست فوق مقعد مستدير وراحت تتأمل الوهج الاخير للنار. كانت هذه ليلة زفافها...ولا جدوى ان تسأل مارك امهالها حتى تعتاد عليه وعلى بيته..اجفلت عندما سمعته يدخل الغرفة المجاورة ومع مرور الثواني ازداد قلقها وراحت تعبث بخاتم زواجها الذهبي الذي احست به ثقيلا في اصبعها وسمعت صوت سقوط مفتاح على المنضدة وحرير السرير الذي نم عن جلوس مارك على حافته ليخلع حذائه. لم تستطع رافينا ان تبارح مقعدها حينما فتح باب الغرفة المجاورة فجأة ووجدته ماثلا امام عينيها في روبه الحريري الاسود وراحت تحدق فيه بعينيها الواسعتان وقد استحال لونها الى صفرة اشبه بصفرة ثوبها. قال لها بينما شعرها الاحمر ينسدل مسترخيا على كتفيها: " يجب الا تجلسي هكذا فالنار ذوت تقريبا اقفزي الى فراشك " ولكن رافينا لم تستطع التحرك من مكانها وبدت الغرفة يثقلها ظله حينما اقبل عليها ورفعها من فوق المقعد وحملها الى السرير ووضعها على الفراش واقترب بوجهه منها ورأت الغضب مازال يتطاير من عينيه. اصبح يعرف الان انها كانت بصحبة رودري حينما اختفت من قاعة الاستقبال في يوم زفافها وانه لن يغفر لها ما فعلته. قال لها وهو يجدل خصلات شعرها الاحمر حول عنقها: " ايتها الساحرة الصغيرة " انتابتها رجفة لم تستطع السيطرة عليها لان رودري وحده كان يناديها بعبارة الساحرة الصغيرة فأغمضت عينيها حتى لا ترى وجه مارك المعذب في ضوء المصباح. قالت له صائحة: " اطفئ المصباح..اطفئ المصباح " وخيم الصمت... وسمعت صوت فرقعة ولم يكن صوت اطفاء المصباح وانما صوت مزلاج الباب الذي اغلقه مارك بعد مغادرته غرفة النوم اذ تركها وحدها بينما كانت خصلة الشعر مازالت مجدولة حول عنقها والدموع تنهمر من وجنتيها.
***نهاية الفصل الثاني***
-رجل لا كالرجال
اخيرا نامت رافينا بعد ليلة حالكة وسهاد طويل. وعندما استيقظت في الصباح كانت الشمس تتسلل الى غرفة نومها تحمل معها الدفء وشذى الاعشاب ونسمة البحر. ظلت في فراش العرس تتأمل الغرفة ووقع بصرها على المقعد المستدير قرب المملكة فتذكرت انها جلست عليه بانتظار مارك وحملها كالطفل بين ذراعيه وربما لسلوكها الطفولي معه تركها ولم يمسها. فنشجت بالبكاء ونامت وحدها في غرفة الزفاف. غادرت الفراش لتجد دلوا نحاسيا مملوءا بالماء الدافئ واستمتعت بحمام اعاد الانتعاش اليها ثم فتحت خزانة ملابسها واحست برغبة تحدوها ان تتمتع بالحرية والانطلاق خلال يومها فاختارت بلوزة ملونة وسرولا فضفاضا ومشطت شعرها وارسلته على ظهرها ووضعت لمسة من احمر الخدود لتخفي معالم شحوب وجهها الذي نجم عن التوتر الذي كابدته خلال اول ليلة امضتها في الكازا. وعندما اتخذت طريقها للخروج من الغرفة وشرعت تهبط درجات السلم الحلزوني للبرج شعرت بالجوع ينشب اظفاره في معدتها. ولم تجد اي اشارة تنم عن وجود مارك افترضت انه يقوم بجولة تفقدية على البساتين وحقول الكرم التي تحيط بالكازا. وبدأت رافينا تتسائل اذا كان البيت قد هجره اهله عندها رأت رينزيو يعبر الصالة في سترته البيضاء ثم قال لها بالايطالية وهو يحدق في سروالها الفضفاض: " صباح الخير يا بادرونسيتا " قالت له بالانجليزية: " احب ان اتناول طعام الافطار يا رينزيو " وكانت تعلم انه يفهم الانجليزية لان مارك اخبرها اثناء تناول طعام العشاء بأن رينزو كان يعمل في فنادق اوروبا. قال: " البادرون لم يعد بعد من جولته الصباحية وعلى البادرونسيتا ان تنتظره لتنضم اليه في الشرفة المطلة على البحر حيث اعتاد تناول افطاره" بدت رغبة شفافة في نظرتها وهي تسأله: " الشرفة التي تطل على البحر؟ انني لم ارها...هل تقودني اليها؟ " وانحنى رينزيو ثم سار في ممر ضيق وعبرا مدخلا يؤدي الى الشرفة التي امتلأت بأشعة الشمس والمفعمة بهواء البحر وكانت الشرفة تبرز من الامام لتطل على البحر مباشرة ومحاطة بسياج من القضبان الحديدية تأمينا لسلامة الواقفين. وتمتم رينزيو قائلا: " البادرونسيتا سوف تنتظر وصول طعام الافطار " قالت: " اجل " وسارت الى نهاية الشرفة مأخوذة بمنظر الجبال والامواج تتكسر فوق الصخور التي تجمعت على الشاطئ كأنها اطلال قلاع محطمة وشاهدت النسور ترفر فوق صفحة المياه ادهشها ان يحب مارك تناول طعام الافطار في مثل هذا المكان. هذا الملك الذي يتمتع بمشاهدة هذه المناظر الطبيعي وسيد هذا البيت الكبير القائم على المعقل الصخري...هاهنا ملأت المرارة فمه فقسا قلبه بعد موت ابنه دريستي وخاصة انه يملك كل هذه القرى بلا ابن يرثها. وقفت رافينا عند سور الشرفة والريح تعبث بشعرها وعلى سماتها ملامح العروس الاسيرة وكانت تعلم ان مارك سينظم اليها حالا فتوترت اعصابها من مقابلته بعد الموقف الدرامي الذي شاب فراقهما ليلة امس وانذرتها اعصابها بدنو وصوله قبل انتسمع وقع خطواته فوق ارضية الشرفة. امتلأ الجو بشحنة كهربائية استطاعت ان تشعر بها وهي تسري في عمودها الفقري الذي تجمد عندما وقف وراءها وهو يقول: " صباح الخير. اظن انه لم يستغرق منك وقت طويل حتى تعثري على وكري اخبريني كيف ترين الكازا والبقاع المحاطة بها بعدما اشرقت عليها شمس الصباح " قالت: " اكثر وثنية مما كنت اتصور " وشعرت بضربات نبضها عندما تحولت لمواجهته ووجدته يتأمل الشمس وهي تسقط بأشعتها على شعرها وكانت تتوقع ان تلاقي منه برودا هادئا ومقاطعة مهذبة بعد ما حدث ليلة امس ولكنه ابتسم ورفع حاجبا متعجبا للملاحظة التي ابدتها وسألها: " هل ترينه وكر قاطع طريق يحتفظ بك رهينة انتظارا لفدية يدفعها اهلك لانقاذك؟ " وتناول يدها التي تتحلى اصابعها بخواتمه واحنى رأسه الاسود ومست شفتاه يدها فاشتمت رائحة ثمار الليمون عالقة بثيابه كان اذا يقوم بجولة في حقول الليمون التي نضجت وغدت معدة للعصر وتعبئة عصيرها في مصانع الحمضيات التي على مبعدة من الجزيرة ذلك ان دي كورزيو ماركة مميزة على جميع المشروبات المماثلة. وتتمثل الماركة بصورة نمر جاثم فوق صخرة يلعق الماء من نهر متدفق. سألها وفي صوته نبرة سخرية: " هل استمتعت بنوم عميق؟ " لم تستطع ان تتطلع الى نظراته وهي تجيب على سؤاله بأنها نامت نوم عميقا. قال: " حسنا " وتحول عنها عندما ظهر رينزيو في الشرفة وهو يحمل صينية عليها الوان من الطعام ويتبعه خادم صغير السن يحمل دورق القهوة. وراح الخادم الصغير يحدق في شعر رافينا الاحمر لانه اعتاد ان يرى فتيات كاسيل دي توري بشعر حالك السواد واضطر رينزيو الى ان يزجره فانصرف خائفا وشعرت بان الخادم الذعور بعث في اعماقها بمزيد من الغربة عن ذي قبل وقام رينزيو باعداد مقعد امام المائدة جلست عليه رافينا فقال له مارك: " يمكننا ان ندبر امر افطارنا بأنفسنا " قال لها: " يبدو سلوكك غريبا معهم " وراحت تراقبه وهو يصب لها القهوة ويقدم لها طبقا من حلوى التروفيل وشريحة من الخبز المقدد. واستطردت تقول: " انهم غرباء بالنسبة الي. انك لا تتصور ماهية شعوري يا مارك نصف حالمة لا اكاد اتصور ان هذا المكان واقع حقيقي. وان زواجنا تم فعلا " قال لها: " تناولي طعامك يا رافينا. ان التروفل مثل الحب يفقد شيئا من نكهته عندما يصبح باردا " وكانت رافينا تشعر دائما بقبضة تعتصر قلبها اذا ما بدأ يتحدث عن الحب. ماذا يقصد بالحب؟ ان يمسك بها بين ذراعيه يمتلكها دون ان يشعر بأية حرارة مما كان يشعر بها نحو دوناتا...فتاة الجنوب التي فقدها كما فقد دريستي. كسرت رافينا الخبز ودهنته بالزبدة ووجدت التروفل حلو المذاق واللحم لذيذ وحاولت الا تفكر بطعام الافطار الذي اعتادت ان تتناوله مع جارديوقريبا من جبال ويلز المألوفة لديها ومن وراء نوافذ رافنهول. سألته: " هل تتناول جدتك طعام الافطار في غرفتها؟ " " اجل...لانونا بدأت تشعر بسنها المتقدم وغالبا ما تمضي الليل تكابد الارق فينتابها الاعياء في الصباح وقد اعنادت وصيفتها بابتستا ان تقرأ لها اذا جافاها النوم. ستجدين القوة في شخصية السردي فلا يلتبس عليك الامر فتظنين انهم يفتقدون الحنان. وحينما تعتاد لانونا عليك وتتقبل حقيقة كونك زوجتي ستكتشفين انها اقل تهكما عما حدث حينما التقيت بها يوم مجيئك " لم تستطع رافينا ان تمنع نفسها من السؤال: " هل هناك علاقة بين كون المرء سرديا وبين كلمة ساردونيك* ؟ " " هل تظنين انني شخص متهكم مرير؟ " قالت: " بالتأكيد ان زواجنا اكبر دليل على مرارتك " " اذن انا شخص مرير...وانت تشعرين انك ضحية لمرارتي " " اعرف انه شئ فظيع بالنسبة اليك ان تجتاز هذا الشعور ولكنه دفعك الى ان تكون قاسيا وانه لقسوة منك يا مارك ان تتوقع ان يكون سلوكي ينم عن رغبة في انني اريد ان اكون هنا وما المسألة الا مجرد وقت اعد فيه نفسي كزوجة للتكيف على حب زوجها " قال: " لا اطلب ان تمنحيني حبك " فسألته: " لكنني اسأل عن نفسي انا...وماذا اريد؟ " " اذا كنت تريدين رودري برينين فأظن انه خير لك ان تبقي معي " وكانت كلماته باترة كحد السكين التي كان يستخدمها في قطع شريحة من البطيخ المفعمة بالعصير. سألها: " هل تحبين ان تتناولي شريحة منها؟ ان بطيخ الجزيرة حلو المذاق " هزت رأسها وقد تشبثت اصابعها بحافة المائدة عندما رأته يضيف السكر الى شريحة البطيخ وراح يلتهم الثمرة بهدوء يبعث على الجنون ورأت ان اهتمامه بها كامرأة لا يزيد عن اهتمامه بشريحة البطيخ. سألته: " هل تأذن لي بالانصراف؟ " وامسكت بمنشفتها والقتها الى جانب طبقها وشعرت بنظراته مسلطة عليها عندما تركت المائدة وتوجهت نحو جدار الشرفة ووقفت تحدق في الجبال التي لمستها اشعة الشمس الذهبية ولقي الجمال الوثني للمنظر صدى لشعورها بالشقاء ورأت ان هذا المكان يجب الا يكون مضيئا وانما يجب ان يكتنفه الظلام الدامس حتى يتلائم مع حالة اليأس التي تكابدها. سألها مارك: " هل تذكرك جبالنا بويلز؟ " " لا شئ هنا يذكرني بوطني " " انت تحملين في نبرة صوتك برودة ويلز " قالت: " وفي قلبي ايضا...يا مارك " واستدارت للتخذ وضع المدافع ثم اردفت تقول: " الا يكفي اتك حصلت علي لا تطلب ان احب سجنك " " يبدو لي كأنك تزمعين الثورة ضد الجزيرة...وضدي انا " نهض واقفا وسار نحوها مثل النمر المتحفز للوثوب وحينما دنا منها رأت بوضوح الندوب محفورة على يديه فتذرعت بالصبر لكي تتحمل لمساته حينما ادار ذقنها واجبرها ان تنظر الى عينيه قائلا: " هل تظنين انني تزوجتك لشعوري بالمرارة فقط؟ هناك شئ اكثر من هذا يا رافينا " قالت: " الرغبة...." وشاب كلمتها احساس بالكراهية له. قال وعلى شفتيه ابتسامة متهكمة: " اجل...بعض من هذا بالاضافة الى انني اكتشفت انك مثيرة مزيج من البراءة والخداع. انت وحدك يا رافينا لديك القدرة ان تجعلي اعصابي تفلت مني او اسيطر عليها بسرعة. لديك روح عالية وانا لا احب تحطيم اي روح عالية " " ولهذا السبب لا تحمل في يدك سوطا...لانك في غنى عنه؟ " " الشخص الضعيف فقط يحتاج ان يمسك سوطا ليروض امرأة او حصانا " " اذن انت تنوي ترويضي؟ " هز رأسه وراح يدفع خصلة من شعره الى الوراء بعيدا عن حاجبيه ثم قال: " لا...عندما نمتطي سويا جوادينا ربما ستعثرين لجواب على سؤالك وعندما نكون سويا على صفحة الماء وفي خضم العاصفة ستعرفينني اكثر. لست احب الاشياء التي تروض. انني سردي احب بربرية شمسنا في اوج الصيف وقوة الريح عندما تهب من الجبال ولسعات اشجار السرو ولطمات امواج البحر وسقوط حبات الزيتون تحت اشجارها. انا سردي يا عزيزتي! اننا لا نقبل اية تسوية للامور مذلة ولا نقبل ترويضا لاخضاع المرأة " وعندما نظرت اليه عرفت السبب الذي دفعه الى ان يتركها ليلة امس فان الخوف الذي تملكها لم يجذبها اليه فالرجل يحب من المرأة ان تتحول دموعها الى ابتسامة وتشعره في انها بحاجة اليه فقالت فجأة: " دعني ارحل يا مارك " وتطلع اليها بابتسامة لوت شفته وابعد يديه عنها واستند على سور الشرفة الذي يحول دون سقوط المرء الى اعماق البحر واستطردت تقول: " دعني ارحل الى وطني اعني ..حررني من هذا الزواج " " هنا وطنك " " يمكننا...يمكننا ان نفسخ هذا الزواج...يا مارك... " وتحول ببصره ليحدق في امواج البحر الثائرة وبدا جانب وجهه المشوه مثل الحفر على وجه عملة برونزية وقال: " تطلبين شيئا لا استطيع ان امنحك اياه. اطلبي ملابس...حلي...حديقة تزرعينها بالورود...حصانا لنفسك وفتيات يسعدهن التعرف عليك. لا ابخل بأي شئ ولكن في حدود المعقول " " هل يعتبر فسخ الزواج شيئا بعيدا عن المعقول...اننا لم... " قال مقاطعا حديثها: " سيحدث يا رافينا...فقط انني لم استعد شيئا مما قلته لك يوم اتيت من رافنهول واخبرتك عن دريستي. سأمنحك كل شئ يمكن لرجل ان يقدمه لفتاة. فقط امنحيني طفلا منك انت يا رافينا بكبريائك وعينيك الجميلتين وولائك لأسرة برينين " " الولاء! الولاء! " كانت الامواج تردد الكلمة في عقل رافينا وطيور البحر تصرخ عاليا وكان مارك وحده يرددها وهي تشعر امامها بالعجز يشل سكناتها. قالت: " الطفل يولد من الحب...كما ولد دريستي " نظر اليها بخشونة فبدت اكثر غورا عن ذي قبل وقال: " لن نتحدث عن دريستي ولكني اريد ان اريك بعضا من ضيعتي الشمس حارة ومن الافضل ان اعثر لك على قبعة " وعثر مارك على قبعة قش في كهفه وهو غرفة فيها كل اسباب الاسترخاء والهدوء. ثبتت رافينا القبعة فوق رأسها دون الاستعانة بمرآة وسوت شعرها تحتها وجعلت حافتها تظلل عينيها. " انت لست مغرورة بمظهرك " " الغرور كالخوخ سهل الخدش وفي اي حال انا لست فاتنة " قال مارك : " انا سعيد بذلك. ان اي رجل يعيش في اعماقه شيطان الغيرة لا يستطيع ان يتحمل مغازلة احد لزوجته. تعالي دعيني اريك حدائق الليمون " وفتح بابا يفضي الى الحدائق التي امتلأت بأشجار الليمون حيث راح عدد كبير من الرجال يتفحصون الثمار وتمهل مارك ليتحدث معهم وليقدم اليهم عروسه. وادركت رافينا انه يبغي بذلك ان يوطد اواصر زواجه فأصبحت في نظرهم امرأة البادرون واي تفكير في فسخ الزواج يقلل من قدر سيدهم ومكانته عندهم. وتذكرت انه قال لها في استعلاء وكبرياء: " انا سردي " وبدأت رافينا تدرك تماما ان الكبرياء والكرامة تعنيان الشئ الكثير لدى اهالي سردينيا...ساردينيا حيث تنمو ازهار الزيتون بين صخورها والشمس تغرق التراب بأشعتها وقوة الارض تكسو وجوه ناسها ورائحة الاعشاب واشجار السرو تملأ التلال التي انتشرت فوقها حدائق الزيتون. كانت القرية تقع على قمة التل وابواب المنازل والنوافذ ضيقة وسطوحها تميل في انحدار واحد والحوانيت اشبه بالكهوف تنبعث منها رائحة الحبوب والاعشاب وقامت رافينا بجولة في القرية فشاهدت الكنيسة العتيقة ورأت النافورة التي تتوسط الميدان وكانت النساء قد تعودن على تعبئة جرارهن منها حتى تمديد انابيب الماء من الجبال الى البيوت. وادركت رافينا ان مارك بذل جهده لتوصيل الماء الى بيوت القرية ولمحت بعض النسوة جالسات امام الابواب يعملن في مغازل صغيرة كل واحدة تنحني برأسها للبادرون بينما تحدق في قوام رافينا النحيل وسروالها الفضفاض. رؤية هؤلاء النسوة ذكرتها بدونا جوكاستا التي كانت تأمل ان يتخذ مارك عروسا من بنات جنسه ولم تستطع رافينا ان تقاوم رغبتها في ان تتطلع الى داخل البيوت فرأت الدجاج يمرح في الفناء والاثاث العاري من كل مخيط وكان الاطفال يتلقون تعليمهم في مدرسة القرية وعندما مرا ببابها قال مارك: " المعلم السنيور لاندولفو يتناول احيانا طعام الغداء في الكازا " وفي هذه اللحظة خرجت طفلة من المدرسة تبحث عن شئ فقدته على الارض وفجأة انحنى مارك ليلتقط منديلا سقط بالقرب من الباب وتحدث معها وهو يقدمه لها ولكنها ولت هاربة عندما رأت وجهه المشوه ورأته رافينا يسحق المنديل في قبضة يده ثم وضعه على قمة عمود الباب وواصلا سيرهما. قالت رافينا بسرعة: " لا تأبه يا مارك " ولأول مرة ادركت مدى الجرح الذي اصابه عندما فزعت الطفلة من رؤية الندبة الغائرة على وجهه وولت منه هاربة. ولمست ذراعه ولكنه سحبها بعيدا عنها ليس غضبا وانما كنوع من الشعور بالاستقلال والكبرياء. قال: " ليست هذه المرة الاولى التي ارى فيها النظرة الخاصة في العيون. تعالي ان هذه الدرجات الضيقة ستقودنا الى الممر المؤدي الى الكازا " اشتدت حرارة الشمس ولمحت رافينا منظر البحر وودت لو تسأل مارك ان يتوجها الى الشاطئ فيرطبا اقدامهما في مياه البحر لكن صمته بعث القشعريرة في اوصالها وشعرت بالسعادة عندما بلغت اخيرا جدار فناء الكازا واخبرها ان هناك بعض الاوراق تنتظره في مكتبه ويريد انجازها. القى نظرة على ساعة يده وقال: " يمكنك تسلية نفسك بأي شئ او ربما تحبين التحدث الى جدتي فهي في هذه الساعة تتناول قهوتها في صالونها واظن انك تشعرين بالجفاف في حلقك بعد رياضة المشي تحت اشعة الشمس " وادركت رافينا انها لابد ان تعقد صداقتها مع لانونا اجلا او عاجلا فوافقت على اقتراحه بتناول فنجان من القهوة معها وقالت له وهو يسير نحو المكتبة: "هل تنوي احتساء قهوتك...وحدك؟ " فالتفت نحوها وهو يضع يده فوق مقبض باب مكتبه ثم قال لها: " ان ما لا ابتغيه منك هو الشفقة " وفتح الباب ودلف الى المكتب وحده. نزعت رافينا قبعتها وسوت شعرها ودخلت الصالون وكانت دونا جوكاستا جالسة تحتسي قهوتها وتدخن سيكارا رفيعا ولم تستطع رافينا ان تمنع نفسها من التطلع الى السكار وهي تقول: " هل استطيع الانضمام اليك؟ " القت لانونا رماد السكار وهي تقول: " يوجد فنجان اضافي لماركوس اين هو؟ " " لديه اعمال يريد انجازها في المكتبة " " كنت اظن انك شغلته لتستمتعي برؤية القرية. تعالي واسكبي قهوتك لا تقفي هكذا نصف جسمك داخل الغرفة ونصفك الاخر خارجها " اجابت رافينا بلهجة من يدافع عن نفسه: " ارادني مارك ان ازور القرية " وسحبت العجوز نفسا من سيكارتها بشكل ساخر وقالت: " الم يقل لك ايضا ان تحاولي مصادقتي؟ " ثم اضافت: " انت بحاجة الى اكثر من عينين خضراوين لذلك " وتحرك اندهاش عميق في داخل رافينا حين تبين لها انها ومارك على علاقةوطيدة وانها لا تعلم كم هي جزء من مأساة مقتل دريستي وتشوه حفيدها. ارتجفت يد رافينا قليلا وهي تسكب القهوة وسرت حين جلست في الكرسي المريح لان الاعصاب خانت قدميها. ولم تكن الدونا جوكاستا تقبلها لانها ليست من الجزيرة فكم سيكون كرهها لها اعمق لو عرفت سبب اختيار مارك لها عروسا . سالتها العجوز: " ه اعجبك شئ في بلدنا؟ " قالت رافينا وهي ترتشف القهوة: " انا اعتدت اناكون بنت قرية ولذا استمتعت بالتجول في القرية ووجدتها مثيرة للغاية " قالت الجدة بتحامل: " انت تتحدثين وكأنك تقومين بزيارة سريعة لها. يجب ان تعتبري كاسيل ديل توري من الان فصاعدا بيتا لك. هنا ستعيشين حيث تسلط الشمس اشعتها على جدران الكازا والرياح الشرقية تهب ساخنة وجافة وتدفع الاعصاب الى التوتر وعندما يأتي الشتاء تهطل الامطار فتتعرض الطرقات للمخاطر ولكنها لا تحول دون سفر مارك وحده فهو اعتاد على الا يصحب زوجته معه في مثل هذه الاحوال الجوية حتى لا تصبح الكازا تنعى الوحدة عندما يرحل في رحلات العمل " قالت رافينا بيأس: " انا...انا سوف ارحل معه. عندما يسافر الى بريطانيا سوف يأخذني معه. ان اهلي يعيشون هناك " " اهل سردينيا يؤمنون ان مكان المرأة هو بيتها " " مارك لن يتوقع مني ان اخضع لهذه القاعدة " وسحبت دونا جاكوستا نفسا عميقا من سيكارها وقالت: " وماذا تعرفين انت عن مارك بعد بضعة ايام من زواجك منه؟ انا تعهدته بنفسي منذ وفاة امه عند ولادته ورأيته يشب حتى اصبح رجلا هذا الرجل الذي لا تعرفينه...الرجل الذي كان قب الحادثة تتاهفت عليه فتيات القرية. وكان في وسعه ان يختار اجملهن... ذات العطر الفواح...والمزاج الحلو " وتطلعت البادرونا العجوز مليا في وجه رافينا ثم اشارت الى خزانة خشبية تستند الى الحائط وقالت لها: " اذهبي وافتحي الدرج الثاني وستجدين في داخله اطار صور من الجلد احضريه لي " وامتثلت رافينا لطلبها فتوجهت الى الخزانة وفتحت الدرج الثاني وشاهدت اطارا جلديا من النوع الذي يضم صورتين فأحضرته ادونا جاكوستا التي قالت: " افتحيه وشاهدي الصور " واطاعت رافينا بينما قلبها يخفق خفقات سريعة وكما توقعت كان الالبوم يضم صورتين احداهما صورة لعروسين والاخرى صورة شخصية لمارك فتطلعت اليها ورأت وجه شاب نحيل شديد الجاذبية عيناه السوداوان تضحكان ويملاهما الفرح والرغبة في الحياة وفمه جسور ينعطف حادا مما يتوافق مع حاجبه الايسر. كانت هذه هي ملامح صورته منذ ستة اعوام اما الصورة الاخرى لمارك فلم تكن معروفة لها وهي صورة زواجه بفتاة مشرقة ترتدي طرحة تحيط بشعرها الاسود وعينيها المخمليتين. وسألتها دونا جاكوستا: " هل تعرفين ان زوجة حفيدي الاولى كانت بهذه الصورة الجميلة ولها لوحة زيتية في برج المادونا تصوري روعة جمالها حينما كانت هي ومارك في اوج سعادتهما. يجب ان تذهبي لمشاهتها. دوناتا كانت حقا هدية من السماء لرجل مثل حفيدي وعندما استعادتها السماء اخذت معها معظم قلبه. وعندما مات طفلهما ادرك مارك بأنه لن يحب مرة اخرى بالرغم من انه كان من المحتم عليه ان يعيش مرة ثانية " واطفأت سيكارها في مطفأة نحاسية وكانت طريقة اطفاء السيكار لها دلالتها الواضحة وكأنها تريد ان تؤكد لها ان الحب لن يستطيع ان يندلع مرة اخرى في قلب مارك. قالت الجدة: " من فضلك ارجعي اطار الصور الى الدرج ثانية. انها ذكرى مؤلمة لمارك ولذلك احتفظ بها سرا " واطاعتها رافينا طاعة عمياء ولكن الوجوه التي رأتها في الصور راحت تجول في اعماق عقلها ويطردها شبح سعادتهما وعندما عادت تواجه لانونا قالت لها: " ارجو ان نكون اصدقاء اما اذا اصررت على معاملتي كانسان غريب..." قاطعتها الجدة قائلة بوضوح: " انت فعلا غريبة دخلت المنزل ليلة امس وكأنك اتيت ضد رغبتك هل كنت تأملين ان يعيش حفيدي معك في بريطانيا " واطلقت الجدة ضحكة ازدراء ثم واصلت حديثها : " انت تزوجت من سردي وجذوره ضاربة في هذه الارض وارضه هي حياته. وتزوج ثانية مثلما يفعل عندما يريد ان يزرع ارضه من جديد بعد موسم الحصاد...انه يريد ابنا له " واشاحت رافينا بوجهها عندما احست بالعداوة في عيني الجدة التي راحت تتفحص قوامها النحيل وقالت لها: " مارك احمق. ان اي فتاة في الجزيرة تستطيع ان تمنحه نصف دسته اطفال اذ يبدو من تصرفاتك كأنك لم ترغبي يوما في ان يلمسك رجل " وكانت ملاحظة شديدة ابدتها دونا جاكوست التي رأت جانبا من الحياة فأصبح في وسعها ان تتبين بوضوح نظرة العروس المدلهة بالحب وقد رأت من رافينا موقف الممانعة متخذة مظهر الانسانة الاسيرة وكأن افكارها واشواقها تعيش على مبعدة اميال سألتها لانونا: " هل انت شقية؟ " بدأت رافينا تسير نحو الباب وهي تقول: " كيف اكون سعيدة وانت تقولين لي انني افتقد المزايا التي يجب ان تتوفر في الزوجة. لست محبوبة ولا يرحب احد بوجودي ومع ذلك لا استطيع ان اعد حقيبتي وارحل بحرية من هذا البيت " وجذبت الباب تفتحه واسرعت تهرب من صالونها وانزوت في كهف مارك راغبة الا يعثر عليها احد. كان موعد تناول طعام الغذاء قد حان وعثر عليها رينزو ولكنها تمسكت بالصمت وهي تتناول الطعام مع مارك وجدته. وعندما غادرتهما الجدة لتستمتع بالقيلولة علمت رافينا من زوجها ان حفل الزفاف قد اعده اهل الضيعة وسيقام هذه الليلة. واشعل مارك سيكارا واستلقى على المقعد ثم قال: " هذا الحفل دائما يقام عندما يتخذ البادرون لنفسه زوجه. سوف تستمتعين به وسيرقص الشباب رقصة ايطاليا الشعبية...الترنتيلة. وسترتدي الفتيات ثيابهن القومية وستنتخب فتاة منهن لتقدم لك هدية " وعضت رافينا شفتيها ورأت بعيني خيالها وجه دوناتا المشرق فقالت: " ولكن يا مارك هذا معناه انه لم يسبق لك الزواج من قبل " لاحت مظاهر القوة في عينيه وعلى فكه وهو يقول : " سيقام الحفل وعشيرتي في انتظاري. انهم يعملون بجد واهتمام وعند حدوث مناسبة سعيدة يمرحون بحماس شديد وانت يا سنيورا دي كورزيو ستشعرين بالسعادة وانت مرتدية اجمل اثوابك " قالت له: " هل نسيت انك القيت الماء البارد ليلة امس على اجمل اثوابي " قال: " اجل حتى انقذك من الاحتراق وانا اعرف كيف يشعر المرء عندما يلسعه نار الحريق " قالت: " مارك انني اسفة لانني ابدو بلهاء في موقفي تجاه الحفل. لم اتوقع اقامته..و.. " واكمل كلامها : " والحديث الذي تبادلته مع لانونا ترك في نفسك شعورا بالاكتئاب " ومال بجسمه الى الامام وتطلع مليا الى وجهها وكانت رافينا تجلس على وسادة وذراعيها حول ركبتيها فبدت صغيرة السن ووقورة. واردف سألها: " ماذا قالت لك جدتي؟ هيا اخبريني " " هي...حسنا... قالت انك سوف تتركني في الكازا عندما تقوم برحلات العمل. لي الحق يا مارك...." فقاطعها قائلا: " في ان تكوني بصحبتي.. اليس كذلك؟ " " ان ارى جاردي عندما تذهب الى بريطانيا " قال مارك وهو يعود بظهره الى الوراء ويرفع يده ليدخن السيكار: " مفهوم ولكنني لن اذهب الى بريطانيا الا بعد فترة طويلة. رحلتي المقبلة ستكون الى روما " قالت: " مارك...هل تدعني اذهب معك " ولم تكن رافينا تتصور انها سوف تبقى في هذا المنزل الغريب المسكون بتلك الفتاة التي تضع طرحة فوق شعرها الاسود وصورتها المعلقة في برج المادونا والتي رحب بها الجميع واردفت رافينا تقول: " اعتدت ان اتجول بطريقتي الخاصة ولن اكون مصدر ازعاج وسأبتعد عن طريقك عندما تلتقي بالناس لتجري معهم محادثات العمل " ولاح لها ان وقتا طويلا انقضى قبل ان يقول لها متهكما: " طبعا سأصحبك معي لانني اذا تركتك هنا وحدك ربما تفكرين في الهرب ثانية " وتصاعد دخان سكاره فاختلط بأشعة الشمس التي كانت تتدفق عبر النوافذ النصف مفتوحة وكان لون عينيه السوداوين عميقا وكان جانب وجهه غارقا في الظل فلم تجد الامر هينا لان تشكره على وعده لصحبتها معه في رحلته الى روما. انه يريدها معه لتظل تحت بصره ولم تعد تثق في عدم ثروته اذا ما فكرت في الهروب مرة ثانية. سألته سريعا: " هل زرت روما من قبل؟ " قال: " اجل " ونزع بتفكيره الى الماضي وكأنما كان يتطلع الى الاماكن التي رأها ويحمل لها اجمل الذكريات ثم عاد الى الحاضر ليستطرد قائلا: " قضيت شهر العسل هناك! "
***نهاية الفصل الثالث***
-الظبي والجزيرة
زادت ظلمة الليل باختفاء القمر وازدادت النجوم تألقا وبهاء. وامتلأ المكان بشذى الزهور ورافينا واقفة وحيدة في الشرفة المطلة على البحر تستجمع شجاعتها لتبدو مرحة في الحفل فبعد قليل تتدفق جحافل الناس الى فناء الدار وتضاء المصابيح وتبدأ جوقة الموسيقى بالعزف. ارتدت رافينا ثوبا رائعا لم تجرؤ السؤال عن صاحبته وانما وجدته على فراشها في غرفة برج الفارس وزاد الثوب من تألق سحر عينيها وابرز فتنة وجهها وانتظرت في عصبية حتى يراها مارك وسمعت وقع خطواته الهادئة تعبر ارضية الشرفة حتى وقف بجوارها وامسك برسغها وادارها نحوه لينظر اليها ولم تتفوه بكلمة عندما راحت عيناه تتأملان مظهرها في ثوب الجزيرة. قال: " كم انت فاتنة ولكن ارجوك ان تبتسمي الثوب يخص جدتي وقد طرأت لي فكرة انه يناسبك " وبدت الدهشة في نظرات رافينا وقالت: " هل تقصد ان لانونا سمحت لي بارتدائه؟ " تلألأت اسنانه وسط وجهه البرونزي في ابتسامة وقال: " ليست لانونا...انما جدتي السلتية ديلمزا التي كانت تتحلى بصليب وهي ترتدي هذا الثوب " حكت اصابعه عنقها وهو يثبت حوله السلسلة الذهبية التي تحمل الصليب المرصع باللآلئ واستقر الصليب على صدرها ولمسته رافينا فأحست الدفء الذي بقي فيه من يد مارك. فتمتمت قائلة: " كم هو جميل. شكرا لك يا مارك لانك سمحت لي بارتدائه هذه الليلة " " انا اعطيته لك " " ولكن...." ووضع مارك اصبعه فوق شفتيها ليمنعها من مواصلة الحديث وقال: " لم يرتده احد سوى ديملزا وقد قدمه لها جدي عندما جاءت الى هنا " وشعرت رافينا فجأة بالدموع تحرق مآقيها فقالت: " مارك احيانا تبدو رحيما للغاية " وعرفت يداه طريقهما الى وسطها وقال لها: " ولكني في اغلب الاحيان ابدو قاسيا اليس كذلك؟....كم احب ان تقبليني يا رافينا " ووقفت رافينا على اطراف اصابع قدميها وكانت تنتعل خفي ديملزا الاسودين وقد زينا بشرائط وردية ثم مست شفتاها خد مارك غير المشوه وفجأة شعرت به يتوتر فقد ادرك انها لا تستطيع ان تحتمل لمس ندوبه لأن التفكير في لمسها كان يثير الرعب في قلبها. واحكم قبضة يده حول وسطها فمالت برأسها الى الوراء وزادت عيناها الخضراوان اتساعا عندما مال بوجهه نحو وجهها وظنت انه سيقبلها ولكنه قال: " كان يجب ان يكون الحفل تنكريا...ما رأيك لو انني غطيت وجهي؟ " انطلقت من بين شفتيها صرخة قائلة: " مارك...لم اقصد..." ولكن قاطعها قائلا: " وجهي يفزعك...كما افزع تلك الطفلة التي خرجت من المدرسة " " كفى...." " افزعك ولكنك ستتعلمين كيف تعيشين معه مثلي" وانسحب وقد ثبت ربطة عنقه وارتدى سترة سوداء وقميصا ابيض اللون ثم قال: " تعالي..من الافضل ان نهبط لمقابلة الناس الذين وصلوا فالحفل اوشك على الابتداء " وكان الفناء حاشدا بالناس رجالا ونساء يرتدون افخر ثيابهم يحدوهم المرح والضحك وبدا حب الاستطلاع في عيونهم عندما ظهر مارك في الفناء بصحبة عروسه الشابة فصاحوا: " مرحبا بك في منزلك يا بدرون جئنا للاحتفال بالزواج السعيد " واقبل عدد كبير منهم لتحية رافينا. البعض يضغط على يدها والبعض يقبلها واحست ان ابتسامتها تجمدت على شفتيها ازاء الطريقة المتكلفة التي تنظر بها النسوة اليها وادركت انهن يقمن بمقارنتها بالعروس التي سبقتها ووقفت الى جوار مارك. كانت دوناتا واحدة منهن مشرقة ذات وشاح يكسو شعرها الاسود مثل لون بشرة مارك اما هي فشعرها احمر اللون وبشرتها شاحبة. شعرت رافينا بالتوتر وودت ان تبكي. واحست بالمهانة من الصورة التي تعرض بها على الجميع ولكن سرعان ما زايلتها هذه المحنة عندما اقبل الخدم يحملون اللحم الذي تنبعث منه رائحة الشواء والخبز واطباق المكرونة والزيتون والجبن والطماطم والفاكهة وقناني الشراب الاحمر والابيض وملئت الكؤوس وشرب الجميع نخب البادرون وعروسه وهم يرددون قائلين: " مبروك...فالتباركما السيدة العذراء " واجبرت رافينا ان تجلس بجوار دونا جوكاستا وعدد من صديقاتها وانهلن عليها بالاسئلة العديدة وكانت لانونا تقوم بترجمة فحواها لرافينا التي اجابت عنها افضل اجابة وكم كانت سعادتها عندما بدأت رقصة الترانتيلة. لم تشاهد رافينا الرقصة من قبل وشعرت بعد لحظة بسحرها وخاصة بعدما بدأ الرجال يتسللون الى داخل الحلقة التي عقدها بعضهم وشرعت الموسيقى تسارع في وقعها وبدأت الفتيات في نداء اسماء الشبان الذين يعجبن بهم. وكانت فتاة فاتنة تقف بالقرب من رافينا عندما التقطت زهرة من شعرها والقت بها الى راقص خبير في الرقصة فأمسك بالزهرة ووضعها بين اسنانه البيضاء وترددت ضحكات لم يسبق لرافينا ان سمعتها كانت ضحكات اناس يشتغلون بجد واهتمام ويلعبون بحماسة شديدة وتجري في عروقهم حرارة الشمس الساخنة والريح العاتية وجمال الجزيرة المتوحش. وعندما انتهت الرقصة بدأ الراقصون يرطبون حلوقهم باحتساء الشراب بينما كان عازف الجيتار يشدو بأغنية عاطفية وكانت رافينا تراقب كل ما يجري فرأت مارك يتحدث الى بعض رجاله...ربما كانوا هم هؤلاء الذين سارعوا الى اطفاء السنة الحريق التي كانت امتدت عليه. كانت رافينا تحاول ان تتوارى في الظلال بينما كان مارك يدور بنظراته بحثا عنها وكشف المصباح عن الصرامة التي ارتسمت على ملامح وجهه. قال له احد الرجال بصوت عالي: " بادرون يجب ان نذهب لصيد السمك عندما يحين الوقت. اه يجب ان نصطاد بالرمح حوتا رهيبا " قال رجل اخر ضاحكا: " الرجل صياد وعليه ان يجد فريسته " لطم الرجل الاول ظهر الرجل الاخر وقال: " انت تتكلم عن النساء وتقارن بين صيدهن وصيد السمك. ان صيد النساء افضل رياضة للرجال لانه في الحقيقة ليس من السهل ترويضهن. ما قولك يا بادرون في ان المرأة في ان المرأة الايفة اشبه بالمعكرونة الخالية من الصلصة " اجابه ماركوهو يبحث بعينيه عن رافينا: " المرأة التي لا تتشاجر معها ثمنها يقل. انها تحتل قلب الحياة وحيثما توجد الحياة لابد من نشوب معركة " ضحك الرجال وراحت عيونهم تتفحص النساء في ثيابهن الملونة وكانت هالة من الكبرياء والصراحة تحيط بهن دون ادنى لمحة من خضوع في سلوكهن. وتقدمت فتاة فأزاحت الوشاح الذي يغطي رأس رافينا ومررت اصابعها فوق وجنتها وهي تتمتم: " سيدتي العاشقة " وكشف صوت الفتاة المرتعش عن المكان الذي اختبأت فيه رافينا فأضطرت هذه ان تتسلل من مخبئها وتقف في دائرة ضوء المصباح وفي الحال رأها مارك وعندما اقترب منها احست بأنفاسه تلفح عنقها وكان طويلا اسمر اللون يحدق فيها بنظرة تنبئ الجميع بأنها ملك له. سألها بصوت ساخر: " هل استمتعت بالحفل؟ كما ترين الرجال يرقصون مع زوجاتهم وسيبدو الامر غريبا لو اننا لم ننضم اليهم في رقصهم " وجذبها الى حلبة الرقص وكانت الرقصة لا تعدو ان تكون خطوتين بسيطتين ولكن رافينا كانت تتعثر في رقصها وفجأة اطبقت اصابع مارك على وسطها وهمس في اذنها بقسوة: " هل تكرهين لمة يدي كثيرا؟ " وضغطت وجنته على وشاحها الذي يغطي شعرها وبدت همسته امام الجميع انه محب لها وله بها فأغمضت رافينا عينيها حتى لا ترى المصابيح والمرح الذي ارتسم على وجهه وقالت: " انني احاول يا ماركان ابدو عروسا سعيدة في الحفل. انها لا تكاد تكون غلطتي اذا لم يستطع قلبي مشاركتهم " وتوقفت الموسيقى عن العزف وحانة اللحظة التي يقدم فيها الناس للبادرونسيتا هدية الحظ السعيد. هؤلاء الناس توافدوا يحدوهم حب الاستطلاع لرؤية عروس البادرون ويشعرون بالشفقة نحو هذا الرجل الذي قاس كثيرا من مأساته وهو الان يعيد بناء حياته مع عروس جديدة شابة. تجمع الناس حول العروسين وتقدمت فتاة تفوهت ببعض الكلمات الخجلة وقدمت لها هدية غير مألوفة وكانت الهدية ظبيا منقطا بعيون واسعة وسيقان طويلة وكان دور رافينا ان تقوم على رعايته وتدليله. ربت مار على اذني الظبي وقال مبتسما: " من اين حصلت عليه؟ " تقدم احد الفلاحين وانحنى امام رافينا وقال: " ابني الفلاح اتى به من رحلة بحرية كان يقوم بها سيدي البادرون زوجتك يبو على وجهها تعبيرات ذات مغزى والظبي يجب ان يكون ملكا لها . هز حديثه مشاعر رافينا وقالت له: " اشكرك..اخبرهم يا مارك كم انا ممتنة بهديتهم " مست يده كتفها واحست بالدفء يسري خلال بلوزتها الحريرية فقال لها: " انه في وسعهم ان يشعروا بسرورك...يا عزيزتي " قالت: " الف شكر " وانفرجت شفتاها عن ابتسامة وقورة وكانت عيناها ممتلئتين بالدموع بينما تشعان بشعور الامتنان والخجل لانها استطاعت ان تعقد صداقتها مع اهل ساردينيا الذين يتصفون بالطبية. وكان الوقت يشير الى منتصف الليل عندما بدأت الجموع تستقل عرابتها او تمتطي دوابها عائدة الى ديارها. وكانت تصيح وهي تودع العروسين قائلة: " وداعا...ليلة طيبة " وبدأ وقع الحوافر يخفت تدريجيا وهي تبتعد عن المنزل واطفئت المصابيح واحدا تلو الاخر ووجد البادرون وعروسه نفسيهما وحيدين في فناء الدار. واستند مارك الى شجرة سرو وراحت عيناه تلاحظان الطريقة التي يقبع بها الظبي على ذراع رافينا وكأنه طفل صغير فقال لها: " يبهجك هذا الظبي الوليد...اليس كذلك؟ " قالت: " لم امتلك شئ يبهجني مثل هذا الظبي وانني افكر في اختيار اسم يناسبه وافضل ان اطلق عليه اسم (بامبو) اذا لم يكن هذا الاسم يعني شيئا " قال مارك بكسل: " يبدو الاسم غريبا. علينا ان نجد له مأوى في الاسطبل. هناك يمكن ان يعقد صداقة مع مهر يتيم " حملا الظبي ووضعاه بجوار المهر الذي اجفل وصهل واراد مارك ان يهدئ من روعه فربت عليه بيده وسطع اضوء من مصباح معلق فكشف عن الندوب التي بدت واضحة في يديه. وتطلع اليها مارك فرأها تحدق في هذه العلامات الرهيبة وادرك انها اثارتها وتطلعت عيناها الى عينيه فشاهدت فيهما الرغبة متأججة فقال لها: " هل تحبين ركوب الخيل؟ " " اجل قليلا ". قال: " غدا ستمتطين جوادا معي لنقوم بجولة سويا. اما الليلة....." وصمت قليلا ثم واصل حديثه: " اما الليلة فسوف تتعلمين كيف تعيشين مع وجهي ولمسة يدي التي قد تحرق جسمك " وقبل ان تشرع في التحرك لف ذراعه حول وسطها وبدأت خطواته تغادر الاسطبل وهو يحملها ليمر من تحت البهو المؤدي الى المنزل الغارق في الصمت. والان اصبحا وحيدين تماما بعدما انتهت الحفلة وشعرت رافينا بضربات قلب مارك تدق وهو يرتقي درجات السلم ليصل بها الى برج الفارس. كانت يداه قويتين وهما ممسكتان بها وشعرت انه ليس هناك اي سبيل للهرب منهما. واخيرا وصلا الى الباب فدفعه بقدمه فانفتح وكانت القناديل المعلقة بجوار الفراش مضاءة وتلقي بظلالها المتوهجة على الاغطية المطرزة التي تكسو السرير الكبير وتتطلعت ببصرها الى الفراش ثم الى الوسادتين عندما انزلها مارك عن ذراعيه لتقف على قدمها. ترنحت رافينا من جراء المرح الذي استمتعت به وشراب الجزيرة الذي انتشت به ولانه حملها على ذراعيه الى غرفة العروس بمقصد لا يخطئ معناه ولم تشعر الا ويدها تمسك بأحد اعمدة السرير وتاجها الاحمر يهوي من فوق رأسها ووشاحها يتهدل من فوق كتفيها. وشخصت ببصرها نحو مارك فامتلأت عيناها بالخوف من هذا الغريب الاسمر الذي يعد زوجها وهو ينظر اليها بعينين سوداوين تحترقان بلهب مكبوت. قال لها بهدوء: " لم يكن من شروط الاتفاق ان نعيش منفصلين. انت تعرفين بنوده قبل زواجنا ولابد انك ادركت معنى كل كلمة من كلماته. انني اريد زوجة " وابيضت اصابع يدها وهي تقبض على عمود السرير ثم قالت: " لكي انجب لك ولدا...اه اجل اعرف الشروط يا مارك ولم يراودني الامل يوما بأنك سوف تعدل عنها بل لم اتوقع ذلك منك " " هل كنت تتوقعين ان تجدي عاشقا؟ " واجهت عينيه وهي تقول: " طبعا انا لست طفلة يا مارك انا اعرف ان في وسع الرجال الشعور بالرغبة دون الاحساس بالحب " سألها: " اي رجل علمك هذا؟ " اجابت: " المرأة تعرف اشياء كثيرة من دون حاجة الى ان تتعلمها " وتركت شعرها يتهدل حتى وصل الى مستوى قلبها بينما كان مارك يخطو خطوة كبيرة نحوها ويقبض على رسغها ثم يقول لها: " هل تظنين انني لا اعرف انك تشيرين بذلك الى رودري برينين وانك مازلت تهتمين به الى الان؟ " سألته: " وكيف لي ان اقول انني لا اشعر بشئ؟ كيف لي ان انسى السنوات السعيدة؟ " فاشتدت قبضة مارك على رسغها وكأنه يبغي تحطيم عظامها فنظرت اليه ورأت في عينيه صورة لكل ما فعله به رودري اذي شاطرها اسعد ايام الطفولة وسنوات المراحقة وحفلات الرقص التي دعاها اليها وهو متألق في زيه العسكري ولكنه كان يبدو ضعيفا في حين ترى مارك قويا لا تنثني قناته. قالت له: " اننا نحكم على الناس من زاوية شخصية بحته فأنت تكره رودري وانا ادرك...." فقاطعها مارك قائلا: " انا لا افهم كيف يمكن ان تحبيه! " وتوقف قليلا عن الحديث فرأت وجهه كالثوب الابيض وعينيه الغاضبتين تعكسان نظرة الم ثم اردف يقول: " كلما نظرت اليك ارى برينين في عينيك وكلما اختلينا سويا اراه يشاركنا الغرفة " فقالت له: " لانك تحاول دائما ان تتذكر اسمه في حديثنا. هل من المحتم عليك ان تبدو قاسيا هكذا يا مارك؟ الا تظن ان رودري قاسى هو الاخر الشئ الكثير؟ " " انني اتوقع ان يصحو ضميره. هل عاد الى انجلترا لان ضميره دأب على مطاردته ورأى ان بغرق دوي الحادثة بين ذراعيك؟ " صمت مارك وعندما اقترب منها سطع ضوء المصباح فوق صفحة وجهه ثم اردف يقول: " هذه الليلة سوف تنسين رودري سوف تنسين كل انسان في الوجود الا انا" انصتت رافينا اليه ولم تستطع ان تتفوه بكلمة وكان الصمت مطبقا وهي واقفة تتطلع اليه والى عينيه السوداوين كسواد الليل الذي غاب فيه القمر واحاط المنزل في كنفه. وكان البحر صامتا واشجار السرو ساكنة وألسنة الغضب والالم تتوهج في عينيه. واخيرا...قالت شيئا. هل تفوهت بأسمه؟...كل ما تعرفه ان الارض اختفت من تحت قدمها عندما حملها على ذراعيه واخفى الندوب في لهب شعرها الداكن.
******
هل كان مارك صادقا عندما اخبرها في اليوم التالي بوجود بعض المشكلات في احد مصانع الحمضيات وضرورة ذهابه الى هناك لحلها؟ لم تستطع رافينا ان تقرأ شئ في عينيه بعد ان استيقظت من نومها واكتشفت وجوده بجوارها وشعرها الاحمر ملفوف حول عنقها. رحل ماك قبل الظهر وفي المساء وصلت رسالة تخبرها بأنه سوف يتغيب يومين او ثلاثة وارخت رافينا عينيها وهي تتناول طعام الغذاء مع جوكاستا حتى لا ترى مدى الارتياح الذي غمرها لغياب مارك. انه ارتياح يبعث على الاسترخاء للتخلص من التوتر المستمر الذي يثيره وجود مارك وفي وسعها الان ان تستكشف الشاطئ الذي يقع تحت المنزل. الحياة تدعوها الى الارتماء في احضانها ورافينا تعشق البحر وخاصة انها سباحة ماهرة. وكم كانت ممتعة تلك العطلات التي امضتها على الشاطئ بصحبة جاردي...ورودري. حاولت ان تسدل الستار لتمنع عقلها من التفكير في رودري ولكنه كان دائما يقتحم خلوتها بطريقة تجعلها تحس بأنه يفكر هو الاخر فيها فتنهدت واحست ان دونا جوكاستا تراقبها بحدةوسألتها: " هل تفتقدين وجوده؟ " فتطلعت رافينا اليها ووجدت عيناها مسلطتين عليها: " هل تقصدين مارك؟ " " ماركوس؟ اجل! ومن سواه؟ هل هناك شخص اخر غير زوجك تفكرين فيه؟ " واكتنف سؤالها شك حاد فقد كانت رافينا تعرف ان الجدة تراقب حياتها طوال فترة غياب حفيدها وربما طلب منها ان تراقبها عن كثب. قالت رافينا بحرص: " اشعر بالحنين للوطن. هذا كل ما في الامر. كل انسان ما عدا مارك يعد غريبا علي وغدا سأعتاد على بيتي الجديد " تجهمت جوكاستا: " انني ادير هذا المنزل منذ ماتت دوناتا ولن يطول بك الزمن حتى تكوني قد تسلمت مفاتيحه مني " قالت رافينا بتأكيد واضح: " انا..انا لا اريد المفاتيح. انني سعيدة بأن ادع لك تدبيير امور الكازا. انني لا اريد ان اقلب وضع الامور او تغييرها " سأ لت الجدة العجوز: " لماذا؟ الأنك لا تحاولين الاهتمام به؟ " وكان هذا الرأي قريبا من الحقيقة وكانت رافينا سعيدة عندما تحولت لتناول قطعة من الكعك المغطى بالكريمة وبعد الغذاء استأذنت من دونا جوكاستا في الانصراف للقيام بكتابة بعض الرسائل وبعدما استجمعت اعصابها بكتابة رسالة الى جاردي تخبره فيها عن سعادتها في المنزل الذي تحيط به اشجار السرو ووصفت له الحفل الذي اقيم احتفالا بزفافها والقرية التي تقع......... ثم راحت تكتب رسالة الى رودري ولكنها ما كادت السطور تبلغ منتصفها حتى كورت الخطاب في قبضة يدها والقته في نار المدفأة فقد رأت انه لم يعد لديها شئ تضيفه الى ماقالته له في يوم زفافها فهي تعرف تماما ان سلامة صحة جاردي تتوقف اساس على السرية التامة لكل ما حدث واذا اعترف رودري لابيه بأنه قتل ابن مارك فمن المحتمل ان النبأ سيؤدي الى قتل جاردي. وفي صباح اليوم التالي توجهت الى مكتب بريد القرية لتبعث برسالتها ثم اتخذت طريقها على الدرب المؤدي الى ساحل البحر وعندما بلغت الشاطئ وجدته مهجورا فتخلصت من خفها وجرت الى الامواج المتكسرة لتستمتع ببرودة الماء فشعرت لاهدوء والطمأنينة. وفجأة قطع عليها خلوتها صوت نباح كلب صغير مبلل بالماء اخذ يتسلل من بين الصخور ليقترب منها ويقف امامها ساكتا مشدوها مثلها. وتحول نباحه الى هرير قصير. قالت له: " حسنا...انا لست اخشاك. وانت بالتأكيد لا حاجة بك الى ان تخشاني " وهمد الهرير وبدأ الكلب يتقدم منها وهو يهز ذيله. كان كثيف الشعر تتهدل خصلات من فوق عينيه. شكله يدعو الى الضحك وهو مبتل وهذا النوع من الكلاب تحبه رافينا اشد الحب. سألته: " من اين اتيت؟ " ومدت له يدا حانية فأحنى رأسه واخرج لسانه ليلعق يدها بينما راح ذيله يتأرجح بقوة وفجأة سمعت رافينا صوتا ينادي: " تيو! " كان الصوت اتيا من وراء الصخور فتطلعت باتجاهه ورأت رجلا ينسل من بين الصخور عاري القدمين, شعره مجعد, نحيل القوام, يرتدي سروالا ضيقا ازرق اللون وتتراقص مدالية على صدره الاسمر العاري. واستطاعت نظراته الجريئة ان تلتقط كل صغيرة وكبيرة من مظهر رافينا ثم استقرت اخيرا على شعرها الذي استحال لهيبا عندما سقطت عليه اشعة الشمس وراحت الريح تعبث بخصلاته فوق كتفيها. قال الشاب وهو يقترب منها وقد انفرجت شفتاه عن صفين من الاسنان البيضاء: " عثرت على صديق لك يا تيو...اليس كذلك؟ " صمت قليلا ثم قال بالايطالية: " صباح الخير سنيوريتا " ثم اردف يقول بالانجليزية وكأنه يعرف شخصية من يحدثها: " كيف للانسان ان يعرف مبلغ سعادته في هذا الصباح عندم يعثر على صديق فوق رمال الشاطئ " تأملته رافينا مليا ولكنها لم تستطع ان تتذكر انها رأته في حفل الامس. كان لديه ذلك النوع من النظرات التي لا يستطيع المرء نسيانها. وتقدم منها وانحنى انحناءة خفيفة وقال: " يجب ان اقدم لك نفسي انا ستيليو فابريزي لا ادري ان كنت قد سمعت عني ام لم تسمعي انني يا سنيورا رسام " وفي الحال تذكرت رافينا الاسم ولكنها شعرت بعينيه تدغدغانها حين تحدثت لتقول له: " هل تقوم بطلاء البيوت يا سنيور؟ انه عمل مثير اظن ان بيوت البحر الابيض التي طليت بالالوان اصبحت شيئا فريدا اذ انها تنسجم جيدا مع اشعة الشمس والبحر ضحك الرسام بمرح وقال: " من الغرور ان ادعي بأنني احظى بشهرة كبيرة. انت العروس الجديدة وسوف تنسجمين بدورك مع اشعة الشمس والبحر وكان ظني ان تكوني شقراء باردة ذات نظرة نافذة ومقلقة " قالت بهدوء: " انني اسفة ان اخيب تقديرك يا سنيور فابريزي " قال وعيناه تأسران عينيها: " لم يخب ظني بل اعتبر نفسي سعيد الحظ لان اجد فيك الشخص الجدير برسمه. ان صور عرائس اسرة دي كورزيو رسمها مشاهير الفنانين وعندما سمعت ان مارك دي كورزيو قد تزوج ثانية قررت ان اتي والقي نظرة على على عروسه " قالت لتسأله: " اواثق انت ان زوجي سوف يختارك لرسم صورتي؟ " رأت رافينا فيه الجرأة والشجاعة واحست انه من السهل عليها مسايرته وهو في ذلك مختلف عن مارك الذي يموج عامل الخوف دائما في اعماقها معه وتدرك تماما انه متحجر القلب وتبدو قسوته على وجهه. وانتشلها الرسام من تفيرها حينما قال: " مارك دي كورزيو رجل مشهور وحيث انني اقيم في فيلا صغيرة تقع على الساحل الزمردي فانه سوف يستدعيني لرسم صورة زيتية لعروسه البريطانية " " انا من مقاطعة ويلز يا سنيور " وجال ببصره نحوها متفحصا فشاهد شعرها الاحمر وعيناها الخضراوين وشموخها وهي تقف بين الامواج المتكسرة والزبد المتطاير يتناثر خلف شعرها. قال لها متمهلا : " اجل ارى فيك سحرا اخاذا ومن دواعي السرور ان ارسمك يا سنيورا دي كورزيو " قالت: " انني افترض جدلا ان مارك سوف يستدعيك لرسمي " قال الرسام بصوت يشوب الكبرياء نبرته: " لا انتظر عودة زوجك حتى اسأله القيام برسم صورة لك فقد اعتدت الا استأذنه عندما يعجبني منظر طبيعي اخاذ يدفعني الى رسمه. فما بالك عندما ارى امرأة جميلة! " " اكاد اكون جميلة يا سنيور..." قال مبتسما: " اذا دعينا نقول انك فاتنة مثيرة. ما رأيك في ساردينيا هذه الجزيرة التي نطلق عليها نحن الايطاليون هذا الاسم. انها تشبه الخف " اجابت: " انني اجدها جذابة نقية من كل فساد. ولو كنت فنانة لتوقعت الا اقاوم اغراءات الجمال " قال: " عروس لا تقاوم الاغراءات " وتطلع اليها الرسام الشاب بنظرة يشوبها حب الاستطلاع, نظرة دفعتها الى البحث عن خفها الذي تركته في منتصف الشاطئ فقامت لاحضاره. وعندما سار الى جوارها رأت فيه رجلا قوي البنيان ولكنه ليس في طول مارك وفي لحظة تجسدت فيه صورة رودري وهو يسير الى جوارها. واخيرا قال لها ستيليو: " حلقة الصندل التي يتعلق بها اصبع القدم هل هي مؤلمة؟ " ولوهلة لم تستطع رافينا ان تدرك المعنى الذي يعنيه ثم عرفت انه يشير بطريقة مهذبة الى الحياة في الجزيرة والى كونها عروسا لرجل مثل مارك فتألقت عيناها ببريق اخضر عندما غمرتها اشعة الشمس فتوتر الفنان وهو يتطلع اليها. قالت له: " اذا سألتني يا سنيور اذا كنت اشعر بالراحة في الكازا فانني سأجيب عليك بأن الامر سيستغرق من المرء بعض الوقت حتى يحس بالاستقرار في وطن غريب " فقال متعمدا: " لديك عينان جميلتان يا سنيورا ولكنني لا ارى اي نجوم فيهما " سألته: " هل تبحث عنها في وضح النهار...يا سنيور " خيم الصمت عليهما ثم قال: " يجب ان تشاركيني طعام الغداء لدي زورق صغير في المياه وراء الصخور ولدي سلة وضعت فيها مدبرة منزلي الوانا مختلفة من الطعام هل ترغبين في مشاركتي؟ " تتطلع الى بصرها الموجه الى لسان الارض الداخل في البحر حيث برزجناح من الكازا وفكرت رافينا ان دونا جوكاستا تتوقع عودتها لتناول طعام الغداء معها في الصالون وسوف تسألها عن المكان الذي قضت فيه كل فترة الصباح وعن الشخص الذي امضت معه كل هذا الوقت ولذا وجدت من الصعوبة ان تلبي دعوته لتناول الطعام معه ومع كلبه لذلك قالت له: "شكرا حقا اني جائعة ولكن عبور الطريق الى الكازا يحتاج الى وقت " صوب الرسام بصره الى المنزل ورأى ستارات النوافذ مسدلة تحول دون دخول شمس الظهيرة الى غرفه والشرفة المطلة على البحر تبرز فوق الربوات ويبدو ان للمنزل مظهرا منيعا ومنعزلا وكأنه شيد ليبعد عنه اي طارئ غريب. تمتم ستيليو قائلا: " لن يضيق زوجك اذا ما شاركتني طعام الغداء " قالت: " مارك في رحلة عمل " " فهمت...ترك عروسه ليلهو قليلا...ما رأيك؟ " قالت: " لا اشعر بأي ضيق. مارك لن يدع عمله ينحدر الى الحضيض بسببي " وكز ستيليو عل اسنانه وهو يقول : " يا الهي...لو كان زوجك ايطاليا لن يدعك وحدك هكذا بل سيقضي حياته بصحبتك. لا يفارقك ليل نهار " قالت: " ما ارهب هذا واشبهه بالحجز الانفرادي انه السجن " قال استيليو وكان صوته الاتيني يربت بحنان على لماته: " انك سجينة الحب لا يسع الرجل العاشق الا ان يقول: اذا لم يكن عندي شئ غير باقة من الورد فانني سوف اقاسمك اياها! " " انت شاعر يا سنيور فابريزي ولكنك بالكاد تتلاءم مع متطلبات الحياة اليومية. انا افضل ان يقتسم الرجل طعامه معي. لاني جائعة " قال لها مؤنبا: " انت تقولين عبارات تكاد تتفق مع لهيب شعرك والجواهر التي تتلألأ في عينيك " " ان الشعر يتبدد اذا القي على مسامع امرأة جائعة. هل لديك قهوة في سلتك؟ " قدم لها يده وهو يقول: " دعينا نذهب وسوف ترين " تسلقا الصخور وبلغا خليجا ارسى فيه ستيليو زورقا صغيرا في مؤخرته محرك فنقل من الزورق سلة الطعام تحت شجرة وارفة الظلال وكانت السلة تحتوي على السجق والخبز والجبن والزيتون وشرائح الليمون وغيرها من الاطعمة المنوعة. وبعدما فرغا من الاكل احتسيا القهوة المكثفة وانتابهما شعور بالتخمة فطلبا الراحة. وكان الجو باردا حولهما بينما كانت اشعة الشمس تبعث الحرارة خارج لرقعة التي جلسا فيها. قال لها فابرزي: " يجب ان تتيحي لي الفرصة لرسم صورة لك يا رافينا " " يجب ان استشير مارك في ذلك يا سنيور لانه تحدث معي بصدد رسم صورة لي لكنني لم اكن شغوفة بالفكرة " ومال عليها استيليو يتفرس وجهها ثم سألها: " ولم لا؟ انت خائفة من فنان فطن سوف يرى اشياء في عينيك تكشف عن امرأة غير سعيدة البتة؟ " دفنت اصابعها في الرمل الناعم وودت ان تقول له انها سعيدة تماما ولكن ستيليو راح يربت على يدها. كان طيب القلب متفهما لعواطف الاخرين ويدرك ان الشقاء جزء من الحياة مما يجعل الناس موضع الاهتمام وخاصة بالنسبة اليه كفنان . قال لها: " ان الجو يكون اكثر برودة فوق سطح الماء. دعيني اصحبك بزورقي في رحلة بحرية. ان زوجك غائب عنك " سحبت يدها من تحت يده وقالت: " وهل تظن ان الفأر من حقه ان يلعب في غياب القط ؟" ضحك ستيليو وبصره مصوب نحو شعرها الاحمر وقال: "رافينا انك لست فأرا. انك تشبهين لوحة للرسام تيتان حيث تعكس العينان الحيوية والخجل انت تختلفين تماما عن دوناتا " سألته: " هل كنت تعرفها؟ " شعرت رافينا بأنفاسها تتلاحق وهي تسأل عنها اذ سرعان ما تتمثل امام عينيها صورة المرأة التي احبها مارك عندما يبدأ اي شخص الحديث عنها . اجاب فابريزي: " التقيت بها في صحبة مارك في روما ولم يكن قد مضى على زواجهما فترة طويلة ورسم صديق لي صورتها في مرسمه. كانت مخلوقا جذابا ذات عينين داكنتين وفم كالزهرة المتفتحة واخبرني صديقي الفنان انه كان مأخوذا بها عندما رسمها لانها تدعوك الى حبها وهي تعيشقصة حب " خفضت رافينا عينيها وكأنها ترى بوضوح اشعاع جمال دوناتا فسألته: "ماهو الانطباع الذي تركه مارك عليك في ذلك الوقت ؟ " قال استيليو عن عمد: " كان في صورة رجل له مهابة رومانية وهو جالس في مرسم ارنو. كان يدخن وكانت عيناه تشعان بالرضا وهو يراقب اللمسات الاخبرة التي يضعها الفنان لصورة دوناتا. اتذكر انه وزوجته كانا ينعمان بكل شئ يرغبان فيه. الجمال, الثروة, الحب ولم اشاهد اي ظلال للشقاء في عينيها او بادرة تشير الى انه وزوجته سيواجهان مأساة في ذلك اليوم " نهضت رافينا واقفة على قدميها وراحت تنفض الرمال العالقة بثوبها القطني وقالت: " بربك...لا تقل المزيد عنها خذني في الرحلة البحرية ارجوك " وقطعا شوطا في عرض البحر حتى وصلا الى احد الجزر الصغيرة حيث يوجد كهف يمكن للزورق ان يندفع خلاله وكانت المياه تحت الزورق صافية وزرقاء يمكن من خلالها رؤية الاسماك وهي تقفز كالسهام . ابتسم ستيليو وقال: " هنا يجب ان ارسم صورتك وانت جالسة على الصخر مثل حورية تشدو اغنية " قالت وهي تعبث بأصابعها في الماء: " من المفروض ان اشدو بأغنية من اغنيات ويلز " وعندما بدأت تغني ترددت اصداء الاغنية بين جنبات الكهف مما اثار الكلب تيو وراح ينبح نباحا اشبه بنحيب جنية ايرلندا التي فقدت عزيزا لديها فانفجر استيليو ضاحكا وبدأ يدير المحرك ويتجه ثانية بالزورق الى عرض البحر وكانت الشمس قد بدأت في المغيب عندما القى الزورق مرساه تحت المنزل واشتعلت الشمس بلهب قرمزي القى ظلاله على البحر واخذت سحب الصيف تستكين في الافق وعندما تطلعت رافينا الى مغيب الشمس ادركت عدد الساعات التي امضتها غائبة عن الكازا . قال لها استيليو وهو قابع في زورقه: " احب ان ابدأ غدا برسم الخطوط الاولى لصورتك " وقفت على الشاطئ تلوح له بيدها وترسم على شفتيها ابتسامة وهي تقول له: " لن استطيع. يجب ان استأذن مارك اولا " سألها استيليو ساخرا: " هل تخضعين دائما لاوامر زوجك ؟" بدأ الجو يميل الى البرودة والسحب تلقي وشاحها على الشمس الغاربة وكانت رافينا تدرك ان الكآبة والانقباض قد يأتيان في ختام اليوم. قالت له: " انت تعرف ان مارك لم يعد الشخص الذي التقيت به في روما. ان من الكياسة ان تتحدث معه اولا...يا استيليو " قال لها: " سأمتثل لطلبك يا رافينا. الوداع " " وداعا يا استيليو. وداعا يا تيو " وتردد نباح تيو عبر الماء...بينما اخذ صوت المحرك يخفت تدريجيا عندما اخذ الزورق يبتعد عن الشاطئ واخيرا خيم الصمت. ولكنه صمت لن يطول امده فبعد لحظات سوف يبدأ المد وتتلاطم الامواج فوق الصخور فأدارت رافينا ظهرها للبحر واتخذت سبيلها الى المنزل. وارخى الليل سدوله فأضيئت مصابيح باب الفناء ودلفت الى المنزل على امل ان تتجنب لقاء دونا جوكاستا ولكن السيدة العجوز كانت تجلس على مقعدها بجوار المدفأة وقدماها الصغيرتان تستريحان فوق المقعد الصغير وعيناها الحادتان تتطلعان الى عقارب الساعة التي تشير الى الوقت الذي عادت فيه العروس الهاربة. سألتها: " اين كنت طوال اليوم؟ " اجابت: " على الشاطئ " كانت رافينا تقف وسط الصالة بقوامها النحيل وشعرها المشعث وثوبها الغضن وذرات الرمل عالقة بأطرافه واحست انها صغيرة امام الجدة. فراودتها الرغبة في الفرار ولكن هروبها كان يدينها بارتكاب جريمة وهي لا تشعر بأي جرم في تمضية الساعات بصحبة استيليو فابريزي فقد ساعدها على ان تخفف من الم ابتعادها عن وطنها وهي ممتنة له. قالت الجدة: " بابتيستا قالت انك كنت في صحبة رجل. ارسلتها للبحث عنك ما قولك؟ " قالت رافينا بصوت يشوبه التحدي: " بابتيستا تتمتع بحدة البصر التقيت على اشاطئ بصديق لمارك وهو السنيور فابريزي " التقطت الجدة انفاسها وقالت متسائلة: " الفنان ؟ " اجابت رافينا: " اجل " " كل الفانون مرحون ولكنهم اشرار مع ذلك امضيت اليوم بكله معه؟ " قالت رافينا: " اغلب اليوم....وبصحبة كلبه " ثم اتجهت لترتقي درجات السلم وهي تقول: " انني متسخة وارغب في الاستحمام " قالت السيدة العجوز: " لحظة ارجوك...." فاستدارت رافينا طائعة " لن تري هذا الرجل مرة اخرى انني امنعك " قالت رافينا وقد شاب الغضب صوتها: " انا لست طفلة يادونا جوكاستا. ليس في وسعك ان تمنعيني من اقامة اي صداقة مع احد او تنصبي نفسك تنينا علي لمجرد ان مارك غائب عدة ايام عن البيت. انني لن انصاع لامرك " " ماركوس تركك في رعايتي " " هل طلب منك حبسي في البرج وان يقتصر طعامي على قطعة خبز وماء؟ حسنا لن انوي ان اكون سجينة في هذا البيت المظلم. سأتوجه غدا الى الشاطئ وارجو ان اجد سنيور فابريزي هناك انه يضحك دائما يا سنيورا انه ممتلئ بالحياة ويتطلع الى المستقبل ولا يعيش في الماضي كل وقته " واخذت رافينا ترتقي درجات السلم بسرعة وعبرت البهو الى الفسحة المؤدية الى برج الفارس حيث كانت وجنتاها ساخنتين وقلبها يدق دقات متلاحقة وشعرت انها تكره مارك لانه اصدر اوامره للتجسس عليها كما تكره هذا البيت لذا قررت ان تقضي غدا اليوم بطوله في احضان الشمس والريح....وفي صحبة استيليو .
***نهاية الفصل الرابع***
5-أصدقاء أم عشاق ؟
شعرت رافينا باجهاد في اليوم الذي امضته على الشاطئ لذلك استيقظت اليوم التالي في ساعة متأخرة من النهار ورأت اشعة الشمس تملأ غرفتها وادركت انها نامت فترة طويلة. جلست على الفراش فوجدت صينية بجوار السرير وضعتها على ركبتها وصبت فنجانا من القهوة واكلت المربى والبيض بشهية واحست ان النهار ملك لها تفعل ما تشاء فان دونا جوكاستا لن تستطيع ان تجعلها سجينة غرفتها. وبعد انقضاء ساعة اغتسلت رافينا وعقصت شعرها في تصفيفة ذيل الحصان وارتدت بلوزة وسروالا فبدت اكثر شبابا وعندما تطلعت الى المرآة تبادر الى ذهنها صورة دوناتا المعلقة في برج المادونا وتذكرت ما قاله لها ستيليو فابريزي عن مارك عندما التقى به في روما منذ ست سنوات. كان بهي الطلعة سعيدا بلا ظلال شقاء في عينيه. راودتها الرغبة في ان تشاهد الصورة الان قبل ان تذهب الى الشاطئ واسرعت بفتح باب غرفتها فلم تجد احدا فالخدم منهمكون في تنظيف الدور السفلي ولن تحظى غرف الدور العلوي بالاهتمام الا فيساعة متأخرة من النهار وهذا يتيح لها فرصة التسلل الى برج المادونا دون ان يلحظها احد. انسلت من باب صغير في جدار برج الفارس ووجدت نفسها امام جسر حجري صغير يربط بين البرجين وكان برج المادونا يشبه برج الفارس في تصميمه فعثرت على باب صغير في الجدار قادها الى ممر معتم يتسلل اليه النور ضعيفا من نافذة ضيقة وكانت الغرفة التي عاش فيها مارك ودوناتا لا تختلف عن غرفة العروس التي يشغلها الان مع رافينا. كانت غرفة دوناتا تكسوها الاتربة واسرار الماضي اصبحت رهينة اثاثها وتحفها والستائر المسدولة تطوي الهمسات التي دارت بين الجدران والسجادة صامتة صمت الدخان وهو يسعى هادئا والحائط يحمل صورة الفتاة التي عبدها مارك. لم تستطع رافينا ان تدرك ملامح زوجة مارك في البدية او الثياب التي ترتديها وكانت الشمعدانات مطفأة وهي قابعة تحت اللوحة والى جوارها علب الثقاب وتشير الى ان شخصا ما يأتي بينحين واخر ليشعلها ويقوم بتأمل اللوحة وسط السكون الهامس الذي يشيع في ارجاء الغرفة. اشعلت رافينا الشموع فألقت بأضواها على الصورة فرأت الثوب الذي ترتديه دوناتا كان يمثل عصر ميدتشي وقد تهدل في ثنايا رقيقة فأبرز قوامها النحيل وتناثرت اللألئ على شعرها الاسود وصفوف اخرى منها تحيط بعنقها الابيض الطويل. من الممتع ان يتأمل المرء صورتها بقدر المه لفقدها. حملت رافينا شمعدانا واحست انها فقدت الاحساس بالزمن عندما راح تتأمل الفتاة التي منحت مارك نعمة السعادة لدرجة ان اي امرأة لم تستطع ان تشغل بعد رحيلها مكانها في قلبه او عقله او احاسيسه. كانت تبدو شابة ومارك في العشرين عند زواجهما. كانت دوناتا هبة من السماء. التقت عينا رافينا بعيني دوناتا وفي لحظة رأت فيهما الحيوية والوعي والعداء لها. وفجأة سرى تيار من الهواء اطفأ اللهب المشتعل في الشمعة فتراقصت الظلال في الغرفة وعندئذ انتابها ذعر شديد فأسرعت الى الباب تبغي الهروب وادارت المقبض يمينا ويسارا ولكن الباب كان مغلقا بل موصدا ووقفت رافينا مذهولة ولم تصدق انها اصبحت سجينة البرج وان احدهم تسلل عبر الممر الضيق واغلق الباب عليها وهو يعرف انها هنا وحدها مع الصورة. تملكها الغضب وراحت تدق الباب بقبضة يدها مرة ومرتين حتى ادركت الا جدوى من محاولاتها وانها اصبحت سجينة لاحد سببين: اما لمعاقبتها على ما حدث بالامس او بهدف ارهابها. ادارت ظهرها للباب واسرعت الى اقرب نافذة وازاحت الستارة جانبا وفتحت مصراعيها واطلت برأسها فوجدت ان المسافة طويلة بين البرج وفناء البيت الواقع تحتها. كانت عيناها الحزينتين وشعرها المتهدل يوحيان بأنها حورية سجينة البرج منذ مدة طويلة ولكنها تبحث عن طريقة للهروب او فارس يسرع الى انقاضها. ولكن ليس من منقض كان الفناء شاغرا والعمال في حدائق الليمون مختفين وراء الاشجار وكانت الريح تهب حول البرج وصرخات الطيور اشبه بصرخات السخرية لديها اجنحة تطير بها كما تشاء اما هي فسجينة هنا حتى يأتي احدهم ليطلق سراحها. دونا جوكاستا سجنتها هنا او ارسلت بابتيستا المطيعة لتفعل ذلك انها ظل سيدتها التي لا تفارقها. سرت قشعريرة باردة في جسم راينا ولا تدري كم من الوقت مضى عليها وهي سجينة ولابد ان تمر ساعات طويلة قبل ان تطلق دونا جوكاستا سراحها من البرج انه مجرد درس تلقيه على عروس مارك لأنها تجرأت وتحدثت الى رجل وتحدتها بعزمها على مقابلته ثانية. تطلعت الى الجدران لعلها تجد سردابا سريا لاشك ان هذه الفكرة محتملة. فقديما في عصر غارات القراصنة كان الانسان يشيد بيته بحيث يضم غرفا سرية فيها تختبئ اسرته او يبني سردابا يساعدها على الهرب اذ ما فكر المهاجرون في اقتحام البيت وشرعت رافينا في الطرق على اماكن متفرقة من الجدار ولكن لم تكن هناك اي استجابة لطرقاتها او يدور اي اطار بارز ليفتح لها سردابا يساعدها على الهروب من الجدران السميكة. دارت بعينيها في ارجاء الغرفة ووقع بصرها على المرآة فرأت نفسها ترتدي السروال والقميص الصبياني فلم تصدق انها زوجة مارك وبدا لها ان دوناتا مازالت تحتل مكانها كسيدة القصر اما الصورة التي تعكسها المرآة فهي لا تعدو ان تكون صورة طفلة شقية وقد قال لها مارك ذات يوم وهما يغادران رافنهول" انت ترتدين ثياب صبي وانا اتوقع ان اتزوج امرأة ". وادارت باصابعها خاتمها الذهبي الذي يدل على زواجهما وعادت تتجول في الغرفة حتى وقفت امام النافذة حيث وجدت فيها فجوة عميقة فقبعت فيها كما يقبع القط المتفطر قلبه وبدت السماء الزرقاء ساخنة واشجار السرو داكنة وهي تناطح عنان السماء. كان الصباح جميلا فضحكت رافينا لانها احتجزت بهذه الطريقة الغريبة في خلال هذه الساعة المشمسة التي كان من المنتظر ان تقضيها مع ستيليو فابريزي وكلبه تيو ولابد انه حدث الشاطئ بأنها لا تتمتع بالحرية التي تبيح لها ان تنضم اليه في الشاطئ وتتمتع برحلة بحرية ولا يدري ان الابواب اوصدت عليها واصبحت سجينة. فكرت في جاردي الذي يعتقد الان انها سعيدة عندما يتلو رسالتها التي تسلمها الان منها ولكن اي سعادة تتكلم هي عنها؟ كيف تجدها في مثل هذا البيت المسكون بالفتاة الفاتنة دوناتا وتحكمه سيدة عجوز كانت ترغب ان يتزوج حفيدها بفتاة من اختيارها. شعرت رافينا بوطأة السكون والوحدة تجثم على صدرها وبخوف مفاجئ من ان يمضي مارك غائبا لعدة ايام فتقع تحت رحمة تصرفات شاذة اخرى ومزيد من المؤامرات التي تثبط من روحها وتصبح في النهاية ظلا مطيعا مثل بابتيستا. عندئذ صرخت قائلة: " لا ". وجرت نحو الباب لتتبين ما اذ كان مفتوحا ام مازال مغلقا ولكنها وجدته مؤصدا وشعرت برغبة في البكاء وبلعت ريقها وحاولت ان تعزي نفسها بأن دونا جوكاستا سوف تطلق سراحها حينما يحين موعد تناول طعام الغداء ولن تكون قاسية فتدعها سجينة حتى يحل الظلام وتسمع نعيق البوم . اخذت وسادة من احد المقاعد وازالت الغبار عنها وهيأتها بحيث تستطيع ان تغمض عينيها عليها....وتعود القهقري الى رافنهول....اجل حيث توجد شجرة الدردار والارجوحة التي سقطت منها يوم دفعها رودري عاليا واحست بالسعادة عندما طارت عاليا ويغمرها الخوف في الوقت نفسه وصاحت به ضاحكة: " كفى ". ولكن رودري لم يأخذ بصيحتها وواصل دفع الارجوحة حتى سقطت منها وسمعت صوتا يقول: " رافينا " احست بفزع وشعرت بألم في ذراعها فقالت: " او....رودري..." انسحبت اليد فجأة من فوق رأسها بعنف واستيقضت تماما وهي فزعة عندما رأت ان الشخص الماثل امامها كان مارك وان الالم الذي احست به كان نتيجة ضغط كتفها فوق سور النافذة. قالت بدهشة: "مارك! " قال: " انا اسف لازعاج احلامك الجملية " دعكت رافينا ذراعها الخدرة واحست قليلا بالدوار: " لقد..لقد خلدت للنوم " سألها: " ماذا تفعلين هنا ؟" احست بعينيه تتأملان شعرها وسروالها الصبياني وشعرت ببرودة تسري في اوصالها وقالت له: " اوصد احدهم علي الباب منذ ساعات مضت. جدتك فعلت هذا يا مارك ان اعرف ذلك تماما " قال متجهما: " اوصدت عليك الباب؟ الباب كان مفتوحا وفي وسعك ان تتأكدي بنفسك. لماذا تتوهمين ان دتي تفعل مثل هذا الامر معك؟ " قالت: " انا لا اتوهم شيئا. ان دونا جوكاستا تكرهني وتريد ان تخيفني " بدت الدهشة وعدم تصديق كلامها على وجهه. سألها: " اعتقد انك اتيت الى هنا من قبيل حب الاستطلاع . لم نعد نستعمل هذه الغرف فأصبحت اقفالها صدئة " " اوصدوا الابواب علي وقرعت ولكنها لم تفتح " سألها: " ولكن اين كان المفتاح؟ " " كل مفاتيح البيت مع دونا جوكاستا. اخبرتني ليلة امس انها بحوزتها وانها لن تعهد بها لأحد " " هل سألتها عنها؟ " تنهدت رافينا: " بالطبع لم اسألها. لم نتشاجر بسبب ادارة الكازا وانما..." " اذن اخبريني عن سبب المشاجرة؟ " " ذهبت الى الشاطئ وكنت انوي الذهاب اليو ايضا. هناك قابلت ستيليو فابريزي وخذني في ورقه وقمنا برحلة بحرية وعندما عدت الى المنزل سألتني جدتك اين كنت ولما اخبرتها امرتني بألا ارى سنيور فابريزي مرة ثانية وظننت انها شخص دكتاتوري فقلت لها بأنها لا تستطيع ان تمنعني من ان اعقد صداقات مع الاخرين. وهذا الصباح لابد انها رأتني اعبر الجسر المؤدي الى برج المادونا وانا واثقة تماما انها امرت بابتيستا ان توصد الباب علي حتى لا استطيع الذهاب الى الشاطئ " " وهل اعددت الامر لمقابلة فابريزي اليوم ؟؟" ووقع السؤال عليها مثل لسعة السوط وتذكرت ان الشخص الذي تتحدث اليه هو زوجها وان من حقه ان يعترض بشدة على ان تقيم اي صداقة مع الفنان الجذاب قالت بصوت مرتجف: " اخبرني انه يريد ان يرسم رسوما تخطيطية لصورتي فقلت له يجب ان يسألك اولا " احكم مارك قبضته وضغط بها على رسغها وبدأت الجهامة تزول تدريجيا من وجهه وقال: " انا ممتن انك مازلت تتذكرين وجودي. سوف لا اغضب منك فأنت جديدة على اساليب معيشتنا وتعتبرينها قيدا على حريتك " " اعتقد ان حبسي في البرج يعد قيدا لحريتي " " لانونا واحدةمن اهالي ساردينيا ومن المحتمل انها ظنت بأن ما تفعله هو تأمين لسلامتك " " مارك...هل من المعقول ان اعمال معاملة الطفل العاق لمجرد انني تناولت السجق والجبن مع سنيور فابريزي " انت لست طفلة في نظر جدتي انت امرأة..بل زوجتي واهل الجزيرة يعتبرون لقاء رجل بأمرأة وحدهما انما لغرض واحد وهو ان يمارسا الحب " صاحت قائلة: " مارك هذا كلام غريب! في وطني يمكن للنساء والرجال ان يكونوا اصدقاء دون ان يكونوا عشاقا " " انت الان هنا في وطنك يا رافينا " اشتدت قبضة يده واقترب منها وهو ينظر الى عينيها مليا ورفع رأسها بيده الاخرى حتى تألق احمرار شعرها في ضوء الشمس الذي تسرب من خلال النافذة " هل لي ان اذكرك بأن من حقي ان اكون الرجل الوحيد الذي يحتل كل تفكيرك؟ هل جئت هنا لرؤية الصورة المعلقة على الجدار؟ وهل كانت تحدوك الرغبة في معرفة ما اذا كانت دوناتا اجمل وادفأ واكثر انوثة منك؟ " وحملها مارك بين يديه ولم تبدي اي مقاومة واتجه الى الجسر ثم اضاف: " سأطلب من فابريزي ان يرسمك عرفته في روما قبل ان يصبح مشهورا في دنيا الفن. طبعا اخبرك بأننا التقينا هناك " " اجل يا مارك انزلني من فوق ذراعك اشعر بالدوار وانا انظر حولي دون ان اتعلق بسور الجسر " " تعلقيبي ضعيذراعك حول عنقي ايتها الساحرة الباردة " ضحك مارك وترددت ضحكته في كبرياء وهما يسيران فوق الجسر. انه رجل قوي وقاس لا يلين مثل الارض التي يمتلكها ولا تستسلم بسهولة لليد التي تحرثها. وحتى هذه اللحظة كانت رافينا تحس بالخجل من ان تلمسه وتمنت ان يدعها تقف على قدميها حينما رأت شخصا يقف تحت المنزل ينظر اليهما فقالت: " مارك...انظر سنيور فابريزي يتطلع الينا " كان ستيليو يلوح لهما وشعرت بنفسها تحرر من ذراعه وهي تقول: " يجب علي ان اذهب لاغير ملابسي وسوف انضم اليكم " واسرعت عبر الجسر ودلفت الى رج الفارس واحست بالراحة عندما وجدت نفسها وحيدة في غرفتها وجذبت حبل الجرس لتستدعي الخادم وسألته ان يحضر لها ماء ساخنا وتعجبت ان مارك لم يمد بيته بأنابيب المياه الساخنة وسوف تتحدث معه في هذا الامر واجفلت عندما امتد تفكيرها الى نفسها كزوجة وان من حقه ان يملي عليها طلباته. عاد مارك الى البيت وفي هذه الليلة سيحاول ان يوقظها ليس من اجل ان تستجيب لهذا الخدر الغريب الجامح الذي نسميه الحب انما لتستجيب لهذا الجوع الذي يعربد في اعماقه وتكون ثمرته طفلا جديدا تلده له. احضر الخادم الماء يتصاعد منه البخار وعندما خرج فضت ثيابها وراء الستائر وغسلت جسمها النحيل وتخلصت من التراب واحاطت جسمها بفوطة ثم سارت الى خزانتها لتنتقي احد الاثواب لابد ان ستيليو سيبقى ليحتسي شرابا مع مارك وان يتبادلا الرأي حول موضوع الصورة وتحديد موعد الجلسات التي تقف فيها امام الفنان كانت ترغب في ان تظهر على لوحة القماش في صورة ابهى من صورة دوناتا حتى تثير اعجاب الجميع بها. ابتسمت رافينا وهي تتطلع الى نفسها في المرآة فرأت ساقين طويلتين ونحيلتين وقدمين باصابع طفل وذراعين لهما استدارة محببة وخصلات شعرها الاحمر تنسدل مثل ذوائب الهب فوق كتفيها الشاحبين. سمعت صوتا يأتيها من خلفها يقول: " ياللأسف انني لا اسمح برسمك في مثل هذا الوضع الذي اراه الان " سرت قشعريرة في اوصالها بينما كان مارك يعقد رباط عنقه عند باب الغرفة فهو الشخص الوحيد الذي يحق له التطلع اليها وهي في غرفة نومها. قال لها: " دعوت فابريزي لتناول طعام العشا معنا " قال: " هذا شئ جميل " وامسكت بثوب اصفر اللون واكمام من الشيفون وكان مارك قد اقترب من المرآة ليثبت ربطة عنقه فسألها: " هل تحبين احتسا الشراب في الشرفة المطلة على البحر؟ " ثم تحول لمواجهتها واجفلت كعادتها من نظرة افتراسها التي تتلألأ في عينيه ورسمت ابتسامة على شفتيها حتى تخفي اجفالها وقالت له: " وشيئا لنأكله. انني لا استطيع ان ابقى بدون طعام حتى موعد تناول العشاء. يكاد يغمى علي " ضاقت عيناها وهو يسألها: " الم تتناولي طعام الغداء؟ " قال وهي تضحك: " اخبرتك ان احدهم اوصد الباب علي وانا في البرج ولم يكلف نفسه حتى تقديم كسرة خبز او كوبا من الماء " تقدم نحوها في خطوة حازمة وقال: " رافينا انا اسف ان تفوتك وجبة طعام الغداء وهذه تجربة مثيرة للاعصاب ولن تحدث ثانية. سوف اتحدث الى جدتي بقسوة " هزت رافينا يده وقالت: " لا يا مارك سوف يزيد ذلك من عداوتها لي اذا ما تحدثت معها بعنف " تجهم وهو يقول: " عداوتها؟ هل تظنين الامر كذلك؟ " قالت: " وماذا يكون الامر غير ذلك؟ كانت ترغب في ان تتزوج فتات من سردينيا بدلا من ان تأتي بفتاة غريبة ربما فطنت ان زواجنا يا مارك لا يقوم على الحب " حدق في وجهها وارتفع حاجباه فرأت فيه الرجل الذي اجبرها على الزواج دون ان يتفوه بكلمة رقيقة وجذبت نفسها منه وتحولت عنه لترتدي الثوب وسألته: " كيف عرفت انني في البرج الاخر؟ " قال: " الستائر كانت مفتوحة. كان يجدر بك الا تذهبي الى هناك. الغرف كلها كئيبة ويجب ان تظل مغلقة سألقي عليها نظرة " وفي اللحظة التالية غادر الغرفة بسرعة تاركا رافينا وراءه لترتدي ثوبها وتصفف شعرها في شينون وكانت فتحة الثوب تمتد ما بين كتفيها لتبرز نضارة بشرتها وعظمتي الترقوة. وراحت تتأمل نفسها في المرآة وقررت ان تزين صدرها بالصليب الذي اهداه اياها مارك. تحولت رافينا عن المرآة لانها رأت نفسها في صورة فتاة اشبه منها بالمرأة الناضجة التي يبحث عنها مارك لتنجب له الطفل الذي يتوق الى رؤيته ليمحومن ذاكرته ذكرى الطفل الذي فقده بقسوة. اقبل ستيليو وعلى شفتيه ابتسامة ثم قبل يد رافينا وقال لها: " التقينا ثانية يا دونا والسنيور زوجك اذن لي برسم صورتك ولا استطيع الانتظار طويلا " حيا ستيليو مارك بابتسامة سريعة ثم قدم مارك مقعدا لرافينا لتجلس عليه بالقرب من ازهار البرتقال التي كست جدار الشرفة المطلة على الشاطئ. قال الفنان: " ليست السنيورا موضوعا يسهل ابرازه على اللوحة ولكنني استمتع بالتحدي " سأله مارك: " لماذا لا تجدها موضوعا سهلا ؟" ثم راح يتأمل مليا ثوبها الاصفر ويقارنه بلون نبتة البرتقال المرتعشة واشعة الشمس الحمراء التي تنعكس على شعرها ثم اردف يقول: " يبدو لي ان زوجتي لديها الالوان التي تحوز اعجاب الفنان تيتان؟ " قال ستيليو مؤيدا: " تماما كما تقول. العينان تتغيران من خضرة البحر الى لون اشجار الغابة الغامضة تبعا لتغير مزاج صاحبتها " وشعرت رافينا بالخجل من الطريقة التي تناقش بها موضوع رسمها واحست بالارتياح عندما ظهر رينزو حاملا صينية عليها المشروبات والساندويتشات وفي اعقابه يسير الظبي بامبو فأقبلت عليه رافينا بفرح شديد. قال رينزو معتذرا: " ظن نفسه كلبا كبيرا يا سنيورا فاقتفى خطاي هل اعود به الى الاسطبل ؟ " ابتسمت رافينا وربتت على اذني الظبي وقالت: " دعه لي يا رينزو...انه جذاب اليس كذلك " قال مارك: " لا يمكنك ان تتناولي الساندوتشات والظبي في حجرك. انظري انه يحك انفه في شعرك " اشارت رافينا بأصبعها الى الظبي تحذره قائلة: " اهدأ " ثم التفتت الى مارك وقالت: " سيكون رائعا متألقا مثل الذهب " قدم مارك لها طبقا عليه ساندوتشات ثم التفت الى ستيليو وقال: "هل تشرب كأسا يا سنيور فابريزي؟ " قال ستيليو وهويتقبل الكأس: " شكرا " ثم تطلع الى رافينا والظبي واردف يقول: " وجدت الان فكرة الصورة التي سأرسمها لك بينما الظبي يقبع في حجرك او ربما ادعه تحت قدميك " " هذا اذا جلس فترة طويلة ساكنا. الا تشاركني تناول الساندويشات انها لذيذة " كان مارك غارقا في مقعده ممسكا كأسه وهز رأسه بالرفض بينما استند ستيليو بظهره الى حائط الشرفة والقلق يتراقص في عينيه وتحدوه الرغبة في ان يبدأ العمل على قماشالرسم ويقول لنفسه: " انها فتاة جذابة كأي فتاة ايطالية" ولاحظ ضوء النهار وهو يبعث بأشعته على الشرفة في هذه اللحظة من وقت الاصيل وقال: "هل تأذن لي يا سنيور بأن ارسم الصورة هنا في الشرفة. احس ان السماء والجبال تمثلان اروع خلفية لصورة رافينا " تطلع مارك بعينيه الى رافينا وقال: " يعجبني ثوبك يا رافينا. هل يمكنك ارتداءه عند رسم صورتك؟ " " كما تشاء يا مارك " قال ستيليو مقترحا: " وشعرها مسترسل وقد تطاير قليلا مع مهب الريح " راحت رافينا تراقب الشمس وهي تحترق في الافق وبعد قليل اقترحت الدخول الى البيت فقد احست بالبرودة تشيع الجو...قال ستيليو: " لاشك انك تعرضت لرياح الجبل بعدما غابت الشمس " قالت رافينا: " هناك نار في مدفأة الصالون " حملت رافينا الظبي وساروا جميعا الى الداخل وكانت ترجو ان لا تشاركهم دونا جوكاستا طعام العشاء وتحققت امنيتها واقبلت بابتيستا وقدمت ورقة لمارك وغادرت المكان قرأها بتجهم ثم القى بها في النار وسأل رافينا وضيفه ان يسمحا له بالانصراف لعدة دقائق. وخيم الصمت على الصالون لمدة وجيزة قطعه صوت تكسر الخشب المحترق في المدفأة. سألها ستيليو: " كيف تسير اموركا مع البادرونا العجوز؟ " نظرت اليه رافينا بتأمل وقالت: " انها لا تسير سيرا طيبا. اصيبت بخيبة امل عندما تزوج مارك بأجنبية اظن انها كانت تعبد دوناتا وهي دائما تعقد مقارنة بيني وبينها " قال ستيليو بهدوء: " ليست هناك اي مقارنة " ركعت رافينا على ربتيها فوق السجادة ومدت يدها تلتمس الدفء من نار المدفأة وقالت: " اعرف ذلك. كانت دوناتا جميلة كما انها كانت تتمتع بكل اسباب الكياسة " ساعدها ستيليو على الوقوف على قدميها وراح يتأملها على ضوء اللهب ثم قال لها: "لكنك تتمتعين بجمال الروح يا رافينا في كمال المقياس ولديك جمال الجسم" وجذبت نفسها من يده مذعورة كانت تخشى ظهور مارك المفاجئ فيراها على مقربة من الفنان المليح الوجه واردفت تقول: " اريد ان نكون اصدقاء ومن المستحيل ان تتفوه بمثل هذه العبارات التي لا يحبها مارك " قال بهمس: " هل اتظاهر بعدم وجود امس..فيه رأيتك اسعد حالا من اليوم هل تشعرين بالسعادة عندما يغيب زوجك عن البيت؟ " واحست انه يطرق الحقيقة فقال له: " ليس من حقك ان تقول اشياء مثل هذه. لقد سألك مارك ان ترسم لي صورة لا ان تقوم بدور محلل نفسي لي" " الفنان يتعلم قراءة لغة العيون والعيون نافذة تطل على الروح. كم تمنيت ان تكون دروبنا التقت قبل ان يطرق مارك باب حياتك. اظن يا مادونا اننا انت وانا كنا سنعثر على الشئ الكثير الذي نستمتع به سويا " قالت بحزم: " اعتقد انك تجاوزت حدود كرم مارك انا لست واحدة من زبائنك التي تستهويها مغازلة فنان مليح الوجه مثلك واظن انه من الافضل ان نلغي جلساتنا : قال بهدوء: " سوف تندمين " " اندم؟ ماذا تقصد؟ " " اعتقد انك بحاجة الى صديق ولم افترض ابدا انك واحدة من النساء الاتي جلسن امامي. ان سعادتهن تبلغ درجة عالية عندما يقوم فابريزي برسم صور لهن ومغازلتي لهن ترضي غرورهن اما انت فشصية مختلفة تماما انا معجب بك واريد رسم صورتك لانك صورة للتحدي وادهشني كثيرا عندما اسائل نفسي هل في وسعي ان انقل الى القماش هذا السحر الذي اراه في عينيك وجوهر الحزن الذي يشوبهما وهل يمكن ان يكون الامر غير ذلك وانت شابه تعيش مع زوجها ويشاركهما الحياة شبح امرأة اخرى " وتطلع كل واحد منهما الى الاخر حينما فجأة توهج لهب النار وكش لها الحقيقة واضحه فحاولت رافينا ان تبدو مثل المضيفة الفخورة ببيتها. قالت: " هذه الغرفة جميلة اليس كذلك؟ " وراحا يتبادلان الرأي حول النقوش المرسومة على السقفعندما رأت مارك يقبل عليها شاهدت مسحة من التجهم مرتسمة على جبينه وادركت ان دونا جوكاستا بعثت الضيق في نفسه ولكنه سرعان ما تخلص من مزاجه المنحرف وبدا جذابا وهم يتناولون الطعام وحاول ان يذكر رافينا كيف استطاع ان يجذب اليه جاردي عندما كانا يتناولان الطعام في رافنهول وراح يسرد عليها قصص طريفة اشاعت في نفسها الضحك وجعلها تنسى ندوبه المخيفة فبدا لها ساحرا. اخذت رافينا تعبث باصابعها فوق حافة الكأس ولاح لها ان هذه الغرفة الكئيبة لم تشهد منذ فترة طويلة ضحكات مجلجلة كما تشهد الان ستيليو وهو يضحك بمرح. كان في ضحكه جذابا تتلألأ اسنانه وسط بشرته الايطالية وعليها ان تكون حريصة في الايام المقبلة على الا تظهر اعابها للرجل التي ستمضي معه في الشرفة اصيل كل يوم. استعد الفنان للرحيل فقالت له رافينا: " احضر معك تيو سيفتقدك كثيرا بحضور وحدك هنا " وجه ستيليو حديثه الى مارك وقال: " زوجتك يا سنيور تتمتع بقلب حنون. انها تفكر ايضا في كلبي الصغير سأحضره معي احيانا بعد ذلك " قال مارك " طبعا " ثم وضع يده حول خصر رافينا وسقط نور مصابيح الباب فوقهما بينما ستيليو كان يستعد للجلوس خلف عجلة القيادة فالتفت اليهما وقال : " وداعا " وكان الليل ينبض بالحياة بصوت محرك سيارته ولكن الصمت خيم على المكان بعد رحيله كان الليل سانا الا من همس خافت يجوب بين اشجار السرو ووميض خفيف ينبعث من الازهار الغامضة التي تتبدل من اللون الازرق الى اللون الابيض عندما يرخي الليل سدوله . تمتم مارك قائلا: " الزهور مثل افكارنا تتغير مع مجيئ الليل انت صامتة يا رافينا وهذا يدعوني الى معرفة افكارك " قالت: " انا...انا ارجو ان تكون الامور قد استقرت في المصنع " اجل...انتهينا من موضوع الالة الجديد. بعض العمال يتشككون من الالات الحديثة. الم اقل لك ان اهالي سردينيا يتمسكون دوما بالاساليب القديمة " اصاب رافينا التوتر عندما شعرت بيده تتلمس شعرها فقالت: " مارك...ارجو ان لا يكون قد نشب جدال بينك وبين جدتك " اجابها ضاحكا: " هل تتصورين اننا لم نتبادل الكلمات من قبل اننا نتميز بالعزيمة القوية وبالطبع الحاد في الجدال كل منا مولع بالاخر وسرعان ما ننسى ونغفر. اخبرتها ان السنيور فابريزي سيأتي الى هنا كل يوم ليقوم برسمك فاتهمتني بالحماقة وسألتني ان اعهد برسمك الى فنان اقل شبابا وجاذبية من ستيليو " وبحركة سريعة دار جسم رافينا حتى واجهته واحاط خصرها بذراعيه وقال: " ان شرف بيت السردي يقوم على طريقه محافظته على زوجته " قالت: " لم اجد مشقة في فهمك ولكن ماذا تفعل لو انني خنتك هذا اذا اكتشفت الامر بنفسك " وتلألأ نور المصباح في عينيه السوداوين وهما تتطلعان في عينيها ورأت في اغوارهما شيئا يخيفه وقال بهدوء: " اذا تجاوز رجل حدوده معك سأحطمه سيفقد كل شئ ثمين لديه " تطلعت رافينا الى وجه مارك ورأت نور المصباح يكشف الندوب الغائرة على صفحته والقسوة في كلامه فتراجعت الى الوراء واحست ببرودة تهز كيانها وخضرة عينيها تخفق عبر رموشها. سألته: " هل ندخل البيت؟ " قال: " اجل " دخلا البيت واوصد الباب الكبير وراءه ثم امسك بيدها وسارا عبر الصالة التي تؤدي الى السلم فأحست بيده دافئة وقوية وهما يرتقيان الدرجات وذكرت الليلة التي حملها فيها مارك الى برج افارس والغضب يموج في اعماقه اما هذه الليلة فان مزاجه يبدو ارق وهو ممسك بيدها كأنه يخشى ان تهرب منه.
***نهاية الفصل الخامس***
6-أدونيس جواد أسود
وعد مارك رافينا ان يقدم لها جوادا يكون ملكا لها تمتطيه وقتما تشاء واختار لها مهرا اغبر ابوه ذو فحولة يركض بجنون عبر تلال سردينيا وكان المهر رقيقا استطاع ان يربط اواصر الصداقة بينه وبين رافينا. وكان ادونيس الاسود هو الجواد المفضل عند مارك وذات صباح هبطت رافينا الى الاسطبلات لتلهو مع المهر وعلمت من صبي السائس ان ادونيس قد القي بصاحبه السابق ارضا ووطأه بحوافره. قال الصبي موضحا: " ادونيس يحب الا يضربه احد بالسوط ومارك لا يحمل اي سوط ولهذا كان الجواد اليفا معه " وقفت رافينا على باب حظيرة ادونيس تحمل قطعة من السكر في راحتها واشاح الجواد بأنفه ورفض ان يقبل الرشوة من شخص مازال غريبا عنه. ضحكت رافينا وقالت: "ايها الشيطان المتنكر لشدة ما اتساءل اي شخص تريد ان يمتطيك؟ " عندما كانت رافينا قاصرا تعيش تحت وصاية واحد من الفرسان كانت تستمتع بركوب الخيل وهي مازالت شابة صغيرة..تعلمته هي ورودري حتى اتقنته واصبحت الان تمسك بمقود الجواد وتقوده وهي ثابتة الجنان فوق السرج فاستحقت ان تكون فارسة ممتازة ونالت اعجاب مارك عندما رأها تمتطي برشاقة فوهبها المهر كدليل على تقديره لطريقتها في ركوب الخيل وادركت ان زوجها سردي لا يعبر عن اطرائه بالكلمات وانما هو رجل عملي. وبينما هي واقفة تتأمل ادونيس باعجاب تناهى الى سمعها وقع حذاء يعبر فناء الاسطبل فاستدارت لترى مارك يرتدي سروال ركوب الخيل وقميصا ابيض اللون جعله يبدو اكثر شبابا ورياضيا في لباس الفرسان. وفي الحقيقة لم تعرف رافينا رجلا سليم البنيان دؤوبا مثل زوجها فهو يمضي ساعات طويلة يتفقد اعماله ويعكف في مكتبه على دراسة اوراقه الهامة حتى ساعات متأخرة كما انه يعمل على انجاز شؤونه المحلية بنشاط ملحوظ. ابتسمت وهي تشعر بالخجل يعتصر قلبها ثم قالت: " صباح الخير..احاول ان اكسب صداقة ادونيس ولكنه يبدو خجلا مني " " ارجو ان لا تكوني حاولت دخول حظيرته لقد اسيئت معاملته مرة فأصبح يشك في اغلب الناس " قالت: " اكره التفكير في ان يكون احد ألم مثل هذا الحيوان المتكبر " ارتسمت ابتسامة على شفتي مارك وهو يدلف الى حظيرة ادونيس فناولته رافينا السكر الذي التهمه الزواج وهو يدفع عنقه في كتف مارك ثم وضع السرج على متنه واللجام في فمه وادركت تماما مدى التفاهم بينهما. انهما يقتسمان ألم الذكرى السوداء ويشتركان في الخطر الداهم الذي يتعرض له المرء اذا ما راودته فكرة الاقتراب منهما. ثم سمعت وقع حوافر مهرها على ارض الاسطبل بعد خروجه من حظيرته وقد اعد السرج على ظهره استعدادا لرياضة الصباح فأسرعت الى امتطائه وتألقت شمس الشروق فوق شعرها المتوهج وسرح المهر الذي انتصبت اذناه واهتز لجامه وكأنه يقول لراكبته ( هيا بنا... دعينا ننطلق ). استدارت لترى ما اذا كان مارك قد امتطى جواده فتبينت انه قد استقر فوق ظهر الحصان وارخى حافة القبعة فوق وجهه الاسمر وغادرا فناء الاسطبل وانطلقا الى رحاب الريف. واحست رافينا بالحرية وهي تركض بجوادها عبر الارض الشاسعة رغم وجود مارك بجوارها. هناك سحر يكسو المكان في رائحة العشب وقطرات الندى التي فوق عيدان الحشائش وسيقان الاشجار الشوكية وبعد قليل سوف تستنزف الشمس بيد حانية الالوان من الحشائش والزهور البرية . كان قلب رافينا يشدو بأغنية غريبة نصفها مرح ونصفها الاخر دهشة اذ احست انها قريبة من دنيا السعادة وخيل لها ان الريح تلهب سياطها فوق شعرها فانطلقت بجوادها تسابق مارك على ارضه التي يعرف فيها كل شبر وكل صخرة وكل شجرة زيتون وسألت نفسها: هل تريد الهروب منه؟. والتفتت تنظر اليه فرأت ابتسامة تكشف عن اسنانه البيضاء وسط وجهه الاسمر وقد كبح جواده عن المضي في الجري تاركا اياها تعتقد ان في وسعها الهرب منه واندفعت قبعته لتسقط وراء رقبته فبدا لها في صورة قاطع طريق يتعقب خطاها وتولتها رعدة من الخوف سرت في اوصالها رعدة دفعتها الى ان تحث مهرها الى الاسراع وتشبثت ركبتاها بالسرج وهو يتخذ طريقه الى غابة الصنوبر الكثيفة وعندها تناهى الى سمعها صوت الحصى وهو يتناثر تحت وطأة حوافر ادونيس كان المهر قد بلغ الممر الطحلبي المؤدي الى داخل الغابة ثم شمت رائحة الراتنغ الصمغية المنبعثة من الاشجار ويبدو انها خدرتها هي ومهرها وحينما بلغت رافينا موقع جدول يتدفق فيه الماء عبر الغابة توقف المهر فجأة فاهتز جسمها فوق السرج وانتابها دوار وتقطعت انفاسها ولفتها ظلال اشجار الصنوبر ونظرت حولها فرأت مارك في محاذاتها. قالت لاهثة: " هذا...هذا الماء اهو صالح للشرب يا مارك؟ " قال: " انه يتدفق من الجبال عذبا صافيا " رمقته بنظرة سريعة ثم انزلقت بجسمها من فوق السرج واسرعت تركع فوق ضفة الجدول واستخدمت راحتيها لشرب الماء وكان باردا كأنه مثلج وطفقت تستعذبه وهو يجري لذيذا عبر حلقها. سألت مارك وهو يترجل من على حصانه ويسند ظهره الى شجرة صنوبر: " الا تشعر بالظمأ؟ " قال: " في وسعي ان احتسي قليلا من القهوة " وشعرت انه يتطلع اليها وهي جالسة على حافة الجدول تجفف يدها ثم اردفت يقول: " اتحبين الذهاب الى مطعم صغير اعرفه حيث نتناول طعام الافطار؟ انهم يصطادون السردين مباشرة من البحر ويعدونه مشويا او محشوا بالخضرة" قالت: " انا جائعة. ان ركوب الخيل يفتح شهيتي " " انت تحبين ركوب الخيل...اليس كذلك يا رافينا ؟ " قالت: " لم امتطي جوادا رائعا مثل هذا المهر " ورمقت المهر بشغف ثم اردفت تقول: " احب رائحة الصنوبر انها نقية منعشة طلقة مثل ركوب الخيل السريع عبر الريح الباردة وكل شئ له لذعة قارصة " وتطلعت الى مارك ورأت لمعان اسنانه وعلى شفتيه ابتسامة وادركت انهما وحدهما. انه زوجها ومع ذلك انه الشخص الوحيد الذي يستطيع ان يدغدغ اعصابها وقد بدا جسمه واضحا لها انه عريض المنكبين وتتراقص الرغبة تحت قميصه الابيض واطرافه طويلة واضاف حذاءه الذي يصل الى ركبته سمة القوة الى هيئته وكان لابد لها ان تمر بجواره كي تصل الى مهرها فأخذ قلبها يدق وهي تنهض واقفة واتخذت سبيلها نحوه. مد يده في تراخ وجذبها نحوه ونفذت يده الاخرى في اغوار شعرها المتطاير وفجأة اشتدت قبضته عليها وهو يتحدث اليها: " قبلتك تبدو وكأن الثلج يسري في عروقك بينما تبدو النار في نظرة عينيك ما من مرة يا رافينا خلال الاسابيع التي امضيناها سويا شعرت بالدفء في قلبك " قالت والبرودة تشوب صوتها : " منحتك كل ما يمكنني ان اعطيك اياه. اذا كنت تريد الحب يا مارك كان الاحرى بك ان لا تجبرني على الزواج منك " سألها وفي صوته نبرة سخرية: " هل كنت تصيغين السمع لي لو غازلتك بالطريقة التقليدية؟ ماذا كان تفكيرك عندما التقينا في المرة الاولى ؟ " احست بنبضات قلبها تخفق قريبا من قلبه وادركت انه يشعر بهذه الدقات المجنونة حينما قالت له: " كنت ارجو ان تذهب بلا عودة " لمس وجهها وراح يتحسس العظام الرقيقة اسفل بشرتها الناعمة وسألها: " كأن الشيطان قام بزيراتك اليس كذلك؟ هل كنت ابدو شيطانا امامك يا رافينا؟ هل بعثت الشقاء في نفسك ؟ منذ لحظة وجيزة كانت عيناك تتألقان " قالت: " انا...انا احب ان امتطي مهري. من الافضل ان تعطيني جوادا استطيع ان امتطيه جيدا ". "لا بد انك تعلمت ركوب الخيل منذ طفولتك". " اجل..جاردي كان دائما يعاملني وكانني ابنته،وما تعلمه رودري لم يكن ضنينا على به. ذهبنا سويا الى مدرسة تعلم ركوب الخيل". "هل عشتما مع بعضكما البعض فترة ". وتطلعت اليه، ولمحت القسوة في عينيه وقالت له: " كما اخبرتك من قبل يا مارك انني لا استطيع ان امحوذكرى رودري من عقلي كما عرفته كان مرحا انيقا في زيه العسكري وجذابا " قال مارك بنبرة مريرة متسائلا: " جذابا؟ هيا بنا دعينا نذهب لتناول طعام الافطار " وقاما بامتطاء الجوادين وقفلا عائدين من غابة الصنوبر وكانت الشمس دافئة وهما يمضيان في الممر المؤدي الى الفندق الصغير القائم فوق التل المطل على الشاطئ وكانت جدرانه الخشبية بيضاء وسطحه منحدرا قليلا وله حديقة تناثرت فيها اشجار الكروم والجميز وشجرة توت كبيرة صفت الموائد تحت اغصانها. قادهما شاب خجول الى احد الموائد وكان يتحدث بانجليزية ركيكة سريع الحركة اطاح الحركة وهو يفرد الفوطة ويضعها على حضن رافينا وقال: " اجل...اجل يا سيدي..سيدتي السردين طازجا من البحر مباشرة " وظهرت في الحديقة شابة حافية القدمين ترتدي ثوبا قرمزي اللون وتحمل فوق كتفها سلة مملوءة بالسمك منحت مارك ابتسامة سريعة ورمقت رافينا بفضول ثم قالت: "صباح الخير يا سيدي هل اتيت لتتناول السردين المشوي كما كنت تفعل في الايام الخوالي؟ " " اجل يا سانتوزا. احضرت زوجتي لتأكل الذ طعام افطار موجود في كل ساردينيا " قالت سانتوزا: " لطيف منك ان تقول هذا يا سيدي " ومنحته الشابة انحناءة احترام وادهش رافينا جرأتها ونظراتها الضاحكة وقد اضافت بلوزتها الزرقاء وتنورتها القرمزية الحيوية لشبابها كما لاحظت انها تنظر الى مارك كما لو كان بينهما صداقة قديمة. حملت سانتوزا السلة الى الفندق وطلب مارك كوبين من اللبن ليحتسياه حتى الانتهاء من طهي السمك واتت سيدة عجوز بالكوبين وكانت ترتدي وشاحا اسود اللون فوق رأسها شأنها في ذلك كل جيلها المسن. قالت بالانجليزية: " اتذكر يا سيدي عندما كنت تحضر ابنك معك هذا الصقر الشقي ليحتسي لبننا"....ثم اضافت بالايطالية: " كوزي ايستا لافيتا " ثم طفقت تجوب بنظراتها لتتأمل رافينا فأدهشها لون شعرها الاحمر وبشرتها البيضاء واردفت تقول بالانجليزية : " انها قطعة رائعة الجمال لابد انها تدير رأس اي رجل ولكن من الافضل ان تقترن بواحدة منا " وراحت تتمتم وهي تغادر المكان وتركت وراءها رافينا مدهوشة وسألت مارك: " انها تعني...هكذا هي الحياة " وكأنما الكلمات التي تفوهت بها العجوز اعادت الزمن القهقري وتذكر مارك بوضوح عدد المرات التي جاء فيها الى الفندق بصحبة فتاته ذات الشعر الاسود لتتناول معه طعام الافطار وبعد مدة كان يأتي معهما ابنهما الصغير... الصقر الصغير الشقي. احتست رافينا رشفة من اللبن وراحت تبحث عن شئ تقوله...اوه لماذا اتى مارك بها الى هنا ؟ لماذا..... وهذا المكان يحمل ظلالا من الذريات وقد يحدث ان يسمع ضحكات طفل توارى وراء اشجار الكروم والجميز. قالت: " مارك " ولكنه قاطعها قائلا: " كل شيئ على ما يرام رافينا. اشكرك على تلك النظرة التي تجول عينيك...الشفقة من اجل الطفل. كان يحلو له المجئ الى هنا والاختباء وراء الاشجار ورش الماء من النافورة العتيقة ولكن الذكريات لا يمكن محوها كما تقولين كما انه لا يمكن الاختباء منها. هاهي نتاليا تأتي بالسردين " اقبلت رافينا على الطعام بشهية وهي تقول: " لم اذق في حياتي مثل هذا السردين اللذيذ والخبز ما زال دافئا خرج لتوه من الفرن والزبدة تسيح من شريحته " قال مارك: " يبدو منظرك كتلميذة جائعة " حقا كانت رافينا بشعرها المتطاير وقميصها المفتوح وهي ممسكة بقطعة الخبز المدهونة بالزبدة لا تكاد تبدو انها زوجة ولا يؤكد زواجها شئ سوى خاتم الزفاف الذي يزين يها اليسرى وادركت ان مارك يعقد مقارنة بينها وبين دوناتا. لابد انها كانت هادئة وفاتنة ورشيقة وشعرها الاسود ناعما وعيناها على استعداد لان تهبه ابتسامة خلابه وصوتها الناعم فيه سحر اغراء. مسحت رافينا شفتيها ولابد انها كتمت الصرخة التي ندت من قلبها. لقد عرف مارك الحب ولكنه حرمها الفرحة الممتعة لهذه العاطفة كل ما لديه هو الرغبة فقط. سألها: " ماذا تريدين الان ايتها العروس؟ هل تودين مشاركتي تناول فاكهة بيرسيفون ؟" راحت تراقبه وهو يقطع الفاكهة مناصفة ورأت العصير يجري فوق يده التي كستها الندوب واردف يسألها: " هل تعرفين اسطورة بيرسيفون؟ " التهمت رافينا قطعة من الفاكهة اللذيذة وقالت : " التقى بها ادونيس مصادفة وهي تقطف الزهور وحملها معه الى قصره. هل تسمح لي بعد مضية ستة شهور ان اعود الى عالمي مرة اخرى " تطلع اليها مارك وقال: " اذا كنت ترغبين في رؤية جاردي فلن اقف دون ذلك ولكن ان كنت ترغبين في رؤية رودري الجذاب فهذا شئ اخر " " ارجوك هل من المحتم ان يدور حديثنا عنه ؟" قفزت رافينا واقفة على قدميها واخذت تتجول بين اشجار الكروم والجميز وكانت عناقيد العنب صغيرة ومرة وعثرت على عريشة تظلل مقعدا صغيرا من الحيد جلست عليه واخذت اصابعها تلوي بعنف منديلها ولم ترفع رأسها حينما اظلم المدخل بجسم مارك الفارع. قال: " يجب ان نعود الى البيت " وتذكرت بيتها في وطنها وتواردت الصور في عقلها عندما فكرت في العودة الى بيتها الى غرفتها في رافنهول بنافذتها الدائرية وشرفتها الممتدة وكتبها وخلوتها التي تطمئن اليها في احضان الجدران البيضاء . قال لها : " تعالي " وشعرت انها وقعت في شر ولا سبيل لها للخروج من العريشة الا الوقوع في احضانه فصرخت قائلة : " اكرهك....لن اشعر بشئ سوى الكراهية نحوك والقلعة والريح التي تهز اشجار السرو انها تبكي في الليل لا شئ سوى النحيب في الكازا هل شعر هذا البيت يوما بالسعادة؟ " قال لها: " مازلت صغيرة " وجذبها نحوه ولما حاولت ان تفلت هاربة من بين يديه شعرت بقوته تجذبها ثانية فقالت له: " انت تحب ان تثبت لي انني لا استطيع الفرار منك. هذا ما تحبه...اليس كذلك؟ " ضحك بمرح وجذب وجهها نحوه وتمتم: " عيناك خضراوان وثائرتان " اشاحت بوجهها وهي تقول: " لا تفعل...." وكانت تدرك انه يحاول تقبيلها فضحك ثانية وجرت يده التي تكسوها الندوب على طول شعرها الاحمر وقال: " هيا بنا نعود ".
* * * * * *
وصل ستيليو عقب الغداء ليواصل رسم صورة رافينا ولكنه بعد مضي ساعة القي بفرشاته وسار تجاه المائدة ليحتسي كوبا من عصير الاناناس المثلج الذي يحبه ثم قال بتجهم: " انني اتحدى يدي اليوم. هل ترغبين في كوب من العصير؟ " هزت رأسها وهي تسترخي على سور الشرفة وقد تبين لهما ان الظبي لن يكون هادئا اثناء الرسم لذلك فضل ستيليو ان يرسمها وحدها بجوار السور وساعده ذلك على مواصلة عمله. القى عليها نظرة فاحصة طويلة ثم سألها: " ماذا يزعجك؟ بدوت غريبة على الابتسامة. انني اصر ان ترسم ابتسامة الموناليزا على شفتيك وانا ارسمك " قالت: " المرء لا يستطيع دائما الابتسام انني...انني اشكو من صداع خفيف " سار نحوها بقميصه الازرق الشاحب وتطلع اليها بعينين تتلألأ فيهما اضواء كهرمانية اللون وسألها: " هل انت صادقة معي؟ ربما قلبك يسبب لك الما؟ " اجفلت رافينا لنفاذ بصيرته ورأت ان عليها ان تكون حريصة مع ستيليو فهو شخص جذاب وعطوف وفي هذه اللحظة احست انها بحاجة الى قليل من هذا الحنان والى كتف تريح رأسها عليه لمجرد لحظات قليلة ولم تحتمل نظراته الغاوية التي تتلألأ في عينيه فأشاحت بوجهها بعيدا عنه وشخصت ببصرها نحو الجبال ومياه البحر التي تجري تحت البيت وكانت تنبض مثل نبض قلبها في موجات متتالية وكان الجومشبعا بالحرارة وكأن عاصفة تنذر بالقدوم. قالت: " الجو ثقيل يدفعني الى القلق " لقترب ستيليو منها وقال: " انها الرياح الشرقية الحارة التي تهب من افريقيا وهي تثير اعصاب اي شخص غريب " قالت بحدة : " كفى....يا ستيليو " " اريد ان اقول انها اثارت اعصابك خلال الساعة الماضية. انت تعيسة يا رافينا وانا اعرف السبب " ورسمت ابتسامة على شفتيها وهي تنظر اليه ثم قالت: " لا تستطيع ان تعرف السبب بسهولة. ارجوك يا ستيليو اصحبني بجولة في السيارة " قال والاضواء الكهرمانية تحترق في عينيه: " على الرحب والسعة ولكن ماذا عن زوجك؟ " " ان مارك في اجتماع مع صانعي الشراب ولن يعود قبل ساعات وانا اريد ان اشعر بالريح تلفح وجهي " قال: " اذن هيا بنا " امسك ستيليو بيدها ومثل اطفال المدارس انطلقا يهبطان درجات السلم ويخترقان الصالة ويغادران باب البيت. ولم يلحظ احدهما السيدة ذات الرداء الاسود وهي تتلصص عليهما واقفة في الرواق بنظرات تومض ومضا سريعا ثم هرعت لتفضي الى سيدتها بأن البادرونسيتا انطلقت تجري من البيت يحدوها مرح القبرة وهي ممسكة بيد الفنان الايطالي. كان اون سيارة ستيليو اللوتس رماديا واخذت تسابق الريح عبر الطرقات التي تخترق الجبل وفي كل منحى كانت رافينا تمسك انفاسها وتشعر انها تطير في الهواء ولن تفكر في ركوبها مرة ثانية اما الان فهي ترغب ان تمتع نفسها وكان ستيليو يهلل كلما لفحته نسمات الهواء ويقول لها: " انها منعشة اليس ذلك؟ " ضحكت قائلة: " انها رائعة من الافضل لك ان تكون سائقا لسيارات السباق " قذفها بابتسامة سريعة وقال: " ان الريح تلسع شعرك بالسيط. ما رأيك يا رافينا ان نتوجه الى الساحل..." " لا..لا..انه بعيد جدا " " ليست المسافة بعيدة وانت تركبين لوتي وفي وسعي ان اقدم لك شرابا مثلجا في مسكني وسأعود بك في الساعة السادسه. هل انت خائفة ؟ " قالت ساخرة: " منك..؟ " " لا...وانما من زوجك " ويبدو ان شيئا اعتصر قلبها ودفعها الشعور بالخوف من مارك الى التمرد فقالت بلا اكتراث: " يمكنك ان تقدم لي شرابا باردا. انتظر...دعني افكر ثانية " قاطعها ضاحكا: " افلت الامر من يديك. لقد بلغنا الطريق المؤدي الى الساحل " " كنت اود ان اقول انني افضل عصير البرتقال " واخذت السيارة تطوي الطريق الناعم المحاذي للشاطئ وانقضت فترة قبل ان يرخي الخوف اصابعه التي نشبت اظافرها في قلب رافينا. كانت تدرك انها ترتكب جرما تجاه مارك وقررت ان تخفي عنه زيارتها لفلا ستيليو ما يجهله مارك لا يسبب في قلقه...اخيرا وقفت السيارة امام فيلا رائعة الجمال تقع في ميدان يضم عددا من المنازل الفاخرة ورأت سلما ابيض اللون عربي التصميم يؤدي الى الشرفة كان المنزل يبعث على الشعور بالبهجة والمكان يناسب حقا فنانا غير متأهل. وضع ستيليو مرفقه على عجلة القيادة وسألها: " حسنا...هل تدخلين الفيلا؟ " قالت: " كيف لي ان اقاوم " وانزلقت تغادر السيارة واستدار هو من الجانب الاخر لينضم اليها وارتقيا السلم المؤدي الى الشرفة وفتح الباب ودخلا غرفة واسعة وباردة بها اريكة هلالية الشكل مكسوة بالقطيفة وبعض الزخارف النحاسية ودولاب للشراب فارسي التصميم ولوحات ايطالية تزين الجدران وولاعة على شكل بجعة فوق منضدة صغيرة. قالت رافينا بابتسامة : " انت مترف " نظر اليها بجسارة وقال: " كنت شابا محروما. ذقت الفقر والحرمان في مطلع حياتي. اجلسي من فضلك وسو اسكب لك شيئا " قالت بخفة: " اريد ان احتسي عصير البرتقال " ثم جلست في احد المقاعد الوثيرة وامتزج لون فستانها الاصفر بلون قماش القطيفة البرتقالي الذي يكسو المقاعد ووضعت يدها على شعرها لتسوية خصلاته والقى ستيليو نظرة اليها قبل ان يتوجه الى دولاب الشراب وفتح احد مصراعيه وقال: " لم يعد عندي عصير برتقال...الا تثقين بي؟ " قالت: " افضل ان احتسي مقويا ممزوجا بالثلج " تطلعت الى خاتم الزفاف في يدها اليسرى ثم تفرست في ستيليو وسألته: " هل تعيش وحدك هنا ؟ " " اجل الا تشعرين بالاسف لي. هناك سيدة تأتي لتنظيف البيت وتلمعيه وتقوم بطهو الطعام اذا دعوت بعض الضيوف ولكني اعتدت ان اتناول عشائيفي المطعم " قدم لها الشراب في كأس على شكل زهرة التيولب ثم سألته: " دائما وحدك؟ " جلس على الاريكة الهلالية الشكل ومد ساقيه حتى تقاطعا ورفع كأسه وقال لها: " في صحتك..ان الرجل يعتاد على الوحدة ولكن يوجد علاج واحد لها. في اي حال هل ابدو لك انني من النوع الذي يستطيع ان يعيش حياة الرهبان؟ " ابتسمت وهزت رأسها وقالت: " كنت دائما اعتقد ان الايطاليون يتزوجون في سن مبكر ليكون لهم عائلات كبيرة " قال: " لكل قاعدة شواذ خذي نفسك مثلا انت فتاة جميلة...وتتزوج ضد رغبتها " تجمدت الابتسامة على شفتيها وقالت : " ما جئت هنا لنتحدث عن زواجي انما جئت...." قاطعها قائلا: " لتنسيه فترة. لا داعي للتظاهر معي رأيتك على حقيقتك وانا اقوم برسمك وكيف يكون شكلك عندما ينضم مارك دي كورزيو الينا ونحن على الشرفة في الكازا كأن الضوء يهرب من عينيك...وكأنك تتخلين عن نفسك " وضعت كأسها على المنضدة وقفزت واقفة على قدميها وقالت: " كفى ما جئت الى هنا لتقوم بتحليل زواجي او مناقشة مشاعري الشخصية ليس هذا من شأنك " قال: " هل تظنين ذلك؟ " ثم وقف بدوره ورأت سمة الجدية في نظراته ثم اردف يقول: " التقين على الشاطئ وكنت جذابة والتقيت بك ثانية في بيت دي كورزيو ورأيت فيك فتاة تختلف تماما عن تلك الفتاة التي توجهت معي الى الكهف. في كل يوم منذ التقينا وانا احوال ان انقل الاضواء الضاحكة التي تتلألأ في عينيك الى اللوحة لكن هذا مستحيل! انها لم تعد هناك شئ غامض يحاول ان يقبعها" وتجرع بقية الشراب ثم استطرد يقول: " سيدتي هل تتصورين اني احمق؟ هل تظنين انني خبرت هذه الدنيا قليلا فلا ادرك حقيقة المرأة التعيسة عندما يقع بصري عليها؟ " " وهل تظن اني جئت الى هنا لتقدم لي العزاء؟ وهل هذا هو الاسلوب الذي يستجيب به زبائنك التعساء الى سحرك؟ " قال لها: " لكنك صرحت لي بأنك تعيسة " وقام ليتناول سكارة ثم توجه ليغلق الابواب الزجاجية التي كانت تسمح بدخول نسمة حارة جعلت رافينا تلهث بأنفاسها ولما عاد وقف الى جوار كتفها شعرت بالتوتر ولم يكن سبب توترها خوفها من دافع غريزي منه وانما كانت تشعر بنوع من الود يضفيه عليها والحنان يعتبر اخطر عاطفة عندما تكون المرأة بحاجة اليه. قالت: " كل شئ يسوده الهدوء حتى جمع الحصاد هدأ والاشجار نسجت خيوطها بزرقة السماء الحارة " تمتم قائلا: " كم احب سماع بلاغة وصفك. لديك سمة تصيب المرء بالهوس لم اجدها من قبل في اي امرأة اخرى " " هل عرفت نساء كثيرات يا ستيليو ؟" " انا في الثانية والثلاثين من عمري وفنان له مكانته لابد ان يتعرف بالناس" " انا اسفة انك تلقى المتاعب بسبب صورتي وربما تنفض يديك منها قريبا " " يجب ان اتخلى عنك لأتخلى عن الرسم. لقد فتنت بجمالك يا رافينا ارجوك لا تغادري المكان انني لن المسك او اجبرك على مشاطرتي مشاعري انا اعرف انك فتاة وفية لزوجك حتى لو لم تشعري بالحب نحوه. ذات يوم...ربما...سوف تفضين لي بسبب زواجك منه " تولتها رعدة خفيفة ربما كان السبب زمجرة الريح او وميضا في السماء دفعها الى ان تتراجع عن النوافذ وجعلها تقترب من ستيلو ليصتدما برفق. اغمضت عينيها واندفعت ذكرى جاردي الى عقلها. كان رقيقا وحانيا عليها واعتاد ان يقبلها على وجنتها حين عودتها من المدرسة طفرت الدموع من عينيها وانسابت على وجنتيها بينما كانت السحب تبرق خارجا وهدير المطر يتدفق من عنان السماء ويتطاير رذاذ منه على زجاج الابواب المفتوحة فسحبها بعيد واظلمت الغرفة وبدأ الهواء يهب بعنف. مسحت رافينا وجنتيها المبللتين وفتحت عينيها تشاهد العاصفة وقالت: " ما كان يجدر بي ان اتي الى هنا. الى متى سيدوم هطول المطر ارغب في العودة الى البيت يا ستيليو " فنظر اليها مأخوذا وقال: " لا استطيع ان اعود بك في مثل هذا الجو انت لا تعرفين كم هيسيئة طرق الجبل حينما يكسوها المطر اهدئي وكوني ظريفة ان المطر المنهمر لا يدوم طويلا وسأعود بك بأسرع ما يمكن " راحت رافينا تقطع الغرفة جيئة وذهبا وهي تسائل نفسها: لملاذ وافقت على المجئ معه؟ ادركت انها اخطأت ووقعت في شراك العاصفة ويبدو ان غضب المطر لن يتوقف . قال لها: " اجلسي " وسكب لها شرابا طازجا احتسته وشعرت برأسها يسبح بخفة والحرارة تدب في اوصالها وزاد نحيب قلبها كانت خائفة على نفسها وعلى ستيليو. قالت: " مارك سيغضب. انني لن اخبره بمجيئي معك الى هنا " مال ستيليو نحوها وقال: " ماذا في وسعه ان يفعل؟ علام يغضب اذا علم الحقيقة..بأننا شربنا..بأننا تحدثنا..بأننا اصدقاء " " من الصعب تعليل هذا التصرف " " حاولي يا رافينا...دعيني افهم السبب الذي يدفع فتاة مثلك ان تعيش في خوف من رجل من واجبه ان يشعر بالحب نحوك وان يرغب في اسعادك " حاولت ان تبتسم ولكن محاولتها باءت بالفشل. سألها ستيليو: " الا تخطئين فتتصورين الحب...جاذبية ؟" قالت متسائلة: " الحب؟! " وحدقت في المطر المنهمر كأنه سياط تلهب ارضية الشرفة فسارع ستيليو الى غلق الابواب الزجاجية فتوقف تيار الهواء. قالت رافينا بهدوء: " عندما يوجه القدر حياتك بقسوة يتوقف ايمانك بالحب. لم يطلب مارك مني حبي مطلقا ولم يسألني الزواج منه الا امتثالا لاسلوبه معي " امسك ستيليو بيدها اليسرى وتحسس خاتم الزواج وقال: " لماذا؟ الانك شعرت بالشفقة نحوه؟ الانك لا تحتملين ان تكوني سببا في ايلام رجل سبق ان لحق به اذى؟ رافينا ان زواجك منه يعد تضحية " بدا وجهها في ضوء العاصفة مستغرقا في التفكير وعيناها مثل البرك الموحلة بالطين. اجل انها تضحية ولا يمكن انكار هذه الحقيقة ومع هذا فانها لا تسمح لاستيليو ان يعزف على لحن حاجتها الى الحنان وعليها ان تحارب هذا الضعف الذي تشعر به في اعماقها والا سيصبح مصيرها الارتماء بين احضانه. قالت: " عندما كنت طفلة وكان المطر يحول دون خروجي اعتدت ان اردد اغنيى يا مطر...يا مطر...ارحل بعيدا وعد ثانية في يوم اخر. فهل تظن ان سحريسوف يفلح؟ " قال واصابعه تقبض على اصابع رافينا: "اعتقد ان هناك فرصا تتحقق فيه الامنية ولم يحدث ان التقيت شخصا في وسعه ان يلقي بسحره مثلما تفعلين " وفي هذه اللحظة ترددت اصداء رنين اجراس الباب في ارجاء الفيلا وزمجرة الرعد وتألق البرق في عيني ستيليو عندما راح كل منهما يحدق في الاخر. كانت عيناها تنذران بهجوم مباغت تردد صداه عبر عيني رافينا "
***نهاية الفصل السادس***
-ليلة العاصفة
سأل ستيليو متجهما: " من يطرق الباب في مثل هذه العاصفة ؟" ونهض واقفا عندما دق الجرس مرة اخرى واردف يقول: " لابد ان اجيب على الطارق يا رافينا " قالت: " بالطبع " والتقت عيناهما وراودهما سؤال واحد فهز ستيليو كتفيه باستخفاف وخطا خطوات واسعة وارهفت رافينا سمعها علها تلتقط صوت الزائر حينما يفتح ستيليو الباب. وشعرت انها مذنبة فالاتهام الذي سيوجه لها ولستيليو بأنهما عاشقان. وان مارك جاء سعيا وراءها. وشخصت ببصرها نحو الباب حينما لاح لها شبح طويل بلله المطر وقد وقف عند المدخل وتحققت مخاوفها العميقة. قال صائحا: " رافينا " وكانت قطرات المطر تتساقط من فوق شعر مارك الاسود لتستقر على عينيه وطفقت نظراته تفحص جسمها النحيل الغارق في المقعد الواسع المكسو بالقطيفة. ولم تستطع رافينا ان تحرك ساكنا وتركزت عيناها على وجهه الصارم. لم تصدق عينيها في بادئ الامر ولكنها كانت حقيقة واقعة ان مارك جاء بحثا عنها . سار الى الغرفة يتبعه ستيليو الذي بدا صبيا الى جوار مارك ونفر عصب في احد صدغيه عندما استدار ليواجه الرسام قال مارك بصوت بارد تشوبه مرارة الغضب: " احب ان تقدم لي تفسيرا لهذا الموقف...ماذا تفعل زوجتي هنا؟ " كسا المطر الشرفة ودقت الساعة معلنة الوقت كأنها تريد ان تنبه رافينا بأن مكانها في هذه اللحظة يجب ان يكون في بيتها وليس الاستكانة الى فنان فاسق. سألت مارك: " ماذا تفعل هنا؟ هل رأني احدهم وانا اغادر الكازا مع ستيليو؟ هل جئت الى هنا لتأخذني بعيدا؟ " رمقها بنظرة سوداء وقال: " لا...تعطلت عربتي في مكان ليس ببعيد من هنا واعرف ان فابريزي لديه هاتف فجئت استأذن منه الحديث الى الكراج. ولم يكن لدي ادنى فكرة انني سأجد زوجتي مع السنيور " مضت لحظة من لحظات الصمت التي تبدو فيها البراءة وكأنها اثمة ولم يقطع الصمت سوى صوت المطر المنهمر ولم تستطع رافينا ان تقاوم رغبتها في ان تختلس النظر الى ستيليو ولما حاول ستيليو الكلام بدت نبرته وكأنها تؤكد كل مظاهر الاثم. قال ستيليو: " كان الجو شديد الحرارة والرطوبة فرأينا ان نقوم بنزهة في السيارة. انني السبب في دعوة رافينا الى المجئ الى هنا لتناول بعض المشروبات ولما وصلنا فاجأتنا العاصفة وحاولت ان اقنعها بأنه من الجنون قيادة السيارة عبر الجبال وسط هذا السيل المنهمر. لو ان العاصفة لم تحدث....." قاطعه مارك قائلا: " لكنت حملتها الى البيت دون ان اعرف انها كانت هنا بصحبتك " ونظر الى رافينا بنظرات مبهمة مدركا انها كانت ستكتم ما حدث وعندما تقدم خطوة نحوها تراجعت والذعر يتملكها وكأنها تخشى ان يلمسها وقالت له بتحد سافر: " هل نخلق من هذا الامر مأساه؟ احتسيت كأسا ولم يكن سوى مقو بالثلج " ولمح مارك كأس التيوليب فوق المنضدة الواقعة الى جوار المقعد الذي تجلس عليه فالتقطها وراح يتشممها واعاد الكأس الى مكانه وسأل ستيليو: " هل فرغت من رسم صورة زوجتي ؟ " اجاب ستيليو: " فشل الرسم فشلا ذريعا. ظننت في البداية ان رافينا موضوع سعيد يصلح للرسم ولكني الان عرفت انها امرأة تعيسة ولست استطيع ان انقل الى القماش حقيقتها. ليس في وسعي ان افعل المزيد من الرسم مثلما عجزت انت على ان تستحوذ على قلبها يا سنيور دي كورزيو " واجه الرجلان كل منهما الاخر حينما تألق بريق ضوء عبر الغرفة فتطلع مارك اليه وقال ساخرا: " هل تتصور انك استحوذت على قلبها ؟ انت تخدع نفسك يا سنيور. ان الرجل الذي يستحوذ على قلب رافينا بعيد من هنا. يمكنها ان تغفر له خطاياه والمرأة تستطيع ان تفعل ذلك من اجل الرجل الذي تحبه " وتطلع ستيليو نحوها وبدت الحيرة في عينيه وقال: " رافينا! " قالت وهي تتطلع الى مارك: " اريد العودة الى البيت. لن اخشى طرقات الجبل اتصل بالكراج هاتفيا ودعهم يصلحون سيارتك " قال ستيليو بصوت حاسم: " خذ سيارتي اليك المفاتيح سوف استأجر زورقا يحملني غدا الى الكازا لاجمع ادوات الرسم وسوف اعود بسيارتي الى بيتي " وكان ستيليو يتحدى مارك في ان يقود السيارة اللوتس في خضم العاصفة ويخترق بها الطرقات التي تتعرض لانهيار التربة نتيجة للسيل المنهمر ثم انتقل ببصره الى رافينا وكانت عيناه جامدتين ولم تتفوه رافينا بكلمة. كانت واثقة ان مارك سوف يقبل التحدي اذ قال لستيليو: " هل لك ان تعير زوجتي معطفا ؟ " واحنى الرسام رأسه بالايجاب وغادر الغرفة ليحضر معطفا. وحرك مارك مفاتيح السيارة بيده وسأل رافينا: " هل انت عصبية؟ " وحملق فيها وبرق ضوء غريب في عينيه وقال: " انا معجب دائما بشجاعتك الامر الوحيد الذي لا يمنع دهشتي هو ان فتاة لها مثل شجاعتك تقع في حب جبان " وتوقف مارك عن مواصلة الكلام حينما عاد ستيليو وهو يحمل معطفا واقيا من المطر وكانت عيناه مضطربتين وقال: " سنيور الا تمكث هنا حتى تهدأ العاصفة. هناك طعام في الثلاجة " امسكت رافينا المعطف وقالت: " ستيليو عندما يصدر مارك قرارا لتنفيذ امر ما فلا احد يمكنه ان يثنيه عن عزمه. اذا سألت يا مارك...كلا لن اتوسل شيئا...." وسارت الى الباب وبدت نحيلة وهي ترتدي المعطف الفضفاض الطويل وقالت: " الا نذهب يا مارك؟ سرعان ما يهبط الظلام " واستمر هطول المطر بينما اخذت عجلات السيارة تغادر ارض الفيلا وحدقت رافينا بنظراتها عبر النافذة التي راحت المساحات تزيل الماء اللاصق فوق سطحها وكان مارك يمسك عجلة القياة بثقة تامة ولم يتفوه بكلمه وانما كانت نظراته مثبتة على الطريق الممتدة امامه. وسار بالسيارة نصف ساعة توقف بعدها عند مكان يجاور ارضا مزروعة بالحشائش يقع تحت الجبال ثم استدار نحو رافينا وتلألأء الضوء على وجهه المشوه بالندوب وقال بوحشية: " لا استطيع ان افعل ذلك " وتطلع الى يديه اللتين تقلصتا على عجلة القيادة فبدت الحروق واضحة واستطرد يقول: " سيكون من الجنون في مثل هذه الليلة " وتركز بصر رافينا فوق وجهه وادركت اي ذكرى مخيفة تسيطر عليه بضراوة وتحول دون مواصلة قيادة السيارة فقد تذكر دريستي حينما وقع في شراك تحطم السيارة الاخرى. وفجأة جذب المعطف عنها فبدا جسمها صغيرا وضائعا في ثناياه وقال لها: " يجب ان نمكث هنا قليلا. لا...تذكرت الان يوجد كوخ راع على مقربة من هنا. تعالي يمكننا ان نتناول عشاء من لحم الضأن المسلوق اذا اسعدنا الحظ" وراحا يقطعان الحقل بسرعة تحت وابل المطر المنهمر وقد التفت ذراعه حول وسطها بينما كان المعطف يتطاير في الهواء. ثم توقفا امام كوخ يتكون من غرفة مستطيلة لها قبة مخروطية الشكل كالصنوبر وعالج مارك الباب فانفتح بسهولة. كانت النار خابية ولا يوجد اي قدر فوق المدفأة وكشف وميض البرق عن وجود اريكة خشبية عريضة عليها ربطة من فرو الغنم وكرسي مستدير بثلاثة ارجل وهراوة مستندة الى الجدار وهبت الريح فاهتزت لها الهراوة وسقطت على الارض مما دفع رافينا لان تقفز بعصبية. قال لها مارك: " ادخلي " وهو يشعل عودا من الثقاب. وطفق يتجول في الكوخ المهجور ورأى شمعة في فتحة زجاجية فأشعلها وتطلعت رافينا الى مارك وقد وقف يحمي لهب الشمعة بيديه من تيار الهواء . قال لها: " اقفلي الباب " قالت وهي ترتجف: " هل تنوي المكوث هنا؟ " تركها ليغلق الباب بنفسه ثم قال: " ليس هناك بديل لذلك في الوقت الحاضر. انه مكان غريب يصلح لايواء اثنين في ليلة عاصفة كهذه. يمكننا ان نشعل النار...هل تخشين من وجودك وحدك معي في حين واتتك الجرأة للذهاب بالسيارة وسط العاصفة؟ " " انني اخاف من وجود الفئران " قال بابتسامة ساخرة: " فئران الحقل لا تؤذيك " وعثر على كوة في الجدار وضع فيها الشمعة التي راحت تلقي بضوءها على مارك وهو يسعى نحو المدفأة ليوقد فيها نارا وقال: " الخشب جاف وسوف يحترق جيدا تعالي يارافينا سوف نتمتع بدفء عائلي قبل ان ينبلجنور الصباح " ودس يديها المضطربتين في جيوب المعطف فلم يحدث لها من قبل ان انفردت تماما بمارك حقا انه زوجها ومع ذلك فهو الرجل الذي يجعلها تشعر بالخجل وتدرك انها امرأة وانتابها الوهن فاستندت بجسمها الى الباب الذي كان يهتز تحت وطأة عصف الريح. قال لها مارك: " لا تقفي هناك في مواجهة تيار الهواء تعالي رافينا " امتثلت لامره وكأنها مسلوبة الارادة واحست بيديه تلمسان شعرها. فقال لها: " شعرك مبتل من المطر. سأشعل النار حالا " وكانت خصلات شعره تنسدل مبللة فوق عينيه واحست باغماءة خفيفة وعندئذ ادركت ما يريد منها في هذا المكان الغريب الذي يقع في البراري وعندما بدأت ساقاها تتهاويان قام سريعا يرفعها الى الاريكة وارقدها فوق فروة الغنم وازاح خصلات شعرها من فوق جبينها وقال: " حسنا...انا لست غاضبا منوجودك مع فابريزي انت طفلة مسكينة ممزقة الاعصاب " " مارك..." " ولا كلمة...استريحي قليلا حتى اشعل النار " وتوجه الى المدفأة وبدأ في قطع الحطب وراح يبحث عن ورقة في جيبه يضعها تحت الحطب حتى تساعد على اندلاع النار ولمحت رافينا انه يسحب خطابا من جيبه ويطلق زفرة حارة من صدره ثم كوره ووضعه تحت الخشب واضرم النار فيه وبينما كان الخطاب يحترف سمعت الحطب يصدر طقطقة وكان مارك يحدق في اللهب المشتعل وقد ران عليه السكون. فجأة استوت رافينة جالسة على الاريكة وارادت ان تعرف فحوى الرسالة التي كانت تحترق في المدفأة. سألته: " مارك ما هذا الخطاب؟ ارجوك انظر الي واخبرني " انتصب قوامه مشدودا وعندما استدار كان قناعا اسود اللون يكسو وجهه وقال بصوت خلا منه الدفء: " غدا اخبرك " " كلا اخبرني الان " ونظرت الى النار التي تحرق الرسالة وحولتها الى رماد واحست بدقات قلبها تتدافع بسرعة وقال لها مارك بخشونة: " انه خطاب مرسل الى رودري برينين ععرت عليه في غرفتك منذ فترة. خطاب لم تبعثي به اوردت فيه مقابلتك له يوم زفافنا. هل اردد على مسامعك كلماته؟ " رفعت رافينا يدها وتحسست رقبتها وسمعت صوت مارك رقيقا تشوبه نبرة خطرة : " احترق الخطاب ولكن الكلمات لم تحترق. كانت تقول...( ارغب في رؤيتك مرة اخرى وانا لست اسفة حتى لو غضب مارك ان تلك الساعات التي امضيتها معك ساعدتني على مواجهة موقف بالغ الخطورة ان روابط الحب بيننا تتطلب السرية التامة انني اتعلق بها كلما احسست انني اغرق في عمق الماء الذي اتردى فيه... ) صمت ثم اردف يقول: " هنا توقفت الرسالة...لم تحاولي اتمامها هل شعرت بانك لا تتحملين ارسال خطاب اليه في حين كنت تتوقين دائما الى صحبته؟ ان الكتابة عن تلك الساعت التي امضيتها معه يوم زفافنا لابد انها عذبتك حتى انك كورت الرسالة والقيت بها ولم يتطرق الى ذهنك ان زوجك قد يعثر عليها فيلتقطها ويفضها من باب الفضول " حدقت رافينا ببصرها الى مارك وادركت سوء الفهم الذي التبس عليه عندما قرأ عبارة ( تلك الساعات التي امضيتها معك ) كلمات تحمل معنى واحد عند مارك فقد ظن انها ورودري عاشقان. لابد من سبيل لنفي هذه التهمة ولكنها رأت صورة المررة التي ارتسمت على فمه وانه على استعداد لان يزدري اي شئ تقوله وانتابتها رجفة حينما زمجرت الريح حول الكوخ. فقال لها: " انا اسف ليس لدينا اي طعام نأكله او شراب نحتسيه وخير لكان تكوني جائعة من ان نتورط في حادث على طريق الجبل " وبحث مارك في جيبه ةاخرج علبة تبغ واستطرد يقول: " ان واحدة منها سف تصيبك بدوار..هل يضايقك ان دخنت لفافة؟ " قالت بصوت يشوب نبرة اليأس: " لا..يمكنك ان تدخن " اخرج سيكاره واشعلها ونفث الدخان دون ان يرفع بصره عن عينيها ولم تحتمل قوة نظراته التي تحاول ان تقرأ ما يدور في عقلها وسارت الى المقعد المستدير ذو الثلاثة ارجل وسحبته قريبا من النار وجلست عليه وراحت تدفء يدها. قالت: " انا لست جائعة انما اريد احتساء كوبا من الشاي " وتصاعدت حلقات الدخان في الهواء وكأنها علامات تساؤل وقال: " لانونا سوف تقلق علينا. اماذا لم تمكثي في البيت. كان في وسعي ان اعود الى البيت وحدي لكن الامر لا يهم كثيرا " قالت رافينا: " سوف تغامر بحياتك؟ " هز كتفه باستخفاف وقال: " ولن اغامر بحياتك يا عزيزتي! لا تنظري بانزعاج لست بصدد ان اعلن مدى حبي لك. انت صغيرة ودريستي كان صغيرا والحياة حله حتى لو امتزج اللوز المر بالقرنفل " سألته : " هل كان دريستي يشبهك؟ " لم يسبق لها ان طرحت عليه هذا السؤال من قبل ولكنها الان تشعر بدافع قوي لان تعرف ذلك وتطلعت الى وجهها وبالرغم من الندوب الرهيبة التي تشوه وجهه الا انه بدا لها انيقا في ضوء النار المشتعلة. هز رأسه بالايجاب: " اجل كان يشبهني يجب ان اريك صورته " وشد على شفتيه وهو يخرج محفظته ويفتحها ويسحب منها صورة صغيرة ويناولها اياها. وراحت تتفحص صورة الطفل ذي الشعر الاسود عيناه تتلألأن مرحا, وصفحة وجهه تعكس صورة وجه ابيه قبل ان يصيبه الحادث. وطفقت رافينا تتأمل الصورة فترة طويلة وراحت تكافح الدموع التي اوشكت ان تنهمر من عينيها. الان فقط اركت السبب الذي يدفعه الى البحث عن الفتاة القريبة من قلب رودري ليجبرها على الزواج منه هو . منذ ان بدأت الحياة منذ امنا حواء ومنذ عهد هيلين كان على المرأة ان تدفع الثمن ففي وسعها ان تتذوق المرارة مع حلاوة الحب وعندما اعادت له الصورة تلامسة ايديهما وتذكرت انهما وحدهما في الكوخ . قال له: " يبو ان الريح بدأت تهمد في الخارج " ولكن العاصفة كانت لاتزال تصفق الباب فابتسمت بعصبية وطفقت تهز كتفيها باستخفاف. قال مارك: " انت متعبة اخلدي الى النوم ان الاريكة تصل للنوم. هي خشنة ولكنها نظيفة " لم تنهض رافينا من فوق المقعد وسألته: " ماذا عنك يا مارك؟ انا مستريحةهنا بجوار النار " قال: " الحطب اوشك على ان يذوب وعندما تخمد النار سيزداد البرد في المكان وافضل ان تتدثري وانت نائمة فوق الاريكة. تعالي " ومد لها يدها ليساعدها على النهوض فقالت له بتردد: " لا يمكنك الجلوس على المقعد انه منخفض وانت طويل " " سأكون بخير...النساء يتمتعن بنعمة القلق " قالت: " اننا نستطيع ان نجلس سويا على الاريكة " توردت وجنتاها بحمرة الخجل وكأنها عروس في ليلة زفافها واستطردت تقول: " لا تستطيع ان تتجول في الكوخ طوال الليل لن يطرق النوم اجفاني وانا اراك لا تقوى على الرقاد " قال ضاحكا: " هل انت الانسانة التي تفكر فيََََّ ؟" وفجأة انتصبت ورفعها بذراع واحدة واستطرد يقول: " لا استطيع ان اقاسمك الجلوس على الاريكة فسرعان ما ينتابك الذعر وحتى الان مازلت عصبية من لمسة يدي " ادخت رافينا قدميها في فروة الغنم لتشعر بالدفء والقى مارك بأخر قطعة من الخشب في المدفأة وفي هذه اللحظة انطفأت الشمعة وعلى ضوء النار المشتعلة عاد وجلس الى جوارها وجذبها الى كتفه وراحا يتطلعان الى النار الذي اخذ لهيبها يخبو تدريجيا. وبدأت اصوات الريح تتلاشى بينما استغرقت رافينا في النوم ورأسها مستقر فوق كتفه العريضه وامضيا ليلة غريبة وعندما استيقظت رافينا عند الفجر وجدت نفسها بين ذراعي مارك ووجها يتمتع بدفء عنقه وظنت وهي نصف حالمة انهما ببرج الفارس ولكنها ادركت الحقيقة عندما افاقت تماما ورأت كوخ الراعي وبقايا الرماد في المدفأة . تركت بصرها يعود ليستقر على وجه مارك الذي ان مستغرقا في النوم وقد استند بظهره الى الاريكة ولما كان البرد الشديد قد زحف الى الكوخ اثناء الليل فانه جذبها بذراعه وضمها الى صدره ليلتمس الدفء فلم تشعر بأدنى خوف منه. والان ادركت فقط كيف يكون الرجل غير محمي وهو في قبضة النوم. كان شعره مشعثا وذقنه التي كساها الشعر زرقاء وقوية وشفتاه صارمتان ووجنتاه تبرزان التجاويف تحتهما اما ندوبه فلم تنتقل الى ابه وانما ورث عنه الكبرياء والعناد. تملكها الذعر فأسرعت تسبل رموشها عندما شعرت بذراعيه تشتدان حولها عندها بدأ يستيقظ واطلق زمجرة واستدار بوجهه وهمس قائلا: " يا حبيبتي " لم يسبق له استعمال هذه الكلمة من قبل نفدت من فمه ناعمة تشوبها الالفة والمودة وعرفت انه نصف حالم ولا يتفوه بها انسان الا للمرأة التي احبها ثم فقدها. فتح عينيه وتطلع الى رافينا وفي الحال بدت فيهما نظرة الحارس الذي يذود عن املاكه وفجأة تبين المكان الذي يحيط بهما فأطلق سراحها بسرعة وانتفض واقفا على قدميه وقال: " يا له من مكان كئيب هيا بنا يا رافينا المطر قد توقف وحان الوقت كي نعود الى البيت " تركت رافينا الاريكة ومدت ذراعيها امامها ثم قامت بتسوية شعرها بيدها وقال: " اشعر بالفوضى في مظهري " وطفق مارك يجيل ببصره عليها ولاح التجهم في شفتيه ثم قال: " يبدو عليك وكأنك امضيت ليلة مضنية فوق سطح قرميدة " قالت ضاحكة: " انظر الى نفسك " وسبقته الى مغادرة الكوخ لتستقبل هواء الصباح. رأت السنة من اشعة الشمس في الافق وسمعت الطيور تشدو على الاغصان. سارا فوق الحشائش المبتلة ووجدا السيارة مغطاة بقطرات المطر. مسح مارك الزجاج قبل ان يتخذ مكانه وراء عجلة القيادة ويستقر الى جوار رافينا واتجها صوب اشعة الصباح المشرقة. بدأت نسمات الفجر تهب عبر النافذة وبدت الزهور متفتحة وامتزج شروق الشمس بأمواج البحر ليصنعا معا لوحة رائعة التكوين وعندما سألها مارك اذا كانت تحب ان يكشف غطاء السيارة ابتسمت موافقة والتقطت انفاسها عندما اخذ الهواء يداعب شعرها المتطاير. انهما يستحقان مثل هذه الرحلة الصباحية بعدما اقتسما سويا ليلة غريبة امضياها في الكوخ الكئيب وناما على اريكة خشبية. وفجأة رأى مارك شجرة اقتلعتها الرياح من ارضها تعترض الطريق فأوقف السيارة سريعا وكان من الواضح انه لابد من المرور بمحاذاة حافة الطريق الشديدة الانحدار اذا ما فكر في ان يدور بالسيارة حول الشجرة. ومال نحو رافينا وفتح له الباب المجاور لها وقال: " من فضلك اذهبي وحدك سيرا على الاقدام لن اعبر بالسيارة حول الشجرة ومعي راكب " " ولكن يا مارك...." " لن اناقش الامر " ودفعها خارج السيارة واستطرد يقول: " سيري حول الشجرة وانتظريني على بعد خطوات منها " قالت: " انت السيد " وامتثلت لامره. لم ينسى مارك حطام السيارة الاخرى والمخاطر التي اجتازها ولن يجرؤ على ان يجتاز مخاطرة اخرى. وعندما سارت رافينا واستدارت حول الشجرة تبينت ان المسافة التي ستعبرها السيارة بالغة الضيق وعلى مارك ان يجتازها بحذر شديد فقفز قلبها بين ضلوعها وراودتها الرغبة في ان تعود اليه وتتوسل له الا يخاطر بحياته وفي وسعه ان يترك السيارة مكانها ويغلق ابوابها ويطلب من ستيليو الحضور لاستعادتها من هذا المكان لكنها ما كادت تبدأ بالعودة حتى رأت مارك يدير محرك السيارة ويسير بها بين نهاية اغصان الشجرة وحافة الجبل . تسمرت قدما رافينا وبدت كالتمثال الاصم لا يتحرك منها شئ سوى شعرها الاحمر المتطاير وتوقفت انفاسها وهي ترى السيارة تنسل من الممر الضيق لتنطلق الى الطريق الواسع وتتوقف الى جوارها ويفتح مارك لها الباب وينظر اليها نظرات متسائلة ويقول لها: " ادخلي " وقفت جاحظة العينين ولم تتصور انه يخاطر بهذه الطريقة فانتابها غضب شديد هزها من رأسها الى اخمص قدميها قالت له: " لماذا تشدني الى حياتك؟ اذا كنت ترغب ان تعيش مع اشباحك فلماذا لم تتركني مع جاردي؟ انه سوف يهتم بي " " رافينا......" وراحت تبتعد عن السيارة ثم بدأت تجري في كل اتجاه ولم تكن تكترث بما قد يحدث وسمعت وراءها صوت خطوات تقتفي اثرها واحست بحشرجة في حلقه عندما اطبق مارك على عنقها وامسك بها: " رافينا...انني اسف لاني افزعتك " القت بنفسها عليه وقالت: " انت لم تفزعني ولكنك اريتني كيف يبدوزواجنا في صرة مسرحية هزلية ساخرة جوفاء. لم يكن شيئا غير ذلك...ليس هنالك حب ولا عاطفة لاشئ البتة سوى الذكريات التي التي نحياها..اوه...لماذا لا تتركني وحدي؟ هل تعرف يا مارك ماذا فعلت بي؟ هل يهمك ذلك كثيرا؟ " هزت رأسها وانعكست اشعة اشمس على شعرها فبدا متألقا بينما كانت عيناها قد فقدت ظلالهما واستطردت تقول: " عرفت الان الى اي مدى تهتم بي لن اغفر لك...مطلقا " وتخلصت منه...وعادت الى السيارة واستقرت في مقعدها ولم تعد ترى زرقة السماء او المياه الفضية للمحيط ولم تكلف نفسها مشقة التطلع الى مارك وهو يتخذ مكانه بجوارها ليقود السيارة. كان وجها باردا ولم تعد شفتاها ترتجفان تملكها تحفظ بارد فلم ترغب في التحدث او حتى سماع اي حديث. واحترم مارك صمتها وهو يتخذ طريقه الى منزل السرو.
* * * * *
مرت الايام بعد ذلك خاوية فلم يأت ستيليو الى البيت وخلال النهار كانت تقوم رافينا بجولة حول القرية وترتقي التل حتى تبلغ قمته او تستلقي في تكاسل على الشاطئ وتسلمت رسالة من جاردي واجابت عليها فوصفت له كاسيل مونتي باستفاضة ولكنها كانت مقتضبة في الكتابة عن حياتها مع مارك وسوف يعزو سبب اقتضابها الى خجلها الطبيعي وفي ختام الرسالة بعثت تمنياتها الطيبة الى رودري ولن تستطيع الكتابة اليه بعد تلك الرسالة التي وقعت في يد مارك. ولم يحاول مارك الاشارة الى الرسالة الناقصة ثانية وكانت تدرك انه قرأها مرارا قبل ان يلقي بها في النار وانه يقتبس منها عبارات كتبتها كاملة من بينها عبارة ( تلك الساعات التي امضيتها معك ). كيف تستطيع ان تقنع مارك بأن الحديث وحده هو الذي ملأ هذه الساعات التي امضتها معه. اتخذت رافينا طريقها الى مكتب بريد القرية لتبعث برسالتها وفي طريق عودتها للبيت مرت بمنزل جلست بباه سيدة ترتدي شالا اسود اللون وتصنع احدى شرائط الزينة فتوقفت لتبدي اعجابها بالشريط وسألتها ان كان بوسعها شراؤه..دعتها السيدة الى داخل البيت لتلقي نظرة على عينات مختلفة من صنع يدها فاشترت باقة جميلة وزوج من الاساور. وقالت المرأة ان اسمها فيرتيويللا وطلبت من رافينا ابتسامة ان تمكث قليلا وتتناول فنجان من القهوة معها وكان ارتياد طرقات القرية جعلها تشعر بالظمأ فجلست الى مائدة تكسوها المرأة بوشاح من الحرير الازرق وانطلقت المرأة بسرعة تجول مطبخها الصغير وتعو بالفطائر لتقدمها لرافينا فكانت لذيذة. قالت رافينا: " يجب ان تعلميني طريقة عمل الفطائر اعتدت طهو بعض الاطعمة قبل زواجي ويجب ان اعيد المحاولة ثانية وتحدوني الرغبة في غزو المطبخ في الكازا ولكن دونا جوكاستا تدير كل شئ وانا لا احب ان اتدخل في شؤنها" وحدقت فيرتيويللا في وجه رافينا وانتابتها الدهشة لهذا النبأ الجديد ثم قالت ببطء: " انت تختلفين عن سينيورا دوناتا فهي كانت تدير كل شئ ولم تحاول ان تشتري مني احد الشرائط لتزين بها ثوبها بل اعتادت ان تشتري ثيابها من روما وكانت انيقة ومحبوبة جدا " قالت رافينا بهدوء: " رأيت صورتها كانت فاتنة " قالت فيرتيويللا: " كانت تبدو سيدة عظيمة " واحست رافينا بنبرة ساحرة في صوت فيرتيويللا كما ان نظراتها كانت تدعو الى التساؤل وفتحت المرأة صندوك سكائر موضوعا فوق المائدة وتناولت علبة اوراق الكوتشينة: " انها سيدة عظيمة مثلك هل تحبين ان اقرأ لك طالعك؟ " وضعت فيرتيويللا الورق وانكفأت الصور على وجهها فوق المائدة فدق قلب رافينا وهي تقول: " انت تعنين انك تريدين قراءة حظي؟ " هزت المرأة رأسها بالايجاب وبدت في صورة امرأة غجرية بوجهها الذي لفحته اشعة الشمس وشالها الاسود الذي يكسو رأسها وكانت عينيها مسلطتين على وجه رافينا وقالت لها: " الا تخافين من قراءة الورق ومما قد يكشفه لك؟ والا يراودك الشك فيما يقوله لك؟ " هزت رافينا رأسها بالنفي وقالت: " ابدا انا سلتية وهذا معناه اني لا اسخر من السحر واؤمن بوجود اشخاص لهم القدر على قراءة الغيب " " اذن اقلبي ثلاثة ورقات لتبدو صورها امامي " امتثلت رافينا لطلبها وقامت مضيفتها بفحص الاوراق وكان الهدوء يسود البيت الامن بعض الاصوات التي تأتي من حفيف الحطب الموجود فوق السطح وبين لحظة واخرى كان الاتان يرفس المربط وكأنه يتململ من صحبته واخيرا قالت فيرتيويللا: " اه...هناك احتفال ينتظرك يا سنيوريتا. هل ترين؟ هناك مهرج في اول ورقة وقع اختيارك عليها وهو مستغرق في الضحك. اجل احتفال...وقت طيب لك " ابتسمت رافينا وقالت: " ربما يكون احتفال مادري روزاريا الذي سنقوم بمشاهدته " " انت والسنيور..." " اجل. انه يرغب في ان نذهب الى هناك هذا العام " هزت المرأة رأسها ثم ركزت عينيها السوداوتين على الورقة الثالثة وكأن الوقة الثانية لم تثر اهتمامها كثيرا وتمتمت قائلة: " هناك طائر بأجنحة سوداء..اه انه نذير نحسيا سنيورا! من المحتمل ان يعني....." وتمهلت قليلا لتفحص وجه رافينا التي سألتها: " ماذا يمكن ان يعني؟ اجوك اخبريني " راحت فيرتيويللا تخلط الورق ثم قالت: " اوه. وقت غير سار ربما اخبار سيئة..اوه..ولكن هذا مجرد تسلية ويجب عليك ان لا تأخذي الامر باهتمام بالغ " وقفت رافينا وقالت وهي شاردة الذهن: " ابدا...يجب ان اعود الى البيت..اشكرك على شرائط الياقة والاساور ستبدو جميلة على ثوبي الاخضر " وفي طريق العودة الى الكازا اخذت الافكار تطن في ذهنها حول ما قالته اوراق الكوتشينة وحاولت ان توحي لنفسها انها مجرد تسلية ولكنها ما كانت تقترب من منزل السرو حتى حلق طائر موحش اسود اللون في كبد السماء. كان نفس الطائر الذي رأته في الورقة التي قلبتها امام فيرتيويللا. وعندما دخلت فناء البيت وجدت مارك يقف في ظلال احدى فجوات المنزل ينفث لفافة تبغه فأسرحت نحوه وهي تمسك بالطرد الصغير الذي يحتوي على شرائط الزينة وقالت له: " مرحبا " وارادت ان يضع ذراعه حولها وان يطرد دفء رجولته البرودة التي تملكتها منذ لحظات وجيزة ولكنها كانت تشكو من البرودة نحوه لعدة ايام مضت ولم يبذل اي محاولة لكي يلمسها . سألها: " اين كنت؟ " " ذهبت الى القرية واشتريط بعض شرائط الزينة " واحست بشئ يعتصر حلقها ويخنقها وبدا لها انه يدرك حاجتها الى الراحة ثم استطردت تقول: " اشتريتها من سيدة تدعى فيرتيويللا جلست معها واحتسينا فنجان من القهوة " قال وهو ينفض رماد السكارة: " حسنا انا سعيد لانك اقمت علاقات صداقة مع بعض الناس " ارخت رافينا جفنيها واحست بالدموع تطفر من عينيها فدخلت وعبرت الصالة التي تؤدي الى درجات السلم وفي هذه اللحظة لم يبدو لها منزل السرو غريبا عنها او وحيدا فوق الجبال! "
***نهاية الفصل السابع***
8- خيانة في العيد
كانت اشجار الكروم مثقلة بعناقيد العنب وكان عصيرها حلوا ولكن رافينا احست بمرارة عندما تذوقته لان العناقيد لم تكن معدة بعد لعصرها. الجميز اينع فوق الاشجار وحدائق الليمون تفوح برائحة نفاذة كل شئ مفعم بالحياة يحمل رافينا على الهروب الى المغارة حيث تقرأ كتابا او ترطب اصابعها في النافورة وتتأمل مليا في المستقبل. واحيانا تمر بها ساعات تستمتع فيها بوحدتها قبل ان يقطع عليها خادم خلوتها ليدعوها الى تناول طعام الغداء او تناول الشاي مع زائر. وعندما تأتي زوجات شركاء مارك في العمل لزيارتها كن يلمحن لها انها تمتلك المقدرة على ان تسوس قياد رجل قهار مثل مارك وكانت تضحك قائلة: " انني لا اقوى على ان اسوس مارك والا كنت مثل الهرة الصغيرة التي تحاول ان تروض نمر " وكانت بعض النسوة يسألنها: " وهل تطرق حديثه معك الى الكلام عن دوناتا؟ كانت فتاة جميلة ولكنها لم تكن هرة صغيرة " ولم تشهد دونا جوكلستا مثل هذه الزيارات التي كانت تطرح فيها النسوة مثل هذه الاسئلة ولكنها كانت تحب ان تسمع مادار في هذه اللقاءات وتدعو رافينا من حيت لاخر الى صالونها لتتناول معها كأس من الشراب. وفي احدى المرات كانت تهز كأسها وهي تستمع للحديث الذي دار بين رافينا وضيوفها ونظراتها مسلطة عليها ولكن رافينا هربت من نظراتها ليستقر بصرها على الشراب الذي يتراقص في كأسها وانتابتها رغبة مفاجئة في ان تمتطي جوادها وتنطلق به. اسرعت الى غرفتها بعد ان ودعت دوناجوكاستا وبدلت ثيابها وارتدت سروالا وقميصا وعقصت شعرها وطوته تحت قبعتها وبعد عشر دقائق امتطت صهوة جوادها وانطلقت الى رحاب الشمس التي كانت لا تزال تفيض على الكون بأشعتها. كانت هذه الايام حارة وطويلة ولكن الريح كانت دائما تهب عبر السهل الواسع المعشب المطل على البحر وكان من دواعي البهجة ان يرتاض المرء بجواده ليتنسم الهواء النقي واحست رافينا ان الجواد يطير بخيلاء تحدوه سعادة لا تقل عن سعادتها وهو ينطلق الى رحاب الهواء الطلق حتى بلغا حدود السهل وعلى حين فجأة طارت قبعتها من فوق رأسها وكان لزاما عليها ان تترجل لتستعيدها ولكن الهواء حمل القبعة بعيدا حتى استقرت عند اكمة حشائش تقع على حافة المنحدر الصخري الشاهق وعندما انقضت على القبعة تمسكها بيدها لمحت عند المنحدر رجلا وفتاة يتجاذبان الحديث وكانت الفتاة ذات شعر اسود اللون يتطاير مع نسمة الهواء وتتحدث باهتمام شديد معه وفجأة احاطت عنقه بذراعيها ودفنت وجهها في وجهه ولم يدفعها عنه وانما اخذ يضمها الى صدره . كان العشب يبدو اطول من الاثنين فركعت رافينا وراحت تحدق فيهما بعينين شابتهما برودة الثلج انها تستطيع ان تتعرف على الرجل في وسط اي زحام ولا يمكن ان تخطئ شخصيته وهو واقف مع الفتاة. نهضت رافينا وابتعدت وتذكرت اين رأت الفتاة التي كانت بين ذراعي مارك انها الفتاة الحافية القدمين التي شاهدتها في المطعم حيث قامت على خدمتهما بتقديم اطباق السردين. احنى الجواد رأسه يلتهم العشب وحينما اراحت رافينا رأسها على سرجه ادار رأسه ووهبها نظرة حنان وكأن بهجتها الموؤدة انتقلت اليه. لم يكن شعورا بالغضب او بالصدمة هو الذي انتابها وانما شعور بالحزن لأن مارك اجبرها على الزواج منه بينما كان في وسعه ان يجد سعادته او ربما يستطيع ان ينسى ماضيه مع فتاة من بنات اهله ولدت وترعرعت هنا وتحب الجزيرة كما يحبها هو وتعرف تقاليد اهل ساردينيا وعاداتهم . تنهدت رافينا وتنهد جوادها بدوره وادارت رأسه ليتخذ طريقه الى الكازاتشيبريسو عائدة الى المنزل مرورا بحقول الكروم واعتذرت عن الهبوط لغرفة الطعام لتناول الغداء وعللت اعتذارها انها تناولت بعض عناقيد العنب الفجة فأصابتها بألم خفيف في معدتها. ترك مارك ربطة عنقه غير معقودة واقترب من فراشها وانحنى عليها وتحسس جبينها بيده وقال لها: " انت تعانين من حمى خفيفة سوف استدعي لك الطبيب " اجفلت وقالت: " لا ارجوك لا تفعل يا مارك سأشعر بتحسن حالا. كل ما في الامر انني لا اشعر بأدنى رغبة بتناول الطعام " قال مقترحا عليها: " ربما وجبة خفيفة تناسبك " هزت رأسها بالرفض لانها لم تكن تشعر بادنى شهية للطعام وكانت كل ما رغبت فيه هو ان يدعها وحدها والقى المصباح بضوءه عليها فبدت رافينا ضائعة وحزينة. سألها: " هل ترغبين في ان امكث بجوارك؟ " ندت من فمها كلمة: " لا...لا...سأكون بخير " " ما بك يا رافينا؟ " تطلعت اليه فرأت ربطة عنقه المحلولة وشعره الاشعت وبدا لها كأنه كان مستعجلا في ارتداء ملابسه وشعرت بطعنة نجلاء تخترق ظهرها عندما ابدى رغبته في المكوث معها وودت لو ابدت له احتقارها لرغبته في الوقت الذي يكرس فيه كل افكاره واشواقه للفتاة الاخرى . قالت له: " اريد ان انفرد بنفسي...اشعر بألم خفيف " " لانك تناولت الحصرم ؟" اشاحت بوجهها عنه ولكنه جلس الى جوارها على الفراش وامسك برأسها المتوج بالشعر الاحمر وانتشرت خصلاته فوق الوسائد البضاء وتلألأت عيناها الخضراوان وسط امتقاع لون وجهها. سألها: " لم كل هذا العبوس؟ هل قالت لانونا شئ اثارك؟ لدي انطباع بأن وشائج الصداقة بدأت تربط بينكما " " هل من الضروري ان اقدم لك تفسيرا لكل حالة نفسية امر بها؟ الا تدعني انعم بالهدوء؟ " " انت في حالة نفسية غريبه وهذا ما يقلقني يا رافينا " " لا تبالي البتة يا مارك ولا تفسد طعام غدائك بأمري " شاهدت نظرة عتاب في عينيه وتساءلت هل يجرؤ على ان يعاتبها؟ توسلت اليه قائلة: " اتركني وحدي انا...انا لا احتمل ان يلمسني احد الليلة " سألها بهدوء: " ايهما تكرهين اكثر...ندوبي ام قبلاتي؟ " وشعرت مرة اخرى بطعنة من الالم تخترق جسمها وارتسمت صرخة مكتومة على فمها سرت في اوصالها فأطلق مارك صراحها وتركها ترقد ساكنة فوق الفراش ثم غادر غرفتها الى غرفته واغلق الباب وراءه بهدوء. ولم يقم بزيارتها ثانية وبعد نصف ساعة جاءتها صينية عليها شريحة من البطيخ وقطعة لحم وبطاطا والى جوار كل هذا رأت ورقة مطوية واحست رافينا باهتزاز اصابعها وهي تقوم بفضها فقرأت: { استدعيت في مهمة عمل وارجو ان اعود في نهاية الاسبوع مع موعد الاحتفال بعيد مادري روزاريا ربما نكون حينئذ في احسن حال . مارك } حدقت رافينا في الخط الاسود الفاحم الواضح وضوح الفتاة ذات الشعر الاسود الفاحم التي كانت في احضان مارك وبهدوء سحقت الورقة كان يعلم تماما ان زواجهما يشوبه التوتر الحاد ومع هذا اجبرها للرضوخ لرغبته ورغم الشك الذي راوده في علاقتها برودري فانه هو السبب في ان حياتهما لا تطاق. تناولت طعامها دون ادنى احساس بمذاقه ثم جلست اتجاه النافذة وراحت تتطلع الى القمر وهو يعتلي قمة اشجار السرو وكانت اشعته الفضية والنجوم المتلألأة تغسل صفحة السماء كما تعني هي وحدتها !!!
* * * * * * *
استيقظت رافينا في صباح يوم العيد يحدوها الاحساس بالاضطراب والامل الذي يخالج كل شابة. انها سوف تستمتع بيوم كامل تهرب فيه من الكازا....يوم كله مرح وانطلاق. عاد مارك متأخرا في الليلة التي تسبق يوم العيد واستطاعت ان تسمع حركاته في الغرفة المجاورة لغرفتها وهو يفتح الدولاب ويسقط حذائه ربما نتيجة اضطرابه بقدوم اليوم التالي. اخذت رافينا حماما وساعدتها وصيفتها في ارتداء ثوبا اخر من اثواب الجدة ديمليزا وكانت الوصيفة فرحة بالعيد وعلمت رافينا منها ان القرية بأسرها تنطلق الى التلال في هذا اليوم. كل اسرة تركب عربة مزينة اروع زينة ومزدانة بالشرائط الملونة وحت الاتان يكون مكسوا بالورد. ابتسمت رافينا وقالت: " اظن انه احتفال ديني " " اجل يا بادرونسيتا. تتقدم صورة مادري روزاريا الموكب الذي يحمل المشاعل بينما يقوم الكاهن بتوزيع البركات على كل انسان ثم يبدأ المهرجون بأداء العابهم النارية على انغام الموسيقى . " ارى مدى لهفتك يا روزيتا على الذهاب الى هناك. هل سيذهب صديقك معك؟ " توردت وجنتا روزيتا بحمرة الخجل وخفضت جفنيها وقالت: " تونيو سيصحبني معه على ظهر جواده انها الطريقة التي يذهب بها المحبون الى الاحتفال " قالت رافينا: " ياله من تقليد جميل " ثم فتحت صندوق مجوهراتها وتناولت صليبها ووضعته على صدرها فوق بلوزتها البيضاء ولاحظت وجود قرط كانت نادرا ما ترتديه اخذته وامرت روزيتا ان تقف ساكنة حتى تثبته في اذنيها فزاد تورد خدي الفتاة وهي تقول: " بادرونسيتا....هذا القرط لي انا؟ " " اجل..كم هو جميل في اذنيك. والان انطلقي واستعدي للذهاب الى الاحتفال مع صديقك تونيو " امسكت الفتاة بيد رافينا وراحت تقبلها وقالت لها: " انت طيبة القلب..انني سعيدة الحظ لانني اقوم بخدمتك يا بدرونسيتا " " انطلقي الان ولا تجعلي صديقك يطيل انتظاره " وهزت الفتاة رأسها لتشعر باهتزاز القرط المتلألئ في اذنيها وبابتسامة سعيدة اسرعت تغادر الغرفة وعندما ثببت رافينا الصليب حول عنقها تساءلت لماذا لا يحدوها الاحساس بأن تكون خالية البال مثل وصيفتها التي انطلقت الى الاحتفال بصحبة شاب يحبها. كان الهدوء يسود الغرفة المجاورة وحدست ان مارك هبط الى الدور الارضي لتناول طعام الافطار وشعرت بطعنة الم لأنه لم يأت لرؤيتها وهي ترتدي ثوبها الجميل الذي قدمه لها. راحت تتأمل نفسها في المرآة الطويلة المثبة في الخزانة وحاز مظهرها على اعجابها. كان الثوب اخضر اللون بحافته اهداب قمحية اللون تلائم بشرتها اما شعرها فقد عقصته في تسريحة بديعة واشرأب عنقها من بين ثنايا فتحات البلوزة وتألقت عيناها بخضرة الجواهر وبالرغم من تجاهل مارك لها والاضطراب الذي اجتاحها الا ان عزمها اقر على الاستمتاع بكل لحظة من لحظات الاحتفال. وتساءلت: هل تتوقع وجود ستيليو في الاحتفال؟ افتقدت مداعباته وتمنت ان تراه. وبشعور اشبه بشعور فتاة تعيش في اوائل القرن جمعت اطراف ثوبها في يدها واتخذت سبيلها وراحت تهبط درجات السلم ولم تقابل احدا في طريقها فالخدم نالوا اجازة للمشاركة في الاحتفال مما اشعرها بأن الكازا اصبحت مهجورة. عبرت رافينا البهو ودلفت الى غرفة المعيشة حيث وجدت طعام افطارها معدا على المائدة...القهوة, والخبز, والعسل وتساءلت وهي تحتسي القهوة الى اي مكان توجه مارك الان..ربما يكون بصحبة لانونا التي ذكرت في الليلة السابقة بأنها كانت تحرص على مشاهدة الاحتفالات ولكن عظامها الان لم تعد تساعدها الان على مغادرة المنزل. انتاب رافينا القلق فلن تستطيع المكوث اكثر في الكازا فانطلقت الى الفناء حيث وقفت تستمتع باشعة الشمس وراحت تتناول قطعة من الخبز المقدد عليه طبقة من العسل وبينما كانت تمسح شفتيها تناهى الى سمعها صوت حوافر حصان تقعقع في الارض ولاح الجواد ادونيس في الفناء وعلى ظهره مارك. هز الجواد عرفه وبرزت عضلاته تحت سرجه المصنوع من الجلد الاسود وكان مارك يرتدي بنطلونا قصيرا اسود اللون وصديري مطرزا فوق قميص مكشكش واكدت حافة قبعته تألق عينيه. كان يبدو في كل شبر منه واحدا من اهالي سردينيا او فارسا متكبرا ينطلق للصيد بصحبة الصقور وكلاب الصيد. قال مارك لرافينا: " تعالي اصعدي واجلسي امامي فوق الجواد " لم تكن هذه هي المرة الاولى التي تشدها عيناه وتسحرها وبحركة قوية رفعها واجلسها امامه واقشعر بدنها قشعريرة خفيفة مقترنة بسرور خفي وامسك بها بشدة بينما اخذ الجواد يبارح الفناء لينطلق الى عرض الطريق. وبعد لحظات اصبحا ضمن الموكب المرح الذي كان يسلك طريقه متجها الى الجبال حيث كنيسة مادري روزاريا وكانت البغال محملة بأكوام من الفراش والاطفال الهازجين والعربات المطلية باللونين البرتقالي والازرق. تطايرت اشرطة الزينة في الهواء وامتطا العشاق الجياد العربية الذين راحوا يطلقون اصواتهم بالغناء على انغام الات الاكورديون كان المنظر كالحلم الجميل ورافينا تبدو كالطفل المأخوذ الذي لا يجرؤ على الحديث او الحركة خشية ان يتبخر سحر الحلم وشعرت بمارك يختلس النظر اليها ولم تقو على التفكير في الايام الثلاثة التي امضاها بعيدا عنها فكانت مأخوذة بسحر اللحظة التي تعيش فيها. وتطلعت اليه وغط رأسها بوشاح حريري تتقي به حرارة الشمس وقالت له: " المنظر بديع اليس كذلك؟ انظر الى هؤلاء الصبية الاربعة الذين يمتطون البغال وهذه المرأة التي تحمل الطعام فوق رأسها...على فكرة يا مارك نسينا احضار الطعام لنا " وضحك مارك وبدا خالي البال مرحا ولم تستطع ان تمنع دهشتها من رؤية هذا التألق الذي لاح في عينيه وقال: " قدمت زوجين من الغنم للحفل الذي سيقام هذا المساء واما عن طعام الغداء فاننا سنجد العديد من الناس الذين سيسارعون الى تقديم الفطائر والجبن والفاكهة ولا ادري كيف سنأكل كل ما سيقدمونه لها " ازدادت عيناها عمقا وسوادا عندما راح يتفرس في رافينا ثم اردف يقول: "لم اشهد الاحتفال منذ مدة واخشى ان يغمرنا الناس بكرمهم " وبينما كان مارك يتحدث الى رافينا اطلت مرأة من عربتها وقالت: " انه حدث جميل ان يشاركنا البادرون وزوجته هذا العام فالتبارككما مادري روزاريا " " وانت ايضا يا سنيورا وزوجك الطيب واولادك الصغار " واحست رافينا بذراع مارك وعندما تطلعت اليه رأت في وجهه هذا الجمال الاسمر الذي اشارت اليه السيدة فيرتيوللا يوم اشترت منها اشرطة الزينة اذ قالت: " انه اشبه بأمير بل رجل تعشقه الفتيات! " واليوم يبدو مارك للمرة الثانية وهو يرتدي الثوب السردي وعيناه فرحتان بين موكب الاطفال والجمال المتوحش للجبال كما رأت فيه رجلا لا يتحرق الى الانتقام لنفسه فرفعت يده المكسوة بالندوب في ايماءة تنم عن عاطفة وكأنها تريد ان تخفف من ذكرى الالم الذي اعتصر عظامه وبشرة يده التي احترقت ولم يتبادلا الحديث ثانية حتى توقف الجميع لتناول طعام الغداء في مكان يقع عند منصف الطريق المؤدي الى الجبل وما كاد مارك يرفعها من فوق الجواد ويهبط بها الى الارض حتى احاط بها العديد من افراد العائلات الذين راحوا يقدمون لهما الوانا من الطعام. انها نزهة تتسم بالمرح جلسا على العشب وراحا يلتهمان الخبز مع شرائح اللحم والزيتون الاسود ويحتسيان كوؤس الشراب وكانت الاغاني تتردد على انغام الموسيقى عندما حان الوقت للعودة سارا الى حيث كان يقف ادونيس بجوار الجدول وشعرت بيدي مارك تكتنفهما قسوة خفيفة فندت منها صرخة قائلة: " مارك! " قال لها: " ايتها الساحرة الصغيرة عيناك في خضرة اوراق الشجر يتلألأ فيهما سحر يحطم قبضتي او يحيلني الى تمثال اصم " تلاحقت انفاسها عندما جذبها بعيدا عن الجواد واختفى بها وراء صخرة كبيرة تتاخم الجدول وهناك اجفلت وغطت عينيها بيدها ومال مارك نحوها وارتكز بمرفقه على الصخرة وراح يتطلع اليها وتهدلت خصلات شعره الاسود فوق عينيه حيث تألق فيهما حيوية الشباب المتوحش وقام بحل جدائل شعرها واخذ يلف خصلاته حول عنقها الابيض وسألها عن رودري من جديد فقالت مدافعة: " هذا موضوع ليس له مكان في يومنا هذا ارجوك انسى امر رودري وانا سأنسى امر تلك الفتاة " وتوقفت عن مواصلة الحديث عندما ضاقت عيناه وازدادت حده وسألها: " اي فتاة تقصدين ؟ " قالت: " انت تعرف ما اعنيه. الجميع شرعوا في الاستعداد للرحيل وخير لنا ان نرحل معهم " القت رافينا نظرة متعجلة على وجهه المتجهم وحينما خطا خطوة واحدة اخذت في الدوران حول الصخرة هاربة منه وسارت حيث كان يقف ادونيس وكان الناس مستعدين لقطع نصف المسافة المتبقية التي تؤدي الى الكنيسة فوق الجبل وكانو يرددون ان الريح وحدها هي التي تدق اجراسها وبلا تفكير اسرعت نحو الجواد ووضعت قدمها على الركاب وسمعت صرخة عاجلة: " رافينا..." ظنت انها صرخة غاضبة فأمسكت بعرف ادونيس ليساعدها على امتطائه عندها تراجع الجواد الى الوراء ليلقي بها عن ظهره وقد تعلقت قدمها بالركاب وشعرها اللامع يتجرجر على الارض. تعالت الصرخات تنبه الى الخطر المباغت فأسرع مارك الى الجواد الذي ارتفعت ساقاه الاماميتان عاليا فأمسك باللجام ليكبح جماحه ويهدئ من روعه وفي الوقت نفسه سارع شاب لانقاذ رافينا التي كانت تعض شفتيها من شدة الالم. اطلق مارك صراح قدم رافينا من قبضة الركاب ولم تستطع ان تكتم صرختها من الالم الذي نجم عن التواء كاحلها فناولها البعض قليلا من الشراب وقام البعض الاخر يغمس قطعة قماش في ماء بارد ثم عصبوا بها الكاحل. ابعد مارك خصلات شعرها عن وجهها الشاحب ثم قال: " سأعود بك الى البيت " امسكت بذراعه وقالت: " لا..انني اريد ان احضر العيد " قال غاضبا : " عيد سعيد " بينما كانت الوجوه تطل من فوق كتفه تمتمت امرأة تسأل البادرونسيتا ان تركب معها ومع اطفالها عربة العائلة. حاولت رافينا ان ترسم ابتسامة فوق شفتيها المرتجفتين ثم قالت: " ارجوك يا مارك تخلص من الاضطراب الذي يكسو وجهك انت تخفيني اكثر مما فعله ادونيس بي " قال: " كان يمكن ان يسحقك الجواد بحوافره. ماذا كنت تحاولين عمله؟ هل كنت عازمة على الهروب ثانية! " عضت شفتها وقالت: " مارك...كل واحد منا يعترض طريق الاخر " " هل تعترضين طريقي؟ " حدثته بعينيها الخضراوان قائلة: " اذا كنت ترغب في ان اقول لك نعم اذن هي نعم " قال مارك: " يوما ما سوف اصفعك يا رافينا " وكان احدهم يعرف الانجليزية فأطلق ضحكة خافتة كسرت حدة التوتر الذي ساد الموقف فرفعها مارك فوق ذراعه وحملها الى عربة يقودها اتان هزيل تتطلع من فوقها روؤس اطفال صغار دفعتهم امهم جانبا قائلة لهم: " افسحو المكان للسنيور " وقدمت بطانية لتجلس عليها رافينا ثم اردفت تقول: " ضعي قدمك فوق هذه الوسادة..يا سنيورا " ابتسمت رافينا في وجه الاطفال الاربعة وقالت: " شكرا انتم اكثر طيبة مما كنت اتصور " وراحت رافينا تتطلع الى وجه مارك وبعد بضعة كلمات تبادلها معها استدار وسار الى حيث يقف ادونيس الذي نكس رأسه نحو الارض ورأته يعتلي السرج وعندما جالت ببصرها في العربة رأت طفلة صغيرة ترفع يدها الى وجنتها وكأن عيناها تسألان رافينا سؤالا فأجابتها برقة: " السنيور...زوجي جرح وجهه في حريق " قالت الطفلة: " مسكين وجهه " واشاحت رافينا بوجهها عندما احست بالدموع تكاد تطفر من عينيها وطفقت تقول لنفسها: اوه يا مارك اريد ان افهم السبب الذي يشدنا الواحد للاخر والدافع الذي يدفع الواحد الى الابتعاد عن الاخر! . اخذ الاتان يسعى ويرتقي الممرات في الارجاء دقت الاجراس التي نصبت في برج الكنيسة . قالت ام الاطفال الاربعة: " اوشكنا على الاقتراب من الكنيسة " ولاحت لهم جدران الكنيسة والبرج المخروطي الشكل والابواب المفتوحة ورأت رافينا جوادا اسود اللون فوق التل وفارسه جالسا على ظهره في هدوء تام يقف وحيدا تكتنفه العزلة وقد نأى بعيدا عن ضجيج الموكب ودقات الترحيب التي تعلنها الاجراس. تساءلت رافينا وهي تراقبه فيم يفكر هذا الفارس وهو جالس هناك هل يفكر في اخر مرة شاهد فيها الاحتفال ام المرة الاولى التي حضر فيها لاحتفال بصحبة دوناتا لابد انهما جلسا سويا فوق السرج وهما يرتقيان الطريق المؤدي الى الكنيسة ولابد انه كان يهمس لها على انغام دقات الاجراس: احبك يا دوناتا...سأحبك دائما. وفجأة ادار رأس جواده واقترب من العربة التي توقفت عند جانب الطريق وقال: " مرحبا بك في كنيسة مادري روزاريا. سندخل فيما بعد لنشعل الشموع. اخبرني كيف حال كاحلك؟ " انزلق مارك من فوق الجواد وبادر الى مساعدتها على مغادرة العربة وسمعا سويا صوتا هادئا يقول: " هالو.. " التفت مارك نحو صاحبة الصوت فوجد الطفلة الصغيرة تتعلق بالتنورة الحريرية التي ترتديها رافينا فابتسم لها وقال: " يجب ان اخذ السيدة معي! " فاهتزت الابتسامة على شفتي الطفلة وقالت: " أوه.." مال بجسمه على الطفلة ولمس برقة خدها وقال: " انت ترين يا صغيرتي ليس معي احد يشاركني الاحتفال بالعيد سأكون وحيدا عندما يطلقون العابهم النارية " " ليس عنك اطفال يا سنيور؟ " " لا..ليس عندي اطفال ولكن السنيورة زوجتي تريد ان تشاركني مشاهدة الالعاب النارية هل تسمحين لي بذلك؟ " ابتسمت الطفلة الصغيرة وهزت رأسها بالايجاب وتركت يدها التي كانت ممسكة بالتنورة الخضراء وحمل مارك رافينا وحينما تطلعت اليه وجدت الابتسامة غامضة من وجهه وتحولت الى كآبة. لا شك ان الامر لا يمكن تجنبه كان وجود طفلة ساحرة لابد ان تذكره بابنه الذي فقده وعندما لوح بيده عادت النظرة المظلمة الى عينيه وقال: " تعالي...يجب ان نجد مكان نمضي فيه الليلة ونقيم فيه الفراش حتى يدرك الاخرون اننا حجزنا مكاننا. هل تعرفين انه من الضروري ان نمضي هذه الليلة في احضان التل؟ " هزت رافينا رأسها بالايجاب ورأت المصابيح بدأت ترسل اضواءها ودقات الاجراس راحت تدوي وتتردد اصداءها فوق الجبال وتلمس كل قلب بلمسة ساحرة وبعد قليل سوف تشتعل الاف الشموع فتبدد الظلام الذي يسود مدخل الكنيسة ولابد من مرور موكب حاملي المشاعل الذي تتقدمه صورة مادري روزاريا ويحملها احدهم عاليا حتى يتاح للجميع رؤيتها وسوف تخترق الالعاب النارية كبد السماء وتقام الموائد وتعزف الموسيقى. كانت التلال شاهقة الارتفاع حتى لامست قممها النجوم التي كانت اضواءها تتألق في عيني رافينا.
***نهاية الفصل الثامن***
9- المكتوب...هو المكتوب
تطايرت الالعاب النارية وانفجرت ثم امطرت وابلا من الاضواء الملونة على الوجوه المشرئبة دهشة وكان الشواء محملا في اسياخ تتقلب فوق فحم متأجج بالنار. وكان الاطفال يمرحون وهم ممسكون بالبالونات بينما اخذ بائع متجول يعرض على الجماهير الحلى الصغيرة وقام اخر ببيع الدمى المكسوة بالثياب في حين وقف غراب اسود على كتف غجري وراح يلتقط اوراق الكوتشينة من رف صغير وحينما قرأ الغجري المستقبل لاثنين من الفتيات انفجرتا بالضحك . وانهمكت رافينا في التطلع الى كل شئ حتى كادت تنسى الم كاحلها كانت ترتدي ثوبا تقليديا جعلها تشعر بأنها مثل هؤلاء الفتيات الضاحكات وكانت ذراع الرجل السردي تحيط بوسطها فانتابها الاضطراب ازاء احساسها بالسعادة التي تشبثت بها كما يتشبث هؤلاء الاطفال ببالوناتهم الملونة التي قد تتعرض لشرارة فتنفجر. سألها مارك: "هل تأخذين حلية صغيرة او دمية او ترغبين في معرفة المستقبل يمكنك ان تنالي الثلاثة اذا شئت " قالت مبتسمة: " الحلى الصغيرة لا تناسبني وعرفت مستقبلي ولكنني اظن انني اريد دمية" اومأ مارك للبائع للمجئ لأن رافينا سوف تضطر الى ان تمر وسط الجماهير لتصل اليه وعندما وصل اليهما البائع اختارت دمية ترتدي ثوبا قرمزي اللون الصدر مطرز والتنورة مكشكشة وشريط زينة رفيع الثنية. قال مارك: " اعطني الدمية ذات الرداء الوردي ايضا " والتقطها وناولها لرافينا ثم اردف يقول: " هذه الدية للطفلة الصغيرة ذات العينين الكبيرتين ربما نراها ثانية بمحض الصدفة " شعرت رافينا بالسعادة لان تجد مارك يتذكر صديقتها الصغيرة التي كانت تجلس معها في العربة. ةاخذت تتأمل الدمى بينما كان مارك يدفع ثمنها. سألها مارك: " قلت انك عرفت مستقبلك من اخبرك بحظك؟ " قالت: " انها امرأة تعيش في القرية تدعى فيرتيويللا " " تقولين فيرتيويللا ! آه تلك المرأة التي هجرها ابنها ماركو راعي الغنم ابن الثمانية عشر ربيعا الذي ضجر من حياته وانضم الى عصابة قطاع الطرق بغية رغد العيش " " الا تستطيع فعل شئ لمساعدته ؟ ان امه امرأة طيبة تعمل بجد وقلقة على ابنها " " يجب ان يترك ماركو العصابة قبل ان يمد المرء يده لمساعدته ويتكفل بأمره. ان المشكلة يا رافينا تكمن في اننا نجد الناس غير مستعدين دائما للعطاء عندما نطلب منهم بذل جهودهم. حاولت في اليوم الاخر ان اشرح السبب....ولكن....انظري....هاهي ذي الطفلة الصغيرة ذات الشريط المعقود في شعرها " كانت الطفلة تجلس مع عدد كبير من الاطفال امام مسرح العرائس تحدق باهتمام فيما تؤديه الدمى. تمتم مارك قائلا: " الاطفال يحبون مشاهدة مسرح العرائس " واحست رافينا بالحزن يشوب صوته وحدست انه كان يقف هنا مع ابنه منذ سنتين وكان يضحك مثل هؤلاء الاطفال الضاحكين وعيناه تتألقان بمثل الصدق والسعادة اللتين تنبعثان من عيون الاطفال . قال مارك: " اعطها الدمية " واشاح بوجهه الذي اضاءته شعلة من عود الثقاب الذي اشعل به سكارته وارخى الدخان ستاره فوق التغيير الذي بدا في عينيه وهما يبارحان سويا بعيدا عن صوت ضحكات الصغار. اقبل الليل...وبعد الانتهاء من مشاهدة الالعاب النارية جلس الناس جماعات والتفت كل جماعة حول النار التي اضرمت في الهواء الطلق وراحوا يتناولون شرائح اللحم المشوي وقطع الخبز واديرت اكواب الشراب بينما راح المنشدون ينشدون اغاني سردينيا القديمة على الات الماندولين. كان مذاق الطعام طيبا وكان كتف الرجل مكانا مريحا كي تريح رأسها بينما تلاعبت السنة اللهب فألقت ظلالها على الوجوه التي بدت عليها القوة والجمال والوقار. عكس شعر رافينا تألق النار وتلألأت عيناها بخضرتهما وهي تستمع الى اغنية سردينيا تروي قصة حب راعي غنم وسرها ان تدرك معنى الكلمات التي تتردد بالهجة المحلية وكانت تقول: الحياة تجعلني اصرخ..واضحك..واتنهد. احبها كلها..اما انت فأحبك اكثر من اي شئ اخر! ودفعها شئ مبهم الى التطلع لمارك. بينما كانت الموسيقى والكلمات تخفت تدريجيا وظنت انها ترى ومضة حنان في عينيه وسرعان ما ادركت السبب اذ دخل فجأة قوام نحيل الى دائرة ضوء القمر لها شعر اسود, حافية القدمين تمسك بيدها دفا صغيرا. انها فتاة المطعم التي راحت تبتسم وهي تدور بين الناس ثم خطت خطوات سريعة حتى تطايرت تنورتها الحمراء في الهواء وتوقفت امام مارك وزوجته وشوهدت ابتسامة على شفتيها يشوبها اليأس ثم قالت: " بادرون؟ ! " كانت كلماتها تحمل نبرة التوسل وتشبثت نظراته بعينيها ثم بدأت من جديد ترقص رقصة الدف. توترت رافينا وهي جالسة الى جوار مارك خلال الرقصة وودت ان تلوذ بالفرار ولكن كيف لها السبيل وكاحلها يعوقها عن السير وسوف تبدو كبرياؤها مهانة اذا هي فرت من فتاة ترقص لزوجها وحده. رأت رافينا ان الرقصة لن تنتهي واصبح فوق احتمالهل ان تجلس هكذا الى جوار مارك وشعرها يحك ذقنه ودفء كتفه ينفذ خلال بلوزتها الحريرية. وكانت رعشة الدفء وظلال الفتاة تطوف بكل مكان في دائرة ضوء النار واخيرا غربت الفتاة ولكن ظلها بقي في المكان فأشاع سحابة من الكآبة على رافينا ولم تستطع الفكاك من اسرها. بدأ الناس يتثائبون واخذوا يسعون للنوم اما في خيامهم او في عرباتهم وتبادلوا القبلات وهم يرددون التهنأة بالعيد السعيد. شعرت رافينا بيد مارك فوق كتفها ونظرت اليه بوحشية عندما جذبها الى صدره ولكنها سحبت نفسها دون ان تبادله قبلته. قال بنبرة باردة: " انها عادة ان يتبادل الناس القبلات في العيد الم يدخل المهرجان السعادة الى قلبك؟ " قالت: " انا...انا امضيت وقتا طيبا " ابتسم ساخرا وقال: " وقت طيب؟ متى تتعلمين ان تكوني منا وتشعرين بالعاطفة نحو شئ ما؟ تبدو عليك القسوة حتى يباغ بك الامر ان تنتزعي الاقراط من اذنيك. هل تدعين فتاة اخرى تسرق منك حبيبك؟ " قالت ببرود: " انا لا اضع اقراطا في اذني ومرحبا بالفتاة التي تستطيع ان تسرقك " وحاولت ان تفلت منه ولكن الم كاحلها افسد عليها المحاولة وكادت ان تتهاوى ولم تجد امامها الا ان تستعين بساعدة مارك في التوجه الى خيمتهما. كانت ليلة مخملية يتألق فيها ضوء النجوم وكانت رافينا قد اعتادت في رحلاتها المدرسية ان تنام في المخيمات التي تقام في الهواء الطلق اما الليلة فان الامر مختلف تماما انها تسمع صوت الريح تشدو اناشيدها عبر الاشجار التي تكسو الجبال وعندما تخلد الى النوم فنها سوف تشارك مارك التدفئة ببطانية من جلد الغنم لتواجه برودة هواء الجبل. قال مارك: " الرباط يجب ان يخفف قليلا حول كاحلك. اجلسي على هذه الشجرة المتهاوية وسأفعل ذلك بنفسي " وكان مستحيلا على رافينا مناقشة مارك وامتثلت لطلبه وشعرت بقوة لمسة اصابعه وهو يحل الرباط الحريري ويعيد تثبيته خفيفا حول كاحلها حتى لا تشعر بالخدر اثناء نومها . " هل الرباط مريح؟ " " اجل شكرا لك " وقف ثم استدار بظهره الى شجرة وقال: " قلت شيئا قبل اصابة كاحلك ولكنني نسيته حتى الان. لقد اشرت الى فتاة..." قالت: " ليس الوقت او المكان مناسبين لمناقشة الموضوع انا متعبة جدا ويوجد هناك اناس بالقرب منا " " بالطبع ولكن اجيبي فقط على سؤالي يا رافينا هل تظنين انني على علاقة بامرأة اخرى؟ " وقع عليها السؤال واقعا مفاجئا قاسيا فقالت: " اذا كنت تبغي امرأة اخرى فمن الخير ان تدعني ارحل " ووقفت على قدميها لمواجهته واردفت تقول: " لا تحتفظ بي معك يا مارك. انت تعلم بانتفاء السعادة بيننا وحياتنا تسير هكذا " واستدارت لتبتعد عنه وترقد فوق السجادة وودت لو تخلد للنوم قبل ان يلحق بها ولكنها سمعت وقع اقدامه تقترب منها وتوتر جسمها عندما نام الى جوارها وانتظرت الى ان يلف ذراعه حولها كعادته الا انه رقد بعيدا عنها . استيقظا مبكرين في الصباح وطويا فراشهما وغادرا المكان متجهين الى منزل السرو وبدت لهما الجبال خالية من الناس ولم يبق احد سواهما وخيل لهما ان هذا الحدث لن يتكرر ثانية وحدثت نفسها قائلة : انني لا اشعر انني انبض بالحياة او انني امرأة بصحبة رجل كما اشعر الان. مارك...اوه لو استطيع ان اعرف حقيقة قلبك...كما اعرف شكل وجهك . وصلا البيت قبل الظهر وكانت رافينا سعيدة ان تدخل غرفتها وتغسل جسمها وترتدي ثيابا خفيفة فضفاضة وتناولت الطعام وحدها وامظت فترة بعد الظهر وحيدة وشعرت ان مارك نأى بعيدا عنها لأن لديه شيئا على جانب من الاهمية يخص مستقبلها يريد ان يفضي به اليها. واستبدلت ثوبا حريريا بثوبها وهبطت درجات السلم لتنتظر مارك في غرفة الاستقبال حيث كانت تلتمس الهدوء لقلبها....وعقلها !. اخيرا جاء مارك وبدا لها رجلا مختلفا وهو في بدلته الرمادية. كان صارما طويلا متحفظا وليس في صورة السردي الذي حملها فوق جواده لمشاهدة الاحتفال بالعيد. واستقرت عيناه على قدميها التين استراحتا على مقعد مستدير صغير وقال: " كيف حال كاحلك؟ " " يؤلمني. ولكنني سأعيش. الا تجلس يا مارك..انت تثيريني بقوامك الفارع وهو يطل علي " غاص مارك في احد المقاعد الوثيرة وراح يبحث عن صندوق لفائفه وسألها: " هل يمكنني التدخين؟ " قالت: " طبعا يمكنك التدخين انت تعرف انني احب رائحة الدخان " قال " رافينا..." ردد اسمها وشعرت ان ما سيقوله مارك سوف يحدد مصير مستقبلها وحتى هذه اللحظة كان قلبه لا يلين امام اي شئ كان صارما عندما قال لها ستتزوجينني وستتعلمين كيف تعيشين مع وجهي هذا . استقرت عيناها على وجهه وكان غريبا ان تشعر بأن ندوبه لم تعد تثيرها كثيرا. الأنه لم يتعود ان يطأطئ رأسه ليخفيها عن الناس واحست انها توارت عن بصرها واصبح ما يعنيها منه قوته وسحر عينيه. سألته: " ما الامر يا مارك؟ " وتقلصت يدها وفكرت في الكلمات التي تفوهت بها وهما فوق الجبل حينما قالت له ان السعادة الحقيقية لن تعرف مكانها بينهما . قال بصوت حاسم المخارج قاطع النبرات : " سأغيب عن البيت اسبوعا لن اخبرك بالسبب او المكان الذي سأتوجه اليه ولكن عندما اعود ستكون لدينا امور يجب مناقشتها وحقائق يجب ان نواجهها " برزت عيناها وسألته: " الا نستطيع مناقشتها الان...هل يجب علي الانتظار اسبوعا اخر؟ " نهض مارك واقفا على قدميه وقال: " اجل...لقد طلبت منك الشئ الكثير يا رافينا والان اطلب منك الصبر " " تطلب مني الصبر يا مارك؟ ان امضي اسبوعا كله انتظار وتساؤل بينما تذهب انت اينما تشاء هل هي رحلة عمل ايضا؟ " قال مترددا: " ليس تماما " " هل لها علاقة بتلك الفتاة صاحبة الشعر الاسود التي رقصت لك ليلة امس؟" توهجت عيناها لتلتقيا بعينيها وقال: " رقصت لي؟ هل تظنين.... ؟ " شعرت رافينا بالبرود يكتنفها واستجمعت شجاعتها وقالت له: " انني اعرف انك تورطت في علاقتك مع هذه الفتاة ومن اجلها تتغيب كثيرا عن البيت. اسمعني يا مارك ليس من المحتم ان انتظر اسبوعا اخر نناقش فيه امر مستقبنا يمكننا مناقشته الان. اذا اصررت على الذهاب فلا تتوقع ان تجدني هنا حينما تعود " بدا التجهم على وجهه وتقدم نحوها وقال: " بل يجب ان تكوني هنا. انني اصر ان تعديني بالبقاء حتى اعود " وارتجف صوتها وسألته: " لماذا تصر على وعدي؟ دونا جوكاستا تستطيع ان تحتجزني في غرفتي " برزت الندوب جلية في وجهه وهو يقول: " لا تكوني طفلة. كل ما اطلبه هو ثقتك لمدة اسبوع واحد فقط. هل يمكنك ان تمنحيني اياها على الاقل؟ " قالت مترددة: " على الاقل؟ ظننت اني اعطيتك كل شئ طلبته مني...اني اسفه...كل شئ تراه يعد قليلا في نظرك في الوقت الذي يعني عندي المزيد من الالم. انني اعاني من الشقاء وانا بعيدة عن وطني وانت تأتي بي الى هنا الى بيت الاشباح والذكريات. هل تظن انني امضيت يوما سعيدا هنا؟ هل تظن انني اكترث كثيرا في ان تفضي الي الان او بعد اسبوع بأن لعبة التأثر انتهت ؟ " نهضت واقفة وراحت تجيل طرفها فيه فلم تأبه لقوته اذا ما قورنت بنحالة اقدامها فقال لها: " اجل ان لعبة التأثير انتهت. هناك بعض الكلمات التي لم تقل بعد ولكن بحق الشيطان لن اتفوه بها الان. لا اظن انني لا استطيع ان اقولها " وتنحى جانبا فبدت صورته الجانبية باردة متكبره ثم قال: " كم اود ان اجعل تفهمين بأن هذه الحالة هامة وغير هامة في الوقت نفسه وعلي ان اذهب لانني وعدت بالذهاب...الا يمكنك ان تعديني ؟ " قالت ببرود: " لا...لا يا مارك " هز كتفيه العريضين باستخفاف وقال: " المكتوب هو المكتوب " حملقت رافينا فيه وهو يغادر غرفة الجلوس وقد تجمدت كلماته (المكتوب هو المكتوب) على شفتيها واحست ان الرباط الضاغط الملفوف حول كاحلها قيودا تغل حركتها ان المكتوب هو المكتوب ولن تستطيع ان تفعل شيئا لتغيير مجرى الاحداث. ووقفت مكبلة بالكبرياء والدموع تنهمر على وجنتيها وتركته يذهب الى الفتاة الاخرى .
* * * * * *
لانونا لابد ان تكون راودها الشك في حدوث صدع في علاقة حفيدها بزوجته ولكنها لم تشر الى رحيله المفاجئ من المنزل عندما التقت بها في صالونها هذا المساء وانما تحدثت عن تلك الايام التي امضتها في الجزيرة وتفحصت رافينا ببصرها مليا وهي جالسة على السجادة بجوار المدفأة وقالت لها: " يمكنك ان تعتبري نفسك امرأة يوم ان تفهمي السردي. انت تجلسين تماما كما جلست في تلك الليلة الاولى التي اتيت فيها كنت طفلة ورحت اتطلع الى شعرك في ضوء النار وقلت لنفسي: أه...هذه الفتاة ذات الشعر الاحمر والعينين الخضراوين ستتسبب في اثارة متاعب كثيرة. قالت رافينا: " كنت تريدين فتاة مطيعة سهلة الانقياد! " قالت الجده: " اريد السعادة فقط لماركوس بعد طول الحزن بعد ظننت ان الحزن سوف يقضي عليه او سيقوده الى الجنون...اخبريني يا رافينا متى تفضين له بوجود جنين في احشائك؟ " نظرت رافينا اليها وودت ان تنكر ما حدسته لانونا ولكنها اصدمت بالامنية الدفينة التي تتراقص في عينيها فوجدت انه من الحماقة الانكار فقد رأت لانونا الكثير من هذه النيا وتشعر بما يتمناه مارك. نزلت الدموع فجأة من عيني رافينا وقالت: " وماذا يهم في الامر؟ كنت محقة من البداية يا لانونا قلت لابد للانسان ان يتزوج من قريته...وانا راحلة " قالت وهي مصدومة: " لا تستطيعين هناك طفل...ربما يكون ابنا لماركوس " " لا يهمني...انني ماجئت الى هنا لاقدم الى مارك ما يريد مني دون اي اعتبار لمشاعري ان احاسيسي لم تعد تعنيني فهو واقع في غرام فتاة اخرى" اقتربت لانونا من رافينا ولمست دموعها التي انحدرت على وجنتيها وكأنها اعتادت ان تؤمن بما تشعر به. قالت: " ما هذا الذي تقولينه؟ كيف تكون فتاة اخرى؟ ماركوس تزوجك انت " اطلقت رافينا ضحكة مريرة وقالت: " ولكنه يأسف الان على هذا الزواج. زواجنا انتهى يا لانونا وانا راحلة " قالت الجدة: " هنا بيتك. كل اطفال دي كورزيو ولدوا في منزل السرد وهنا سيولد طفلك" قالت: " سيولد طفلي في رافنهول " ووقفت على قدميها واستطردت تقول: " الا تعلمين ان مرك يمضي هذه الليلة بصحبة امرأة اخرى؟ انها من بنات الجزيرة لها شعر اسود مثل دوناتا ربما يجد لديها كل ما فقده " " انه طفل...كوني عاقلة " " كنت عاقلة اكثر من اي انسان اخر ولكنني لا استطيع ان اتمسك بالتعقل تجاه علاقة مارك بفتاة " وبدت لانونا فجأة امرأة عجوز طاعنة في السن بالغة الاعياء وقالت: " لا توجد اي علاقة على الاطلاق. زوجك يا طفلتي ذهب للبحث عن ماركو كريستي. وهذا معناه ان يذهب الى الجبل حيث يختفي قطاع الطرق. لم يرغب مارك في ان تعرفي بالامر وانما افضى به الي وطلب مني ان اكتم السر. انهم رجال خارجون عن القانون وقد توسلت له الفتاة ان يبحث عن فتاها. وقال انه سيسرك اذا استطاع ان يقنع ابن فيرتيويللا بالعودة الى امه ويسلك حياة شريفة " شيئا.. فشيئا.. اخذت الكلمات تخترق قلب رافينا وسألت: " لماذا لم يخبرني؟ لماذا احتفظ بالسر؟ " قالت الجدة: " ربما ظن انك ستقلقين عليه او ربما خشي ان لا تسمحين له بالذهاب " واخذت يدها تهتز واومأت لرافينا قائلة: " الا تسكبين لي كأسا من الشراب يا طفلتي؟ اشعر في انني بحاجة اليه. ومن طلعة وجهك ارى انك يجب ان تشاركيني باحتساء كأس سوف يساعدك على النوم " . وبعد مضي يومين سمعت طرقة على باب غرفة نومها ففتحته ورأت رينزو امامها ومعه رسالة لها وصلت لتوها وشاهدت طوابع انجليزية على ركن الظرف وبدا عليه خط رودري في غير تناسق. سألها رينزو وعلى وجهه علامات قلق واضح: " هل تريد سيدتي فنجانمن القهوة؟ " " اجل احضره لي في غرفة الجلوس سأقرأ الرسالة هناك " وقفت في غرفة الجلوس فترة طويلة تحاول فض الرسالة ولكن اصابعها لم تطاوعها على فتحها وكانت تخشى ان تحوي في طياتها انباء سيئة. ولكنها تحاملت على نفسها في النهاية وفتحت الرسالة بأصابع باردة ومتوترة. كتب رودري لها يخبرها بعودته الى استراليا واقنع اباه بالذهاب معه وانهم سيستقلون الباخرة واخبره الطبيب بأن الرحلة البحرية سوف تفيد جاردي وحيث ان رافينا تزوجت واستقر بها المقام فيسردينيا فلا يوجد اي مبرر للابقاء على رافنهول فأعلنوا عن بيعه. جلست رافينا على مقعد لانها شعرت بوهن يسري في اوصالها . انها لا تصدق ان جاردي يبيع رافنهول وسوف يذهب مع رودري الى نيوساوث ويلز انه مكان بعيد يصعب عليها بلوغه وشعرت ان اقرب الناس هجروها. وتذكرت طفلها! قالت منذ ليال قليلة مضت انه سيولد في رافنهول لكن البيت الذيامضت فيه طفولتها سيصبح ملكا لانسان غريب واحست برغبة في البكاء فلم يعد هناك اي شئ تتعلق به لا جاردي ولا بيت ولا احد يمكن ان تركن اليه وعندئذ سمعت اقدام تقترب منها وتقول: " ان فنجان من القهوة افضل من لا شئ " وتطلعت ببصرها لتأخذ الفنجان فوجدت انسان طويلا يقف عند الباب وبدا عليه الاجهاد وفي نظراته علامات الفضول فصرخت قائلة: " مارك!!!" فقال مبتسما : " ظننت انك رحلت " قالت: " لانونا اخبرتني بسبب ذهابك للجبل " عقد مارك ما بين حاجبيه وكسا التراب حذاءه ورأت مزقا في قميصه. قال: " لا تقولي انك كنت قلقة علي؟ " سألته وهي تمزق رسالة رودري قطعا صغيرة: " هل وجدت ابن فيرتيويللا؟ هل تحدثت معه؟ " " اجل كان في حاجة الى من يقو له [ انت فتى احمق] وان امه وفتاته في انتظار عودته الى البيت ليمنحاه حبهما هذا الحب الذي لا يستطيع ان يطلبه او يستدينه او يسرقه. انني احسده " ورفعت رافينا عينيها عن الرسالة الممزقة وتطلعت الى مارك وقالت: " الا من الفتاة التي تحبه؟ " " اجل على الرغم من الاذى الذي اصابها منه فانها تحبه....انت تمزقين هذه الرسالة يا رافينا" نظرت الى قطع الرسالة في دهشة وقالت: " انها رسالة من رودري " انتصب مارك واقفا وقال: " برينين؟ وتمزقين رسالته؟ لماذا؟ " " انا...انا لم الحظ ابدا انه سيذهب الى استراليا مرة اخرى وبصحبته جاردي...لقد باعوا رافنهول " " اذن لن يكون امامك اي مكان تهربين اليه؟ " " اوه مارك" ووضعت وجهها بين يديها لانه لا يشعر بما تشعر وتمنت...ولكن تمنت ماذا؟ وسرت رعشة في اوصالها عندما خطا نحوها ولمست يداه كتفيها. سألها: " هل تريدين الذهاب الى استراليا ؟" شعرت بقربه الى جوارها وادركت تماما ماذا تريد..انها تريده هو...هو فقط. هزت انفاسه شعرها وسألها: " رافينا هل تريدين ان احررك مني؟ " تطلعت اليه وادركت انها لن تتحرر منه ولن تهرب من الحب اذا نبض القلب به. وفي هذه اللحظة شعرت انها لا تستطيع ان تختار حريتها كما انها لم تعد تقوى على العيش معه دون حبه. سألته: " هل ستدعني ارحل؟ " " لن ادفعك الى البقاء. هذا اذا لم تكوني راغبة في ذلك " ولاول مرة رفع مارك يده ليغطي وجنته المشوهة وقد بدت سحب الالم في عينيه واستطرد يقول: " كيف لي ان اسألك ان تحبيني كيف لي ان اطمع في قدرتك على الاحتمال؟ انني لا املك حديقة ورد اقدمها لك. وكل ما املكه منزل اشباح وذكريات " واستعد ليغادر الغرفة عندما استوعبت فجأة كل ما قاله لها فقفزت واقفة على قدميها وصرخت تنادي اسمه: " مارك..مارك..لا تذهب حبيبي! " فوقف ساكنا تماما رأسه شامخ بالكبرياء ولم يستطع ان يلتفت ليتطلع اليها فأسرعت وشخصت ببصرها اليه وقالت برقة: " انني لا اكره قبلاتك او ندوبك " واشرأبت بجسمها وجذبت رأسه اليها وكانت شفتاها ناعمتان وهي تطبع قبلة على وجنته التي تكسوها الندوب واردفت تقول: " ان الحب اعمق من الندوب الغائرة يا مارك " سألها والشك في نظراته: " كم يطول هذا الحب؟ " اشارت باصابعها الى المزق في قميصه وقالت: " لا اعلم...ولكنني كنت دائما اشعر انني احبك " " كنت تكنين لي الكراهية " امسك بيدها وشعرت بنبض قلبه واردف يقول: " انت تزوجتني وانت تعرفين بأنني لن اقوى على الحاق الاذى بصديقك الغالي رودري انك توجهت الى مقابلته يوم زفافنا " قاطعته قائلة: " جاردي كان مريضا وكنت خائفة من نتيجة ما سيحدث لو ان رودري افضى له بحادث السيارة. كان رودري يريد ان يعترف لابيه واستغرق الامر مني فترة لكي يعدل عن اصراره على الاقرار بجريمته " " كان اعترافه سيحررك من اي التزام نحوي الم تراودك الرغبة في ان تكوني حرة؟ " جذبها وهو يتحدث اليها فوضعت ذراعيها حول عنقه ونظرت الى عينيه و في خجل ضغطت وجهها على صدره وقالت: " لم اكن اعرف حقا ما اريد حينئذ ولكنني الان اعرف ما اريد. انني اريد ان اسعدك يا مارك سعادة تفوق ما قدمته لك دوناتا " التفت يداها حول وسطها وندت زفره من فمه وقال: " تزوجت دوناتا لارضي اسرتي ولكني تزوجتك لارضي نفسي. كنت على استعداد لان ازيح من الوجود اي انسان يعترض طريقي باستطاعتك القول انه الحب من اول نظرة. كنت اطالبك بدفع الثمن للطريقة التي فقدت بها ابني درستي اما الان فلا اتصور انك تقدمين لي حبي " وقفت رافينا على اطراف اصابع قدميها وهمست في اذنه بسر معين ومضى وقت طويل قبل ان يعود كل واحد منهما الى الحديث. وسرعان ما غابت الظلال من منزل السرو وترددت ضحكات طفل في ارجائه وراحت رافينا تراقب بحب زوجها وهو يرفع ابنهما الى كتفه وينظر اليها بعينين تتألقان حبا ولسان حالهما يردد: " المكتوب...هو المكتوب "
***تمت بحمد الله***
رواية العروس الأسيرة كاملة

ليست هناك تعليقات